الواقعية الإيرانية… والواقعية العربية تحت الخيمة الأمريكية من أحمديان إلى أحمد العربي
تاريخ النشر: 25/05/26 | 16:47
في الشرق الأوسط، لا تكفي الشعارات لفهم السياسة.
فالمنطقة التي ترفع أكثر الأصوات صخبًا، هي نفسها التي تُدار غالبًا بأهدأ الغرف المغلقة. ومن هنا يظهر الفرق بين ما يمكن تسميته “الواقعية الإيرانية” و”الواقعية العربية”، أو بين عقل الدولة وعقل الخيمة.
إيران، منذ عقود، تبني مشروعها بصبر الفرس القدماء: تفاوض وتقاتل، تتراجع خطوة لتربح عشرًا، ترفع شعار الثورة لكنها لا تنسى حسابات السوق والطاقة والممرات البحرية. تعرف أن العالم لا يُدار بالعواطف، بل بموازين القوة. لذلك لم يمنعها عداؤها المعلن لأمريكا من التفاوض معها حين تقتضي المصلحة، ولم تمنعها العقوبات من بناء نفوذٍ يمتد من الخليج إلى المتوسط، حتى لو دفع الجوار أحيانًا ثمن هذا التمدد.
في المقابل، تبدو الواقعية العربية الرسمية وكأنها مدرسة أخرى تمامًا؛ واقعية تقوم على البقاء لا البناء، وعلى تجنب الغضب الأمريكي أكثر من تجنب غضب الشعوب. ولهذا تحولت “الخيمة العربية” شيئًا فشيئًا إلى مظلة أمنية أمريكية كبيرة: من يدخلها ويدفع “الخاوة” ينجُ، ومن يخرج عن طاعتها يُعاقَب بالعقوبات أو الفوضى أو إعادة التأهيل السياسي.
ومن هنا تبدأ الحكاية الساخرة:
من “أحمديان” الإيراني الذي يتحدث بلغة المصالح والاستراتيجية، إلى “أحمد العربي” الذي ما زال يظن أن السياسة بيان شجب واستنكار، أو صورة جماعية بعد كل كارثة.
هناك، تُدار الدولة بعقل المشروع:
كيف نصنع طائرة؟
كيف نلتف على الحصار؟
كيف نفاوض الخصم دون أن نفقد أوراقنا؟
وهنا، تُدار السياسة أحيانًا بعقل الموظف الإقليمي:
كيف نرضي واشنطن؟
كيف نضمن رضا صندوق النقد؟
كيف نمنع الشارع من طرح الأسئلة؟
إيران تفهم أمريكا جيدًا، ولذلك تفاوضها من موقع الخصومة المنظمة. أما كثير من العرب، فيفهمون أمريكا بوصفها “الراعي الأخير للخيمة”، ولذلك تتحول العلاقة من تحالف إلى اعتماد نفسي وسياسي واقتصادي.
المفارقة أن الطرفين يستخدمان الواقعية، لكن بمعنيين مختلفين:
الواقعية الإيرانية تحاول توظيف القوة الدولية لخدمة مشروعها القومي، بينما الواقعية العربية كثيرًا ما تتحول إلى فنّ التكيّف مع موازين القوى حتى لو كان الثمن تآكل القرار الوطني.
ولهذا يبدو المشهد أحيانًا كاريكاتوريًا:
إيران المحاصَرة تصنع المسيّرات،
والعرب الأثرياء يستوردون حتى روايتهم السياسية من الخارج.
هناك من يحوّل العقوبات إلى دافعٍ للإنتاج،
وهنا من يحوّل الثروة إلى موسم استهلاك وخوف دائم من المستقبل.
لكن المشكلة ليست في إيران وحدها، ولا في أمريكا وحدها، بل في غياب مشروع عربي مستقل يرى الإنسان العربي مواطنًا لا مجرد رقمٍ في معادلة الأمن والطاقة.
فالخيمة الأمريكية قد تمنح الحماية المؤقتة،
لكنها لا تصنع سيادة،
ولا تبني تاريخًا،
ولا تزرع في الأمة إرادة النهوض.
الأمم لا تُقاس بعدد القواعد الأجنبية فوق أرضها،
بل بقدرتها على الوقوف دون عكازات.
وما بين أصفهان والخيمة الأمريكية،
لم يسقط العرب لأنهم فقراء،
بل لأنهم، في لحظةٍ مصيرية،
استبدلوا مشروع الأمة
بعقدِ “خاوة” باسم الحراسة.

