بين الجندرية والمناطقيّة… هل ضاعت الفكرة؟

فخري هوّاش

تاريخ النشر: 21/05/26 | 6:20

مع كلّ انتخابات، تعود الأسئلة نفسها بوجوه مختلفة:
لماذا لا توجد امرأة في مكان مضمون؟
لماذا لا يوجد تمثيل للجليل؟
أين سخنين؟
وأين هذه المدينة أو تلك العائلة أو ذلك التيار؟
أسئلة تبدو في ظاهرها دفاعًا عن العدالة والتمثيل، لكنها في كثير من الأحيان تكشف أزمة أعمق في وعينا السياسي؛ إذ يتحوّل النقاش من البحث عن المشروع والرؤية والكفاءة، إلى سوقٍ لتوزيع الحصص والترضيات.
لا أحد يختلف على أهمية حضور المرأة في الحياة السياسية، ولا على ضرورة أن يشعر كلّ جزء من المجتمع بأنه حاضر وممثَّل. لكنّ الخطير هو أن تتحوّل الديمقراطية إلى معادلة حسابية جامدة: مقعد لهذه المنطقة، وآخر لتلك المدينة، وثالث لهذا الجنس أو ذاك، بينما يغيب السؤال الأهم:
من يحمل مشروعًا حقيقيًا؟
ومن يملك القدرة على خدمة الناس والدفاع عن قضاياهم؟
الديمقراطية ليست جغرافيا، وليست جندرًا، وليست دفتر محاصصة مغلقًا. الديمقراطية الحقيقية تعني أن يكون للناس الحق في اختيار من يرونه الأجدر، بغضّ النظر عن اسمه أو بلدته أو جنسه. أمّا حين تصبح الانتخابات مجرد عملية توزيع رمزي للهويات الفرعية، فإننا لا نبني ديمقراطية، بل نبدأ بـ“لبننتها” -لبنان-، أي تحويلها إلى نظام حصص وموازنات مناطقية وفئوية، يصبح فيه السؤال: “من أي منطقة أنت؟” أهم من السؤال: “ماذا تحمل من مشروع؟”.
المؤسف أننا كثيرًا ما ننظر إلى الحديقة بعينٍ تبحث فقط عن الأوراق الصفراء الساقطة، ولا ترى الأشجار التي ما زالت واقفة، ولا الزهور التي تحاول أن تزهر رغم التعب. نضخّم النواقص، ونحوّل كل تفصيل إلى معركة، ثم ننسى أن الريح التي بعثرت الحديقة حملت أيضًا شيئًا من قاذوراتنا نحن: العصبية، والجهوية، والمصالح الضيقة، والرغبة الدائمة في رؤية أنفسنا قبل رؤية الفكرة العامة.
إنّ أي مجتمع ينشغل فقط بمنطقة المرشح أو جنسه، أكثر من انشغاله ببرنامجه وأخلاقه وقدرته، سيبقى أسير الانقسامات الصغيرة، حتى لو رفع أكبر الشعارات الوطنية.
ربما آن الأوان أن نخرج من عقلية “من يمثلني أنا؟” إلى سؤال أكبر وأكثر نضجًا:
من يمثل القضية فعلًا؟
فالحدائق لا تُنقذها كثرة الشكوى من الأوراق اليابسة، بل القدرة على حماية الجذور.
*نشد على ايدي الرفاق الذين أفرزتهم الانتخابات الديمقراطية وأعانهم الله على حمل الأمانة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
بقجة Icon
بقجة
أحصل على تطبيق بقجة الجديد
تحميل
×

تمّ اكتشاف مانع للإعلانات

فضلاً قم بإلغاء مانع الإعلانات حتى تتمكن من تصفّح موقع بقجة