زكي درويش: قامةٌ سردية في الأدب الفلسطيني الحديث

فخري هوّاش

تاريخ النشر: 19/05/26 | 13:00

أكتب وفاء لأستاذي وأخي الأكبر
يُعَدّ الأديب زكي درويش واحدًا من الأصوات الأدبية الفلسطينية التي أسهمت في ترسيخ ملامح السرد الفلسطيني في الداخل، عبر تجربةٍ جمعت بين الحسّ الإنساني، والوعي الوطني، والانشغال العميق بتحولات المجتمع الفلسطيني بعد النكبة. فقد استطاع، من خلال أعماله القصصية والروائية، أن يبني خطابًا أدبيًا يتجاوز التوثيق المباشر للمعاناة، ليقدّم رؤيةً فكرية وجمالية للإنسان الفلسطيني في مواجهة القهر والاقتلاع والاغتراب.
تميّزت تجربة زكي درويش السردية بانحيازها إلى الإنسان العادي؛ العامل، والفلاح، واللاجئ، والمهمّش، بوصفهم حَمَلةَ الذاكرة الجماعية وحراس الهوية الوطنية. ففي مجموعاته القصصية مثل “شتاء الغربة” والقميص والطابور والجسر والطوفان، تتجلّى صورة الفلسطيني الذي يعيش صراعًا مزدوجًا: صراع البقاء المادي، وصراع الحفاظ على المعنى والكرامة في ظل واقع سياسي واجتماعي مضطرب.
على المستوى الفني، اعتمد زكي درويش لغةً سردية تتسم بالاقتصاد والشفافية، مبتعدًا عن الزخرفة البلاغية المفرطة، ومقتربًا من نبض الحياة اليومية. وقد أسهم هذا الأسلوب في منح نصوصه صدقيةً عالية، إذ تبدو الشخصيات وكأنها خارجة من الأزقة والحقول والمخيمات، لا من مختبرات الخيال المجرد. كما تتجلّى في أعماله قدرة واضحة على بناء الرمز دون الانفصال عن الواقع، بحيث يتحول المكان الفلسطيني إلى كيان حيّ يحمل الذاكرة والألم والأمل معًا.
وتكشف أعماله عن وعيٍ نقديّ تجاه التحولات الاجتماعية والسياسية داخل المجتمع الفلسطيني، خاصة ما يتعلق بتفكك القيم، وتحوّل الإنسان تحت ضغط القهر والاغتراب. لذلك لم تكن كتاباته مجرد أدب مقاومة بالمعنى التقليدي، بل كانت أيضًا محاولةً لفهم الإنسان الفلسطيني من الداخل؛ أحلامه، وتناقضاته، وخيباته، وأسئلته الوجودية.
وفي سياق الأدب الفلسطيني في الداخل، يمكن النظر إلى زكي درويش بوصفه جزءًا من جيلٍ أدبيّ حمل عبء الدفاع عن الهوية الثقافية في مرحلة شديدة الحساسية، حيث أصبحت الكلمة أداةً للحفاظ على الذاكرة الجماعية ومقاومة التهميش. ومن هنا تكتسب تجربته أهميتها، ليس فقط بوصفها تجربةً إبداعية، بل باعتبارها وثيقةً ثقافيةً وإنسانيةً تسجل تحولات الفلسطيني في الوطن والمنفى.
في سياق التحولات التي فرضها العالم الرقمي على أشكال الكتابة، برزت تجربة أدب الومضة عند زكي درويش بوصفها امتدادًا معاصرًا لخطابه السردي، ولكن بصيغة أكثر تكثيفًا ومرونة. فقد أتاحت منصات التواصل الاجتماعي، وعلى رأسها Facebook، مساحة جديدة لتجريب الكتابة القصيرة التي تعتمد على الإيحاء بدل الشرح، وعلى اللمحة بدل السرد الممتد. في هذا السياق، لم تكن الومضة عنده مجرد نص رقمي سريع الاستهلاك، بل شكلًا أدبيًا واعيًا يحافظ على عمقه الجمالي والفكري، ويعيد إنتاج التجربة الإنسانية في جملة مكثفة تحمل أثرًا يتجاوز لحظة النشر.
وتكشف هذه الومضات عن قدرة واضحة على التكيف مع شروط العصر الرقمي دون التفريط بالهوية الأسلوبية، حيث تتحول الصفحة الشخصية إلى مساحة كتابة أدبية يومية، تجمع بين التأمل الفلسفي، والبعد الإنساني، والبعد الوطني، في صياغات قصيرة لكنها مشحونة بالدلالة. وهكذا تصبح الومضة عند زكي درويش شكلًا من أشكال “الأدب المقاوم بالاختزال”، الذي يراهن على أثر الكلمة ووهجها لاعلى طولها وامتدادها .
من أبرز أعمال الأديب زكي درويش:
● شتاء الغربة — مجموعة قصصية (1971)
● القميص والطابور — مجموعة قصصية (1971)
● الجسر والطوفان — مجموعة قصصية (1973)
● الرجل الذي قتل العالم — مجموعة قصصية (1978)
● الجياد — مجموعة قصصية (1989)
● الكلاب — قصص
● الموت الأكبر — مسرحية / رواية
● أحمد ومحمود والآخرون — رواية
● سفر الخروج — رواية ذات طابع إنساني ووطني
● الخاتمة
إن القيمة الحقيقية لتجربة الكاتب زكي درويش تكمن في قدرته على الجمع بين البعد الجمالي والبعد الإنساني، وبين الواقعية النقدية والوفاء للذاكرة الوطنية. ولذلك تبقى أعماله شاهدًا على مرحلة تاريخية وثقافية مهمة، وصوتًا أدبيًا يستحق مزيدًا من الدراسة والقراءة ضمن مسار الأدب الفلسطيني الحديث.

فخري هوّاش
البروة/الجديدة-المكر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
بقجة Icon
بقجة
أحصل على تطبيق بقجة الجديد
تحميل
×

تمّ اكتشاف مانع للإعلانات

فضلاً قم بإلغاء مانع الإعلانات حتى تتمكن من تصفّح موقع بقجة