ما بينَ التربيةِ البدنيّةِ والتربيةِ المدنيّة
فخري هواش
تاريخ النشر: 13/05/26 | 15:23
رسالة إلى عباس ليس ابن فرناس
في المدرسةِ،
كنّا نحبُّ حصّةَ التربيةِ البدنيّة.
على الأقلّ،
كنّا نعرفُ لماذا نركض،
ولماذا نتعب،
ولماذا يصرخُ الأستاذُ في وجوهنا
إذا تكاسلنا عن الدَّورةِ حولَ الملعب.
كان الأمرُ واضحًا:
ارفعْ يدكَ… اقفزْ… تنفّسْ…
وإذا وقعتَ
يضحكُ رفاقُك
ثمّ ينهضونَك من التراب.
أمّا اليوم،
فثمّةَ حصّةٌ جديدة
اسمُها “التربيةُ المدنيّة”،
لا أحدَ يفهمُ فيها
لماذا نركض،
ولا إلى أين.
في التربيةِ البدنيّة
كانوا يطلبونَ منّا
أن نقفَ باستقامة،
أمّا في التربيةِ المدنيّة
فيبدو أنّ المطلوب
أن ننحني بلباقة.
هناكَ
كنّا نتعلّمُ كيفَ نقوّي العضلات،
وهنا
يتدرّبُ البعضُ
على إضعافِ الذاكرة.
في الأولى
كنّا نلبسُ حذاءً رياضيًّا،
أمّا في الثانية
فالموضةُ الرائجة:
أحذيةٌ تلمعُ أكثرَ
كلّما مشتْ فوقَ الأسئلة.
التربيةُ البدنيّةُ
كانت تُعلّمُنا
أنّ القلبَ يحتاجُ حركة،
بينما بعضُ دروسِ “المدنيّة”
تبدو وكأنّها
تُعطي القلبَ إجازةً طويلة
كي لا ينزعجَ من رؤيةِ الواقع.
كنّا نخسرُ في مباراةِ كرةِ قدم
فنغضبُ ساعة،
ثمّ نعودُ أصدقاء.
أمّا هنا،
فالخسارةُ أكبر:
أن تخسرَ لغتَك بالتدريج،
وأن تُصبحَ ذاكرتُك
مجرّدَ نشاطٍ لا منهجيّ.
في التربيةِ البدنيّة
كان الأستاذُ يقول:
“شدّوا حالكم!”
أمّا في التربيةِ المدنيّة الحديثة،
فثمّةَ من يهمسُ:
“خفّفوا مواقفكم…
كي تمرّ الأمورُ بهدوء.”
ومع ذلك،
لسنا ضدَّ أن يخدمَ الإنسانُ الناس،
ولا ضدَّ أن يساعدَ عجوزًا
أو يزرعَ شجرةً
أو يرمّمَ مكتبة.
لكنّ الفرقَ كبير
بينَ يدٍ تحملُ الوطنَ بمحبة،
ويدٍ يُطلبُ منها
أن توقّعَ على نسيانه.
لهذا
ما زلتُ أحنُّ
إلى حصّةِ التربيةِ البدنيّة:
كان العرقُ فيها
أشرفَ من كثيرٍ
من الدروسِ النظريّة.

