يا ويلنا من النرجسيين .! .
يوسف جمّال - عرعرة
تاريخ النشر: 23/05/26 | 17:21
صدمتني كثرة النرجسيين بيننا ..
وصدمتني كثرة الأضرار والخراب التي يعيثونها في المجتمع .
غالبيتهم هم أشخاص يملكون قوى عقلية كبيرة . كان بإمكانهم أن
يقدّموا لمجتمعهم الكثير .
صدمتني كثرة استعمالهم لقوى الهدم التي تعشش في داخلهم . في هدم التواصلات الاجتماعيه .
وهذا المقال ليس بحثاً علمياً أكاديميّاً . ولم أقصد به أن يكون كذلك . وليس لديّ القدره على ذلك , فهذه المواضيع النفسية لها الأكادميون المختصون بها .
هو مجرّد تجارب شخصية أعايشها يومياَ ..
لي صديق نرجسي يحاول أن يلتقي بي في كلٍّ الأوقات التي يستطيع أن يلاقيني بها ..
فهو لا يريد منّي شيئاّ سوى أن يحكي لي عن نفسه ..
وعن نفسه فقط ! .
ولا يهمَّه أن يعرف أنني لا أصغي لما يقوله . لأنه يعرف أني سمعت منه نفس المواضيع مرات لا تحصى ..
” لا بدّ أنني حكيت لك ” .. يبدأ ودائماً عن نفسه فقط .
ويبدأ بحكايتها لي من جديد . لا ينتبه ولا تهمه ردود فعل تعابير وجهي ..
غالبية هؤلاء النرجسيون , تقتصر قصصهم على أمور حدثت معهم وبالفعل وهم لا يكذبون .
و منهم من يشعرون أن حكاياتهم , لا تكفي مقدار الأزمنه التي يجلسون فيها معك , فلا بدَّ له من ملئ الفراغ , فيختلقون حكايات جديدة أو يزيدون عليها ليطوِّلها ,أو ويختصرون منها حسب مقتضيات والزمان والمكان والشخصيات . التي يجلسون معهم .
ومنهم من قد تصل بهم الحال أن يجعلك جزء من الرواية .
“أتذكر لما كنا أنا و أنت في !؟ .. ” ويكمل الحكايه .. ” . فتسكت خجلا فأنت لم تكن هناك .
هؤلاء يحاولون منع شريكهم في الجلسة من الكلام .. بطرق شتّى ..
يحاولون أن يفهموك بتعابير وجوههم وعيونهم و شفاههم وحركات أيديهم وتبرّم أجسامهم أن حديثك لا يهمهم , أو أن وقتهم قصير بالرغم من إن سكتَّ لتعطيهم زمام الكلام , فإنهم سيتكلمون بلا نهاية .
هم وأمثالهم قد تعتبرهم مرضى . وما هم بمرضى ..
أو مريضون بمرض أنت لا تعرفه .
وتحتار : هل هم يعرفون أنهم مرضى , وينكرون ذلك على أنفسهم وعلى الآخرين !؟
أم لا يعرفون .!؟
إن عرفوا هل سيوافقون أن يخضعوا للعلاج ؟
هل هم مرضى , ولا يعرفون أنهم مرضى ّ!؟
في كلّ الحالات هم خطر على المجتمع .
الواحد منهم يحكي لك عن نجاحاته وبطولاته .. ولو أن الدهر أكل عليها وشرب , واهترأت من كثرة استعمالها من قبله . وهم يكرهون سماع بطولات الآخرين .. يغلقون أسماعهم في وجهها , فهم يكرهون أشدَّ الكراهية سماع سيّر وبطولات وابداعات الآخرين قدماء أو معاصرين .
أعرف كاتباً لا يطيق سماع أخبار الكتاب الآخرين .
فهو يقول عن نفسه أنه لا يقرأ إلا للأقدمين كالبحتري وابن المقفّع وسيبويه والخوارزي.
و لا يقرأ من مبدعي هذا العصر إلا لمحمود درويش وسميح القاسم والجواهري .. تبيّن لي من معاشرته أنه لا يقرأ لهم ولا لغيرهم ..
وأحياناً تفاجأ أنه يسمعك . ولكنك تعود الى رشدك , بعد أن تعرف أن يسمعك عندما تتكلَّم عن بطولاته هو .. هو فقط ! .
فهو يهزأ من كل جريدة أو مجلة لم يفتحها ابداً , يسخر منها و من كتابها.
وإن اصطدمت عينيه بسيارة جميلة غالية الثمن .
فقال بسخرية مقيتة : “أن صاحبها اشتراها بالدين وإنه وستصادر قريباً “.
وهكذا ..
بيت الجيران الجديد سيئ الشكل والمنظر منعدم الجمال .
وإذا سمع أن أحدهم حصل على وظيفة مهمة , قال إنه حصل عليها بالواسطة . ولا يملك المؤهلات لها .
وحسب رأيّه أن جميع رؤساء المجالس فاشلين جبناء جهلة لا يستحقون مناصبهم , وأن أهل البلد بانتخاب هؤلاء , أثبتوا أنهم جهلة مثلهم .
وهم كثيرون في مجتمعنا ..
يعيثون فيه الخراب .. إنهم يحاولون قتل كلّ نجاح ..
والتسلط على أجوِّاء الحوار والحديث فيه ..
يحاولون قتل كلِّ فكرة أو إبداع . يحاولون دائماً اغتيال كلّ رأي يصدر قبل أن يظهر للحياة . إنهم سوسة تنخر في عظم نسيج المجتمع , لا يرون الناس من حولهم .
انهم موجودون في كلّ مكان في مجتمعنا .. في البيت في الحارة في الشارع , في المكاتب في المزارع في المصانع في المدارس .
دار هذا الحوار بيني وبين أحدهم ..
في إحدى الجلسات قال أحد الحاضرين :
أنه رأى ( ولم يقل قرأ ) لي قصة نشرتها إحدى الصحف .
” فنطَّ ” آخر قائلاً : كلّ ما يكتب في الصحف هراء لا قيمة له .
وعندما سألته مستغرباً : هل قرأت قصة منها !؟
أجاب دون أن ترمش عينيه : أن لا أقرأها .
“لا تأخذ على خاطرك ” . فكلُّ ما يكتب في الصحف والمجلات لا قيمة له . إنه “هبل” لا يستحق الإلتفات إليه. علّق مشترك آخر .
“إقلبوا” السيرة فالحديث في هذا الموضوع التافه مضيَّعة للوقت . . علّق مشاركنا الآخر على حوارنا أنا وصاحبه.
أعرف كاتباً لا يقرأ إلا ما يكتبه هو .
وأعرف آخرين لا ينضمون لأيّ جمعية أو اجتماع إلا إن كانوا يترأسونه . ولا يحضرون حفلة أو تأبين إلا أن يكونوا خطباء فيها ..
حتى في الاعراس يفرضون جلوسهم في السرب الأوّل من الحاضرين . يجلسون وينتظرون مدح المغني أو القوّال لهم الذي يحيّي حفلة العرس . وإن لم تأتِ انسحب سريعاً من الحفلة .
ولا ينضم لحزب إلا أن يكون في أول قائمة مرشحيه .
لا يرتاح إلا أن يكون في القمة . وبما أن القمة ضيقة المساحات , فإنه يجد نفسه في الغالب خارجها .
والسؤال الذي يطرح نفسه في هذه الحالات :
هل هو راضي عن نفسه !؟
هل هو سعيد في هذه الحياة التي يقضيها , في الجري لهاثه التي لا نهاية لها, في محاولاته المستميته التي لا تعرف الكلل ولا الملل , في الصعود الى القمة , التي لم ولن يصلها إلا فيما ندر !؟
هل هو سعيد في وضع يصارع فيه الطواحين التي تصارع الريح !؟
مثل الإله ا سيزيف اليوناني . يصعد في خياله الى القمة , ثم يعود ليجد نفسه في القاع . أو يموت وهو ينظر الى صورته ظاهرة في صفحة الماء !؟
إن النرجسيين ليس فقط يشكِّلون ضرراّ على أنفسهم بل على محيطهم القريب ومجتمعهم بشكل عام .
هم يحاولون أن “يقلعوا” كلّ الناجحين في كلّ مجالات الحياة .. يهاجمون كلّ من أتى بفكرة جديدة تبشِّر بالنجاح . كلّ الطموحين والمبدعين .
النرجسيون يحاولون كلّ فكرة جديدة , تبشّر بعملٍ ناجحٍ يفيد مجتمعنا
هم ريح عنيفة تحاول أن تطفئ الشموع , وتجفف البراعم الخضراء التي تحاول أن تأتِ بثمر .
في غالبيتهم الساحقة لا يريدون أن يبنوا , ويحاولون سحق ومنع غيرهم من السعيِّ للوصول .
يعملون على قتل المواهب قبل إزهارها . قتل الأفكار الجديدة التي تأتي من غيرهم .
يحاولون أن لا تعزف نايات أخرى إلا نايتهم . ولا يكون في الميدان إلا حصانهم .
النرجسيون موجودون في كلّ مكان . يحملون ألسنتهم كأسلحة لقتل كلّ نجاح لغيرهم .
هم صمّ لا يسمعون إلا سموم ألسنتهم . عميان لا يرون سوى صورهم . ويحاولون إسكات كلّ ما يصدر من غيرهم .
إنهم خطر على مجتمعهم .

