صفحات من تاريخ نضالنا النقابي في منطقة وادي عارة خلال فترة الحكم العسكري

بقلم: جهاد عقل

تاريخ النشر: 12/05/26 | 16:14

عندما نقرأ بعض الوثائق التاريخية المتعلقة بصمود أبناء شعبنا الفلسطيني في سنوات الخمسينيات، عقب قيام دولة إسرائيل، كما تظهر في الأرشيف الرسمي، تتكشف أمامنا حقائق مهمة تتمحور حول الدور النضالي الذي لعبه رفاقنا في الحزب الشيوعي في قيادة معركة الصمود والدفاع عن العمال العرب وأهلنا الذين بقوا في وطنهم.

لقد كان دور الشيوعيين بارزًا وناصعًا في قيادة العمال العرب في مواجهة قادة الحكم العسكري والسياسات الحكومية القمعية التي استهدفت التجويع والترحيل، وفي التصدي لاعتداءات موظفي مكاتب العمل الذين ادعوا أنهم يعملون على “حماية أماكن العمل للعمال اليهود”.

ومن أجل إلقاء الضوء على جانب من هذه السياسة، وعلى صمود أهلنا بقيادة الشيوعيين، نستعرض مرحلة نضالية مهمة خاضها عمالنا وأهلنا في منطقة وادي عارة، حيث واجهوا سياسات القمع والحصار ومصادرة الأرض، وهي مصدر رزقهم الأساسي، إلى جانب فرض القيود على إصدار تصاريح العمل ومنع حرية التنقل. وفي مواجهة هذه السياسات، لعب رفاق الحزب دورًا مركزيًا في توجيه النضال وقيادة الصمود، وفي مقدمتهم القائد الشيوعي الراحل محمد الشريدي، ابن مدينة أم الفحم، الذي تعرض للنفي والسجن والملاحقة من قبل سلطات الحكم العسكري بسبب نشاطه في تنظيم المظاهرات والعرائض، وقيادته للعمال وتوعيتهم بأن طريق النضال هو السبيل الوحيد لنيل الحقوق، في زمن تُرك فيه أهلنا وحدهم في مواجهة الظلم ومحاولات الترحيل عبر مصادرة الأرض والعمل.

وقد تصدى الرفيق محمد الشريدي ورفاقه لهذه السياسة الرسمية، المدعومة من ممثلي “اتحاد عمال إسرائيل” التابع للهستدروت، بقيادة المدعو الياهو كفري، وبالتعاون مع مديري مكاتب العمل في المنطقة. وكان مقر الحاكم العسكري في قرية عارة، يفرض سيطرته على المنطقة الممتدة من بير السكة جنوبًا حتى قرية سالم شمالًا، أي منطقة المثلث الشمالي.

وجاء رد الحكم العسكري على نضال الشيوعيين وقيادتهم للأهالي والعمال عبر النفي إلى قرى مثل برطعة وبيت جن، إضافة إلى السجن والملاحقة، وهو ما تعرض له الرفيق محمد الشريدي نفسه.
(انظر: عرين الثوار – صفحات وطنية نضالية يرويها محمد شريدي وآخرون، تيسير خالد إغبارية، الطبعة الأولى، 1988).

-معركة نضالية ضد الحصار والتجويع

على الرغم من سياسة النفي والسجن، قاد الرفيق محمد الشريدي (أبو سامي) ورفاقه هذه المعركة بإصرار وصمود، رغم محاولات عملاء الحكم العسكري والسلطة التحريض على الشيوعية والشيوعيين، ومحاولة زرع روح الخنوع والترويج لعبارات من نوع “الكف لا يلاطم المخرز”، وغيرها من محاولات بث اليأس والاستسلام.

تمحورت المعركة أولًا حول الصمود في الوطن والبيت والأرض، ثم حول النضال ضد الحصار والمطالبة بحرية الوصول إلى الأراضي الزراعية والحصول على تصاريح عمل وحرية التنقل. وفي مواجهة هذه السياسة، قام رفاق الحزب بإرشاد العمال وقيادة الأهالي، وتكشف الوثائق المتعلقة بتلك المرحلة بوضوح البصمة التنظيمية للشيوعيين، حتى إن معظم العرائض الاحتجاجية كُتبت بخط واحد، ما يدل على أن النضال لم يكن عفويًا، بل منظمًا ومدروسًا، وشمل الاعتصامات والتظاهرات أمام مكاتب الحكم العسكري ورفع شعار “الخبز والعمل”.

كما جرى تشكيل “لجنة المبادرة للدفاع عن حقوق العمال العرب في أم الفحم ووادي عارة”. وعن تأسيس هذه اللجنة كتب الأستاذ تيسير خالد إغبارية في كتابه:
“عُقد في أم الفحم اجتماع شعبي للاحتجاج على نظام التصاريح والمطالبة بحرية التنقل والسفر، وتكلم في الاجتماع الرفيق محمد الشريدي، وتقرر تأليف لجنة مبادرة للعمال من أجل العمل وإلغاء نظام التصاريح، ووقع العمال على عريضة يطالبون فيها بإيجاد العمل للعمال العاطلين وإلغاء قيود التنقل” (ص111).

وللاطلاع على ممارسات الحكم العسكري القمعية، قرأت تقرير اللجنة الخاصة التي صادقت عليها الحكومة ثم الكنيست بتاريخ 3/11/1955 “لفحص شؤون الحكم العسكري”، والتي قدمت تقريرها بتاريخ 24/2/1956. ورغم عدم نشر التقرير كاملًا بحجة وجود “فقرات سرية تتعلق بالأمن”، فإن اللجنة أكدت أن الحكم العسكري مارس سياسات وخطوات ظالمة بحق السكان العرب في الجليل والمثلث والنقب، من بينها تقييد حرية التنقل، وفرض قيود على تصاريح العمل، وإجراء محاكمات ميدانية وإدارية.

وفي ظل هذا الواقع، خاض العمال العرب والمواطنون العرب عمومًا، بقيادة الشيوعيين، معركة نضالية من أجل فك الحصار ومواجهة سياسة التجويع والقمع ومحاولات الترحيل.

-وادي عارة: مظاهرات وعرائض عمالية

ضمن النضالات التي خاضها عمال المثلث الشمالي عامة، ووادي عارة خاصة، بقيادة الشيوعيين، كانت هناك اعتصامات ومظاهرات أمام مقر الحاكم العسكري في قرية عارة، رُفعت خلالها شعارات تطالب بوقف سياسة الحصار والتجويع، وفي مقدمتها شعار “الخبز والعمل”. وكانت هذه التحركات كثيرًا ما تواجه باعتداءات من جنود الحكم العسكري الذين كانوا يعتقلون العمال ويقدمونهم إلى محاكم ميدانية ظالمة مع رفاقهم من الحزب الشيوعي.

ولم تكن هذه المعركة ضد الحكم العسكري وحده، بل أيضًا ضد سياسات مكاتب العمل (“اللشكاه”) وممارسات ممثلي “اتحاد عمال إسرائيل” التابع للهستدروت، وهو ما تكشفه الوثائق التي اطلعنا عليها، بما في ذلك حالات الاعتداء على العمال الذين حصلوا على تصاريح عمل ومحاولات طردهم من أماكن عملهم.

ومن بين هذه الوثائق، عريضة وجهها عمال من كفر قرع يحملون تصاريح عمل، بعد تعرضهم للاعتداء والضرب، وتحمل تاريخ 30/4/1956. وقد وُجهت العريضة إلى “اللجنة التنفيذية في الهستدروت – القسم العربي”، وجاء فيها:

“نحن الموقعين أدناه، عمال قرية كفر قرع الذين نعمل في منطقة زخرون يعقوب وجفعات عادا، نحتج ونستنكر أعمال رجال اللشكاه الذين يقومون بطردنا من أماكن عملنا بالرغم من وجود تصاريح لدينا… ففي تاريخ 23/4/1956 ذهب حوالي خمسين عاملًا للعمل في المنطقة المذكورة، لكن رجال اللشكاه وعلى رأسهم المدير (روبين)… حرضوا العمال اليهود ضدنا، وحاولوا الاعتداء علينا بالعصي والسكاكين وطردنا من أماكن عملنا…”

وفي ختام الرسالة طالب العمال “بالتدخل لوقف هذه الأعمال، حيث إنكم المسؤولون المباشرون عنها”، وقد وقع على الرسالة 46 عاملًا.

والأنكى من ذلك قيام مجموعات عمالية يهودية تحمل اسم “همشميرت” بالاعتداء الجسدي على العمال العرب، ومن بينها حادثة ربط العامل مصطفى عنتير، ابن كفر قرع، بحبل إلى سيارة جيب وجرّه بها، ما أدى إلى إصابته بجروح خطيرة، ولولا تدخل زملائه لكانت العواقب أشد خطورة. وكان معروفًا عن العامل عنتير أنه يعاني من الصمم.

وأمام خطورة الحادثة، اضطر “اتحاد عمال إسرائيل” إلى إرسال شخص يدعى “يوسيف” للتحقيق في الشكوى، ونشر تقريره بتاريخ 25/6/1956. وأكد التقرير أن العمال العرب تعرضوا لاعتداء من قبل ما بين 60 إلى 70 شخصًا من العمال اليهود أعضاء “همشميرت”، بقيادة مدير “اللشكاه” وموظفيه، وهم يحملون العصي والسكاكين، ما أدى إلى وقوع إصابات بين العمال العرب، وفق الشهادات التي جُمعت. إلا أن معدّ التقرير حاول في خلاصة تقريره التشكيك بصحة روايات العمال العرب، رغم اعترافه بوقوع الاعتداء.

-حملة احتجاج مناطقية

تكشف الوثائق كذلك عن تنظيم حملة عرائض عمالية وُجهت إلى “مدير فروع الاتحاد في تل أبيب” التابع لـ”اتحاد عمال إسرائيل”، طالب فيها العمال بتغيير نظام تصاريح العمل، بحيث لا يبقى إصدارها بيد الحاكم العسكري وحده، وبزيادة عدد التصاريح، خصوصًا أن العامل “المحظوظ” كان يحصل على تصريح عمل لمدة خمسة عشر يومًا فقط كل شهرين ونصف.

وتشير العرائض، المرسلة من عرعرة وعارة وكفر قرع وبرطعة وأم القطف وعين السهلة (باستثناء أم الفحم)، إلى أن عدد العمال المحتاجين لتصاريح عمل بلغ نحو 940 عاملًا. وتحمل هذه الرسائل جميعها التاريخ ذاته: 12/3/1953.

وفي رسالة أخرى تحمل تاريخ 9/3/1954، وقعها عمال من كفر قرع وعرعرة وعارة، احتج العمال على تصرفات موظفي “اتحاد عمال إسرائيل”، الياهو كافري ومحمد عيسى الحج حسن، بسبب إصدار عدد محدود من تصاريح العمل، وكتبوا أن قسمًا منها “يُوزع على أساس المحسوبية وأخذ الخواطر”.

كما احتج العمال على إجبارهم على دفع رسوم التنظيم والمساهمة في صندوق العامل والفلاح، حتى في الحالات التي لا يحصلون فيها على تصاريح عمل، وعلى سياسة العقاب بحق كل عامل يوقع على عريضة احتجاج. وفي نهاية الرسالة طالب العمال بفتح مكتب عمل عام تابع لوزارة العمل وزيادة عدد التصاريح.

يمكن القول إن هذه المرحلة النضالية التي خاضها أهلنا وعمالنا بقيادة رفاق الحزب الشيوعي، رغم المعاناة والحصار، نجحت في خرق الحصار وفرض الحقوق، وأسهمت لاحقًا في إلغاء الحكم العسكري وفتح مكاتب عمل حكومية. لقد انتزع العمال حقوقهم بالصمود والوحدة والنضال، لا بالاستجداء.

وفي نهاية منشور “لجنة المبادرة للدفاع عن حقوق العمال العرب في أم الفحم ووادي عارة”، الصادر بتاريخ 6/3/1955 والمطبوع في “مطبعة الاتحاد التعاونية”، تحت عنوان “إلى عمال أم الفحم وقرى وادي عارة”، جاء النداء التالي:

“لجنة المبادرة للدفاع عن حقوق العمال العرب في أم الفحم تدعو جميع العمال في قريتنا وقرى وادي عارة إلى تأليف لجان مبادرة تمثلهم في تقديم طلباتهم ورفع احتجاجاتهم أمام مؤتمر الهستدروت، والمطالبة بتحقيق المساواة في العمل والأجور وإزالة الفروق القومية بين العمال. لهذا فإننا ندعوكم إلى تأليف لجانكم عن طريق الاجتماعات المباشرة، وعلى نجاح وحدتكم من أجل حقوقكم وتضامنكم يتوقف نجاح نضالكم”.

هذه بعض الصفحات النضالية التي خطّها عمالنا بقيادة رفاقهم الشيوعيين في منطقة وادي عارة خلال سنوات الحكم العسكري البغيض والحصار الحكومي الهادف إلى تنفيذ سياسة الترحيل. لكن أهلنا صمدوا في بيوتهم ووطنهم، وناضلوا بلا خوف ولا كلل، بوحدة نضالية أفشلت السياسات الحكومية القائمة على القمع والتمييز.

لقد صمدوا في الأرض والوطن، وفرضوا وجودهم على مؤسسات الدولة وسائر المؤسسات التي شاركت في تنفيذ سياسات القمع والتمييز.
فألف تحية لكل من ناضل وصمد، ولكل رفيق قاد هذا النضال، ولكل عامل ساهم فيه رغم قسوة تلك المرحلة وصعوبتها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
بقجة Icon
بقجة
أحصل على تطبيق بقجة الجديد
تحميل
×

تمّ اكتشاف مانع للإعلانات

فضلاً قم بإلغاء مانع الإعلانات حتى تتمكن من تصفّح موقع بقجة