حين يتعطّل العقل ويصبح الإنسان إمّعة العقل الذي لا يسأل يصدأ
فخري هوّاش
تاريخ النشر: 14/05/26 | 14:23
أخطرُ ما يمكن أن يُصاب به مجتمعٌ ما، ليس الفقرَ ولا الحروبَ وحدها، بل تعطّل العقل الجمعيّ، وتحويل الإنسان من كائنٍ يسأل ويفكّر ويشكّ ويبحث، إلى مجرّد صدى يردّد ما يُقال له دون مساءلة.
فالسؤال ليس ترفًا فكريًا، بل هو أوّل درجات الوعي، وأوّل أشكال الحرية. وحين يخاف الإنسان من السؤال كما يخاف الجاهل من المعرفة، يكون قد بدأ بالتنازل عن جوهر إنسانيته.
العقل الذي لا يسأل يصدأ.
والإنسان الذي لا يراجع ما يُلقى إليه، يتحوّل بالتدريج إلى تابعٍ مطيع، يسير داخل القطيع وهو يظنّ أنّه يختار طريقه بنفسه.
هنا يولد “الإمّعة”؛ ذلك الكائن الذي لا يمتلك موقفًا حقيقيًا، ولا يبني قناعاته على تفكيرٍ وتأمّل، بل على ما يشيع ويُكرَّر ويُفرض بقوة الجماعة أو الخوف أو المصلحة.
الإمّعة ليس شخصًا جاهلًا بالضرورة، فقد يحمل شهاداتٍ عالية، ويتقن الكلام والخطابة، لكنه يفتقر إلى الشجاعة الأخلاقية والفكرية. إنّه يخاف العزلة أكثر من خوفه من الخطأ، ويخشى خسارة التصفيق أكثر من خشيته خسارة الحقيقة. لذلك يفضّل السلامة على الصدق، والانتماء إلى الجموع على الانتماء إلى ضميره.
وحين تنتشر هذه الحالة، يصبح الزيف نظامًا عامًا.
تُقاس الحقيقة بعدد المصفّقين لها، لا بعمقها. ويغدو الإعلام قادرًا على صناعة القناعات كما تُصنع الإعلانات. عندها لا يعود الناس يسألون: “هل هذا صحيح؟”، بل: “هل الجميع يوافقون عليه؟”. وهنا تكمن الكارثة؛ فالحضارات لا تسقط فقط بالقوة الخارجية، بل أيضًا عندما تفقد قدرتها على التفكير الحرّ.
لقد خافت السلطات المستبدة عبر التاريخ من الإنسان الذي يسأل أكثر من خوفها من الإنسان الذي يحمل السلاح. لأن السؤال يفتح الباب أمام الشكّ، والشكّ يقود إلى التفكير، والتفكير يقود إلى الوعي، والوعي هو بداية التحرّر. لذلك تُحاصر الأسئلة دائمًا: مرّة باسم الدين، ومرّة باسم الوطنية، ومرّة باسم العادات، ومرّة باسم “المصلحة العامة”.
لكن المجتمعات الحيّة هي التي تربي أبناءها على السؤال لا على الحفظ، وعلى الحوار لا على التلقين، وعلى احترام العقل لا عبادته العمياء للنصوص أو الأشخاص. فالأمم التي تتقدّم ليست تلك التي تملك أكبر عدد من المطيعين، بل أكثر عدد من العقول الحرّة القادرة على النقد والمراجعة.
إن الإنسان الحقيقي ليس من يكرّر ما يسمعه، بل من يمتلك شجاعة الوقوف أمام نفسه أولًا، وأمام الجماعة ثانيًا، ليسأل: لماذا؟ وكيف؟ وهل ما نفعله حقًّا هو الصواب؟
فحين يموت السؤال، يبدأ موت الإنسان من الداخل.

