حين ينكسر الضمير الجمعي… يتحول المجتمع إلى غابة بشر
فخري هوّاش
تاريخ النشر: 24/05/26 | 8:06
يرى عالم الاجتماع الفرنسي إميل دوركايم أن المجتمع لا يحيا بالقوانين وحدها، بل بـ”العقل الجمعي”، أي بمنظومة القيم والأخلاق والضمير المشترك الذي يردع الفرد من الداخل قبل أن يردعه القانون من الخارج.
وحين يضعف هذا العقل الجمعي، تبدأ الجماعة بالتفكك، وتتحول الروابط الاجتماعية إلى مصالح وخوف وغرائز قوة.
وإذا أسقطنا هذا المفهوم على واقع كثير من المجتمعات اليوم، وخصوصًا في الداخل العربي الفلسطيني، فإننا لا نواجه أزمة أمن أو اقتصاد فقط، بل أزمة أعمق في بنية الضمير الجمعي ذاته.
فالعنف والقتل لم يعودا حوادث فردية، بل ظاهرة يومية متكررة. والسوق السوداء، وعائلات الإجرام، والسلاح المنفلت، وتآكل الردع الأخلاقي والاجتماعي، كلها علامات على انهيار منظومة القيم التي كانت تضبط المجتمع.
كانت العائلة، والجار، والمدرسة، والمختار، ورجل الدين، والوعي الوطني، تشكل شبكة حماية أخلاقية.
أما اليوم، فتقدّم مكانها منطق جديد: المال السريع، القوة المسلحة، الاستعراض، الفردانية القاسية، والخوف بدل الاحترام.
والمفارقة أن هذا يحدث رغم كثرة الأكاديميين والمتعلمين. لكن التعليم بلا ضمير جمعي لا يصنع مجتمعًا، بل أفرادًا منفصلين عن مسؤوليتهم الأخلاقية. وهنا يتعمق الفارق بين المعرفة والوعي الاجتماعي، بين الشهادة والانتماء.
وبلغة دوركايم، نحن أمام حالة “الأنومي” أو “اللامعيارية”: انهيار المعايير دون أن تولد بدائل جامعة، فتضطرب البوصلة الأخلاقية، ويصبح الاستثناء هو القاعدة.
في هذا الفراغ، قد يصبح القاتل “اسمًا معروفًا”، وصاحب النفوذ المشبوه “قدوة”، والصمت على الجريمة شكلًا من أشكال التكيف اليومي.
إن أخطر ما يواجه أي مجتمع ليس الفقر فقط، بل تآكل العقل الجمعي؛ لأنه حينها يفقد المجتمع مناعته الداخلية، ويتحول أفراده إلى جزر خائفة متجاورة.
ومواجهة هذا الانهيار لا تكون بالأمن وحده، بل بإعادة بناء الضمير الجمعي عبر التربية، والثقافة، والعدالة الاجتماعية، وتفعيل دور الأسرة والمدرسة، واستعادة قيمة الإنسان فوق المال والسلاح والنفوذ.
وفي غياب الدولة، وتحييد القانون والردع، يصبح واجبًا علينا أن ننفخ في روح الضمير الجمعي، وأن نوقظ ما تبقى من حياء الجماعة قبل أن يتحول الخراب إلى عادة، والجريمة إلى مشهد يومي عابر، والفادح إلى وجهة نظر.
فالمجتمع الذي يفقد حسه الوطني وضميره المشترك… لا يحتاج كثير وقت ليفقد نفسه.

