الجبهة الديمقراطية تعيد ضبط بوصلتها القيادية: بين الدولة والمجتمع والنقب

كتبت رانية مرجية

تاريخ النشر: 17/05/26 | 8:08

في لحظة سياسية تتسم بتعقيد متزايد داخل المشهد العربي في الداخل الفلسطيني، جاءت نتائج انتخابات مؤتمر الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة لتتجاوز كونها استحقاقًا تنظيميًا داخليًا، نحو كونها مؤشرًا على محاولة إعادة صياغة البنية القيادية للحزب، وتحديث توازناته بين العمل البرلماني والحراك المدني وقضايا الأرض والهوية.

فقد أفرزت الانتخابات اختيار الدكتور يوسف جبارين رئيسًا للجبهة، في خطوة تعكس تثبيت موقعه كأحد أبرز الوجوه التي جمعت بين الحضور الأكاديمي والقانوني والعمل البرلماني. هذا الاختيار لا يبدو تفصيلاً إداريًا، بل يعكس توجّهًا يراهن على تعميق الاشتباك مع قضايا المجتمع العربي عبر أدوات الدولة نفسها: القانون، المؤسسات، وصياغة خطاب حقوقي قادر على التأثير في دوائر القرار.

وفي الموقع الثاني، جاء الناشط الحقوقي والمدني جعفر فرح، في دلالة واضحة على تصاعد وزن العمل الأهلي والميداني داخل البنية السياسية العربية. فرح يمثل مدرسة سياسية ترى أن الفعل الحقيقي لا يُقاس فقط داخل المؤسسات الرسمية، بل في القدرة على التنظيم المجتمعي، وحماية الفئات المهمشة، وتحويل القضايا اليومية إلى ملفات ضغط عام. وجوده في هذا الموقع يعكس إدراكًا متناميًا لأهمية الجسر بين الشارع والمؤسسة، وبين الألم الاجتماعي وصناع القرار.

أما في الموقع الرابع، فقد جاء يوسف العطاونة ممثلًا لصوت النقب، بما يحمله هذا الملف من ثقل سياسي ورمزي متراكم. فالنقب ليس مجرد هامش جغرافي داخل الخارطة السياسية، بل هو أحد أكثر ملفات الصراع تعقيدًا، المرتبطة بالأرض والمسكن والاعتراف والوجود. إدراج العطاونة في هذا الموقع يعيد تثبيت مركزية النقب داخل الوعي السياسي العربي، ويؤكد استمرار حضوره كقضية بنيوية لا يمكن تجاوزها أو تأجيلها.

وعند قراءة هذه النتائج في سياقها الأوسع، يتضح أن ما جرى لا يمكن اختزاله في ترتيب أسماء أو توزيع مواقع، بل هو محاولة لصياغة معادلة قيادية تقوم على ثلاثة أعمدة متداخلة:
العمود البرلماني–المؤسساتي الذي يمثله جبارين، والعمود المدني–الميداني الذي يجسده جعفر فرح، وعمود القضايا البنيوية المرتبطة بالأرض والهامش الذي يمثله العطاونة.

هذا التوازن يعكس إدراكًا داخل الجبهة بأن المرحلة الراهنة لم تعد تسمح باختزال السياسة في خطاب واحد أو أداة واحدة. فالمجتمع العربي يواجه اليوم تحديات مركبة: تراجع الثقة بالتمثيل السياسي التقليدي، تصاعد الأزمات الاجتماعية والاقتصادية، واتساع الفجوة بين المؤسسات والجمهور. في هذا السياق، تصبح القيادة السياسية مطالبة لا بإدارة المواقع، بل بإعادة توزيع الأدوار بما يخلق قدرة حقيقية على التأثير في أكثر من ساحة في آن واحد.

لكن السؤال الأهم الذي تفتحه هذه النتائج لا يتعلق بالأسماء، بل بالمسار: هل تنجح هذه البنية القيادية في التحول إلى مشروع سياسي متماسك طويل الأمد؟ أم أنها ستبقى صيغة توازن داخلي تُدير اللحظة دون أن تعيد إنتاج أدواتها؟

بين هذين الاحتمالين تتحدد ملامح المرحلة المقبلة. فالمشهد السياسي العربي داخل إسرائيل يقف اليوم عند نقطة تحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى إعادة تعريف العلاقة بين السياسة والناس، بين التمثيل والفعل، وبين الخطاب والقدرة الفعلية على التغيير.

هكذا، لا تبدو نتائج مؤتمر الجبهة مجرد حدث داخلي، بل لحظة سياسية تكشف عن محاولة واعية لإعادة بناء المعنى السياسي نفسه: من إدارة التمثيل إلى صناعة التأثير، ومن توزيع المواقع إلى بناء مشروع قادر على مواجهة تعقيدات الواقع دون فقدان صلته بالمجتمع الذي يمثله

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
بقجة Icon
بقجة
أحصل على تطبيق بقجة الجديد
تحميل
×

تمّ اكتشاف مانع للإعلانات

فضلاً قم بإلغاء مانع الإعلانات حتى تتمكن من تصفّح موقع بقجة