مالك بن نبي مرَّ من هنا الذكرى الأولى لتأسيس كرسيه العلمي بزاوية أوقري
عزوق موسى محمد
تاريخ النشر: 18/05/26 | 15:55
تم إحياء الذكرى الأولى لتأسيس الكرسي العلمي مالك بن نبي للدراسات الحضارية ؛ السبت 16 ماي 2026 بزاوية أوقري (1) بقنزات ولاية سطيف.
تعتبر الجغرافيا الروحية في الجزائر خزانًا إستراتيجيًا لحفظ الذاكرة الوطنية وصياغة أطروحات التغيير الحضاري. إن انتقال الكرسي العلمي لمالك بن نبي في ذكراه الأولى من الغرب الجزائري، وتحديداً من “دار الحديث” بتلمسان بما تحمله من رمزية تاريخية لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين، إلى الشرق الجزائري بسطيف في قلعة من قلاع التصوف السني الراقي “زاوية أوقري” (في 16 ماي 2026)، ليس مجرد انتقال مكاني عابر، بل هو تجسيد إجرائي لوفاء المؤسسة العلمية بالعهود الأكاديمية التي قطعتها منذ سنة خلت. وتجسيد عملي لروح الجزائري وفكر مالك بن نبي المتصوف في غير شبهة او بدعة والسلفي بلا تطرف والمحب لأل البيت دون تشيع ” المسلم وكفى ” (2)
إن هذا التحول يحمل دلالة سوسيولوجية عميقة تتمثل في مدّ الجسور المعرفية والروحية بين الفضاء الإصلاحي والفضاء الروحي، لإعادة تدارس الفكر الحر لفيلسوف الحضارة مالك بن نبي—الفكرة التي لا تموت—. ومن هنا تطرح الورقة إشكاليتها المحورية: كيف استطاع فضاء زاوية أوقري، عبر شهاداته الشفوية الحية وملاذه البيئي الساحر، أن يحول الذكرى السنوية من اجترار بروتوكولي إلى منصة لاستئناف الرسالة الفكرية وتقييم أبعاد الفعالية؟
المبحث الأول: المرجعية العلمية والسياق التاريخي لزاوية أوقري
تأسست زاوية الجامع أوقري في منطقة قنزات (ولاية سطيف) لتشكل عبر القرون حصناً روحياً ومنارة علمية في قلب منطقة القبائل (غابات إيث يعلى الخلابة). وتنتسب الزاوية تاريخياً إلى الشيخ “سيدي محند أوقري”، الذي عاش—حسب التحقيقات التاريخية المستندة إلى كتاب الرحلة الورثلانية للشيخ الحسين الورثلاني (1713 – 1780م)—ما بين منتصف القرن السابع عشر والنصف الأول من القرن الثامن عشر (1635 ـ 1720م)؛ حيث ذكر الورثلاني في متنه المعرفي أنه أدرك الشيخ أوقري في سن الطفولة (3).
ولم تكن الزاوية عبر محطاتها المتعاقبة مكاناً للتعبد المنعزل، بل شكلت فضاءً تداولياً لإنتاج المعرفة الشرعية وتخريج العلماء والفقهاء، ومن أبرز قاماتها العلمية التي تداولتها الذاكرة الأكاديمية للمنطقة: الشيخ الحاج اليعلاوي، والشيخ أرزقي أبو يعلى دحلال. هذا التراكم الروحي والعلمي هو الذي أهّل الزاوية لتكون مركز استقطاب للمصلحين والمفكرين الأحرار، وملاذاً آمناً في لحظات الأزمات الفكرية والوجودية الكبرى.
المبحث الثاني: الاعتكاف البَنَّابي في فضاء أوقري (1966 / 1968): سياق الأزمة والملاذ المكاني
يكشف الاستقراء الدقيق ليوميات مالك بن نبي (6-7) عن ارتباط وثيق بجغرافية شمال سطيف؛ ففي أكتوبر 1966، تعرض بن نبي لحادثة سقوط شهيرة في بلدية “حمام القرقور” المجاورة لقنزات، وهي الحادثة التي دونها في مذكراته الصفحة 548 مؤكداً أنه “مُنِع من الموت بمعجزة”، ودخل إثرها في مرحلة صمت كتابي ممتد لم يكسره بأي تدوين إلى غاية فيفري 1967. هذا التواجد المبكر يعكس صلاته المتينة بالمنطقة عبر تلميذه الوفي ومشرف الزاوية الأسبق المرحوم عبد الوهاب حمودة (آيت حمودة)، الذي كان يمثل الرفيق والمرافق اللوجستي له بسيارته الخاصة.
وفي أوت 1968، مرّ بن نبي بأزمة نفسية وفكرية خانقة نتيجة للتضييق والنبذ الممارس ضده، وهي الحالة الوجودية التي وصفها بأنها تمر على “كل حرّ”. ويكتب في مذكراته بتاريخ 10 أوت 1968 مشرحاً أبعاد هذه المرحلة الداكنة: “لقد جاءت الثورة وكانت عندي بمثابة بشرى التحرر، لكن زوبعتها أودت بأوهامي وبأحلام الشعب إذ أدت إلى استقلال مثقل أكثر من الحقبة الاستعمارية!.. ومشكلتي الشخصية في هذه المرحلة الداكنة أكثر سواداً لأنني أنا الذي يتحمل أثقل التبعات تجاه (ثلاثي) الاستعمار والصهيونية والخونة الذين لا أنفك عن فضحهم. فأين الحل؟ الحل لم يعد في حرب عالمية جديدة ولا ثورة جديدة أو في هجرة جديدة، فقد ذقت من كل هذا وعشته دون أن أجد حلاً لمشكلتي”.
أمام هذا الانسداد السياسي والنفسي، مثّلت زاوية أوقري بقنزات فضاءً مثالياً للاعتكاف الروحي والفكري؛ حيث قضى فيها بن نبي شهر أوت وكامل شهر سبتمبر من عام 1968، مستمداً من غابات “إيث يعلى” طاقة نفسية لنحت الروح واستعادة السكينة، برفقة تلميذه الوفي عبد الوهاب حمودة، ومن هذا الفضاء بالذات توجه مباشرة نحو جمهورية مصر العربية.
المبحث الثالث: التفكيك الأبستمولوجي لشهادة الشيخ أحمد عبد السلام (ثنائية الشعب والقادة)
شهدت التظاهرة العلمية تحولاً عفوياً ومباشراً في برنامجها الصباحي بالإفراج عن شهادة تاريخية شفوية نادرة وحية، يعرضها شيخ زاوية أوقري الحالي، الأستاذ أحمد عبد السلام، لأول مرة (4). وتكتسي هذه الشهادة قيمة إبستمولوجية بالغة لكونها تسد الفراغات التاريخية التي طالت المذكرات المكتوبة خضوعاً للرقابة والحجب البوكروحي الذي طال معالم أساسية من إرث المفكر الجزائري.
ينقل الشيخ أحمد عبد السلام بحرفية وبأناقة لغوية راقية ما سمعه شخصياً وجلس عليه مع مالك بن نبي صيف 1968 بعد أن قدمه له الأستاذ عبد الوهاب حمودة. حيث كشف بن نبي في هذا الحوار الشخصي أنه سأل الشيخ محمد البشير الإبراهيمي (رئيس جمعية العلماء المسلمين) عقب انطلاق الثورة التحريرية وتحقيقها لانتصارات ميدانية عن رأيه وتقييمه لها. وجاء تشخيص الإبراهيمي متمحوراً حول جدلية ثنائية الأبعاد:
1. جانب القوة والصلابة والصبر وقوة التحمل: وهو الجانب الذي ينطبق كلياً على الشعب الجزائري.
2. جانب الضعف والعجز وقابلية التمزق: وهو الجانب الذي ينطبق على القادة والقيادات.
وقد أعلن بن نبي تعليقاً على ذلك: “فكان رأيي وما زال موافقاً تماماً لرأي الشيخ البشير الإبراهيمي في هذه النقطة”.
وعلى الصعيد التاريخي الميداني، فكك شيخ الزاوية تجليات هذا العجز القيادي في منطقة “بني يعلى” (قنزات)، راصداً ثلاثة انقسامات حادة كادت تعصف بالمسار الوجيز للثورة:
الصراع المسلح بين جبهة التحرير الوطني والمصاليين: حيث عاشت المنطقة هذا الصراع المرير، وشهد مسجد زاوية أوقري نفسه اجتماعاً عسيراً بين الفصيلين العسكريين لإيجاد حل للاقتتال الداخلي حقناً للدماء، وهو الاجتماع الذي رصده الجيش الفرنسي ووقعت إثره معركة عنيفة انتهت بانسحاب كلي لقوات الاحتلال من المنطقة.
الصراع بين قيادات الداخل والخارج: والذي تسبب في تصفيات واغتيالات سياسية تراجيدية بين الإخوة الفرقاء.
الصراع العسكري ضد حركة بلونيس الانفصالية: في مقابل هذا التشرذم القيادي، كان تماسك وصبر الحاضنة الشعبية هو الصخرة الإستراتيجية التي منّ الله بها على الجزائر لتحقيق الاستقلال المأمول.
المبحث الرابع: حوكمة الكرسي العلمي والانتقال من الرتابة الملتقوية إلى الفعالية الإجرائية
على الصعيد المنهجي والتنظيمي، مثّل الملتقى قفزة نوعية في حوكمة الفعاليات العلمية وتجسيداً حياً لمفهوم “الفعالية الإجرائية”. فبينما كان البرنامج مسطراً وفق النموذج التقليدي القائم على فترة صباحية بروتوكولية شكلية وجلسات مسائية على شكل محاضرات سردية، أدى التدفق الجماهيري الكبير والإقبال المدهش، إلى جانب التنشيط البارع والديناميكي للدكتور عبد الحفيظ بورديم ومشاركة الأستاذ سعيد معول، إلى تكييف سريع للمحتوى المعرفي؛ حيث دُمج البرنامج تقريبا كاملاً في جلسة صباحية ممتدة ومكثفة استمرت دون توقف إلى غاية صلاة الظهر. ثم استؤنفت في المساء بدرجة اخف : وتميزت أعمال الملتقى بالمداخلات التالية:
1. كلمة الكرسي العلمي (5) : ألقاها الدكتور عمار طالبي رغم ان سنه تجاوز التسعين (90) الا انه يدون نقاط تدخله في ورقة ويتجنب الاستطراد مركزا كالشباب ، فأكد على إستراتيجية الكرسي في استئناف الرسالة الحضارية وربط الأجيال برواد الفكر الحر المعاصر.
2. العرض الوثائقي البصري: تم عرض شريط فيديو يوثق السيرة الفكرية والنضالية للأستاذ عبد الوهاب حمودة ودوره التاريخي في الحفاظ على إرث بن نبي في الزاوية.
3. المقاربة الإجرائية (الفعالية البنائية): قدم الدكتور عبد الفتاح داودي عرضاً متميزاً مدعماً بالوسائط البصرية (PowerPoint) حمل عنوان: “الفعالية البنّابية: من إخلاص الفكرة إلى ريادة الكرسي العلمي”، شخّص فيه آليات تحويل الأفكار البنّابية إلى مشروعات ميدانية قابلة للقياس والتقييم المعرفي.
4. الندوات التخصصية المدمجة: * محور الدراسات الحضارية: (آفق البحث وأولوياته في الكرسي العلمي)، بتنشيط الدكتور مولاي سعيد ومشاركة أعضاء المجلس العلمي للكرسي.
5. البعد التربوي والروحي لزاوية أوقري: (التاريخ، الحاضر، الآفاق)، من تقديم الأستاذ يونس قرار.
خاتمة وتوصيات: استئناف الرسالة الحضارية
إن إحياء الذكرى الأولى لتأسيس الكرسي العلمي لمالك بن نبي في رحاب زاوية أوقري التاريخية، برعاية الأستاذ يونس قرار والاستضافة الكريمة من أهل زاوية سيدي مالك السوماري الحسني الشريف الذين أبانوا عن حسن ضيافة ورحابة استقبال وقوة تنظيم لافتة، يثبت أن “الفكرة الحرة لا تموت” إذا ما توفرت لها شروط الفعالية والوفاء البيئي والمؤسساتي. إن زاوية أوقري ليست مجرد مكان تاريخي، بل هي شاهد حي يشهد أن “مالك بن نبي مرّ من هنا” وترك بصمته التي لا تزال تُلهم الأجيال.
وقد خلص الملتقى من خلال إعلانه الختامي إلى صياغة حزمة من التوصيات الإستراتيجية:
1. مواجهة معضلة انعدام التوثيق والكتابة: الدعوة إلى تأسيس مركز أرشفة رقمي وطني لتوثيق الذاكرة الشفوية للحركة الإصلاحية والفكرية في الجزائر (مثل شهادة الشيخ أحمد عبد السلام) لحمايتها من الحجب والضياع لضمان استمرارية الإرث وتاريخه.
2. إعادة الاعتبار للمواقع الحية: تتبع ومسح المسارات الجغرافية والروحية التي قضى فيها مالك بن نبي فترات اعتكافه وإنتاجه الفكري (مثل زاوية أوقري وحمام القرقور) وتحويلها إلى مراكز إشعاع فكري وسياحة ثقافية حضارية لربط إرث بن نبي بمواقعه الحية.
3. تفعيل الشراكات الأكاديمية: تطوير الأبحاث والدراسات العليا في حقل “الدراسات الحضارية” تحت مظلة الكرسي العلمي، وترجمة الشهادات الشفوية النادرة إلى لغات متعددة لضمان انتشارها عالمياً.
موسى عزوق برج زمورة او قنزات في : 01 ذو الحجة 1446 . موافق 17-05-2026.
الهوامش والمراجع المعتمدة:
(1) الورثلاني، الحسين بن محمد. (د.ت). الرحلة الورثلانية (نزهة الأنظار في فضل علم التاريخ والأخبار)، تحقيق وتوثيق الأصول التاريخية لزاوية سيدي محند أوقري وقنزات.
(2) الجزائري هل هو …أم هو كل ذلك مجغبل )؟ https://al-bayader.org/?p=580340
(3) موقع الإحداثيات الجغرافية والخرائط الرقمية لزاوية الجامع أوقري: Route de l’djamaa Oukarri, Guenzet. رابط خرائط جوجل للموقع.
(4) عبد السلام، أحمد (شيخ زاوية أوقري). (2026). شهادة حية نادرة حول تواجد المفكر مالك بن نبي بالزاوية وحواره حول الثورة الجزائرية. وثيقة مرئية مسجلة وموثقة رقمياً خلال الملتقى السنوي الأول للكرسي العلمي، من إنتاج وتوثيق موسى عزوق. متوفر على منصة يوتيوب:. شاهد المقطع الرقمي للشهادة من هنا.
(5) الكرسي العلمي لمالك بن نبي للدراسات الحضارية. (16 ماي 2026). التقرير الميداني الختامي للملتقى الفكري: من الفكرة إلى الفعالية… ومن الذاكرة إلى التقييم، زاوية أوقري، قنزات، ولاية سطيف. اطلع على التقرير الميداني للملتقى من هنا.
(6) عمر مسقاوي ، في صحبة مالك بن نبي ، دار الفكر دمشق 2013.
(7) ابن نبي، مالك. (2006). مذكرات شاهد القرن (Y يوميات 1968)، تقديم: نور الدين بوكروح، الجزائر: مطبعة سمارة، ص 548.


