هندسة العطش والواحات المسوّرة: هل تُكتب جغرافيا الشرق الأوسط بحبر بيئي خفي؟

بقلم: رانية عقل

تاريخ النشر: 31/05/26 | 19:16

قبل آلاف السنين، لم يكن تمكين النبي يوسف في الأرض قائمًا على الجيوش أو الحدود، بل على قراءة مبكرة لسنوات العجاف القادمة، وعلى إدارة دقيقة لمخزون القمح في زمنٍ أدرك فيه الناس أن النجاة ليست دائمًا عسكرية؛ أحيانًا تكون سيطرة على الغذاء والماء وإيقاع البقاء نفسه.
اليوم، يعود الشرق الأوسط إلى المشهد ذاته، لكن بصورة أكثر قسوة وتعقيدًا.
فالمنطقة التي تبدو غارقة في الحروب الأمنية والهوياتية والطائفية، تخفي تحت سطحها صراعًا آخر أقل ضجيجًا وأكثر خطورة صراع على من يملك القدرة على النجاة في قرنٍ يزداد حرارة وجفافًا واختلالًا.
من غزة إلى الليطاني، ومن الجولان إلى شمال شرق سوريا، ومن اتفاقيات أبراهام الممتدة من الرباط إلى أبو ظبي، لا تبدو التحالفات الجديدة ولا خرائط النفوذ العسكرية منفصلة عن سؤال الموارد. فالمناخ لم يعد مجرد خلفية بيئية للأحداث، بل أصبح محركًا خفيًا يعيد ترتيب الجغرافيا السياسية للمنطقة وفق مفهوم جديد يمكن تسميته بـ “الملاجئ المناخية”.
في عالم يقترب تدريجيًا من أزمات المياه والغذاء والنزوح البيئي، تتحول بعض المناطق إلى مخازن استراتيجية للحياة المقبلة: أنهار، أحواض جوفية، سواحل، أراضٍ زراعية، وممرات طاقة قادرة على الصمود في زمن الاضطراب المناخي. وهنا تحديدًا تبدأ خرائط السيطرة بالتحول من مجرد حدود سياسية إلى خرائط بقاء طويلة الأمد.
الصراع على سوريا، مثلًا، لا يمكن قراءته فقط كصراع نفوذ تقليدي. فالشمال الشرقي السوري ليس مجرد مساحة جغرافية هامشية، بل سلة غذائية تاريخية، والسيطرة عليه تعني الاقتراب من واحدة من أهم مناطق إنتاج القمح في المنطقة. كما أن السيطرة على جبل الشيخ ليست مجرد تفوق عسكري بصري، بل سيطرة على “برج مائي” يغذي أحواضًا كاملة في منطقة تعيش أصلًا على حافة الإجهاد المائي.
وفي جنوب لبنان، يعود نهر الليطاني باستمرار إلى قلب المخيلة الأمنية الإسرائيلية، ليس فقط باعتباره نهرًا حدوديًا، بل باعتباره أحد مفاتيح المياه في شرق متوسط يتجه نحو مزيد من الجفاف والتوتر المناخي.
لكن المشهد لا يتوقف عند المياه وحدها. فحين ننظر إلى خارطة التحالفات الجديدة في المنطقة، يظهر بوضوح أن الصراع لم يعد فقط على الأرض، بل على أدوات البقاء المستقبلية نفسها: الغذاء، الطاقة، التكنولوجيا الزراعية، والقدرة على التكيّف المناخي.
هنا تبدأ “اتفاقيات البيئة غير المعلنة”.
اتفاقيات تُقدَّم بلغة السلام الاقتصادي والتعاون الإقليمي وتبادل الطاقة، لكنها تحمل في عمقها إعادة توزيع جديدة للقوة في الشرق الأوسط. فالدول التي تمتلك التكنولوجيا الزراعية والمائية تتحول تدريجيًا إلى مراكز نفوذ، بينما تدخل دول أخرى في علاقات اعتماد طويلة الأمد لضمان أمنها الغذائي والمائي في المستقبل.
وفي الخليج، حيث تتسع المدن الزجاجية وسط بيئة صحراوية قاسية، لم يعد التكيّف المناخي ترفًا بيئيًا، بل مشروع بقاء كامل. المال وحده لا يصنع الأمن المناخي، ولذلك تتجه الاستثمارات نحو الزراعة الصحراوية، وتحلية المياه، وإدارة الغذاء والطاقة، بالشراكة مع مراكز التكنولوجيا الإسرائيلية التي تقدم نفسها باعتبارها نموذجًا للنجاة داخل بيئة شحيحة الموارد.
وفي هذه المعادلة الجديدة، لا تبدو اتفاقيات أبراهام مجرد تحولات دبلوماسية عابرة، بل جزءًا من إعادة هندسة إقليمية أوسع، يصبح فيها الماء والطاقة والغذاء عناصر مركزية في بناء التحالفات القادمة، حتى لو جرى تغليف ذلك كله بلغة الاقتصاد والسلام والابتكار.
ويمتد هذا الخيط حتى شمال إفريقيا، حيث يتحول الفوسفات المغربي إلى أكثر من مجرد مادة خام. ففي عالم يقترب من أزمات غذاء متلاحقة، تصبح الأسمدة الزراعية قضية سيادية عالمية، ويصبح امتلاك أحد أكبر احتياطات الفوسفات في العالم ورقة استراتيجية في معركة الأمن الغذائي القادمة.
لكن بينما تُبنى هذه الشبكات الكبرى فوق الخرائط، يعيش الفلسطيني يوميًا النسخة الأكثر مباشرة ووحشية من هذا الصراع: “إدارة العطش”.
هناك، لا تبدو المياه موردًا طبيعيًا عاديًا، بل أداة سيطرة سياسية كاملة.
بئر يحتاج إلى تصريح.
مياه مطر قد تتحول إلى مخالفة.
وصنبور الماء نفسه يصبح خاضعًا لمنطق أمني وديموغرافي.
في قرى وبلدات فلسطينية كثيرة، يعيش الناس صيفًا كاملًا تحت تقنين الماء، بينما تظل المسابح والحدائق الخضراء في المستوطنات المجاورة ممتلئة بلا انقطاع. وهنا لا يعود الحديث فقط عن نقص موارد، بل عن نظام كامل من “الأبارتهايد المائي” الذي يُعاد عبره تنظيم من يملك حق الحياة الطبيعية ومن يُدفع تدريجيًا نحو إنهاك يومي دائم.
وفي الجولان المحتل، تتحول المياه إلى امتداد مباشر للسيطرة على الأرض والهوية، حيث تُسحب موارد مائية كاملة كما في حالة بركة رام من محيطها السوري الطبيعي لتُعاد هندستها داخل منظومة استيطانية أوسع.
أما غزة، فتمثل ربما الشكل الأكثر تطرفًا لهذا المشهد.
فحين تُدمَّر البنية التحتية المائية، وتُستنزف التربة، وتُضخ مياه البحر إلى الأحواض الساحلية، ويتحول الوصول إلى الماء النظيف إلى معركة يومية، يصبح من الصعب النظر إلى ما يحدث باعتباره مجرد “أضرار جانبية للحرب”.
ما يحدث هناك يتجاوز التدمير العسكري المباشر نحو إنهاك البيئة نفسها، وتحويل الحيّز البيئي إلى مساحة تفقد تدريجيًا قدرتها على الحياة والتكيّف. ومع الوقت، لا يعود التهجير مرتبطًا فقط بالقصف أو الحدود، بل أيضًا بانهيار الشروط الأساسية التي تجعل البقاء ممكنًا أصلًا.
وهنا يظهر الوجه الأخطر في الحروب المناخية القادمة:
ليس تهجير الناس بالقوة فقط، بل جعل البيئة نفسها غير قادرة على احتضانهم.
في هذا الشرق الأوسط الجديد، تُبنى “واحات تكنولوجية” محمية بالجدران والطاقة والتحلية والذكاء الزراعي، بينما يُترك محيط كامل ليواجه العطش والتصحر والانهيار البيئي بأدوات محدودة وهشة.
لكن ما يغفله هذا النموذج كله هو أن الإنسان المرتبط بالأرض منذ قرون لا يرى الماء مجرد سلعة أو ملف تفاوض سياسي. الماء هنا جزء من الذاكرة والكرامة والزراعة ومعنى الاستمرار نفسه.
ولهذا، قد تكون أكثر الأشياء التي تبدو بسيطة وهشة كالأرض الطينية، والآبار القديمة، والزيتون، والمعرفة الزراعية المتوارثة هي ذاتها ما يملك القدرة الأعمق على الصمود في وجه عالم يُعاد تشكيله بمنطق الخوف والأسوار وإدارة العطش.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
بقجة Icon
بقجة
أحصل على تطبيق بقجة الجديد
تحميل
×

تمّ اكتشاف مانع للإعلانات

فضلاً قم بإلغاء مانع الإعلانات حتى تتمكن من تصفّح موقع بقجة