قراءة في “جروح الذاكرة” وأزمة المرجعية في كتابة التاريخ المعاصر
بقلم: موسى عزوق.
تاريخ النشر: 10/05/26 | 13:41
مذكراتهم ومذكراتنا: فجوة التوثيق بين صرامة “المهندس” وانطباعية “الحكواتي”
قراءة في “جروح الذاكرة” وأزمة المرجعية في كتابة التاريخ المعاصر
يشرفني الأخ معمر حبار باتصالاته وهو يراجع معي ما قرأ وقد تخصص مؤخرا في المذكرات وله قناعات كثيرة راسخة لا يحيد عنها . هكذا قرأ لأحمد طالب الإبراهيمي ويصفه انه من النوع الذي يضحك على الجزائريين، حين يتغنى بالدّفاع عن اللّغة العربية ويكتب باللّغة الفرنسية، وهو الذي يحسن اللّغة العربية كتابة ونطقا، استعمل بشكل متكرّر عبارة: “طيلة ربع قرن”، و “منذ ربع قرن”، ويستعمل مصطلح “النظام”. يذكر عادة ان هذه الملاحظة تدفع القارئ المتتبّع لتوضيح ..و مازلت أزعم -وإلى أن تكذّبني الأيّام وهكذا كتب عن مذكرات الجنرال خالد نزار ليكون بهذا ثاني عسكري جزائري قرأ له. ثم مذكرات الجنرال رشيد بن يلس..وشهادة المجاهد عبد القادر بزيان ، وهو الان يكمل عن الجنرال رشيد بن يلس.
وكنت اريده ان يشاركني فكرة كيف انه بينما يكتب الآخرون تاريخهم بمشرط الجراح وصرامة المهندس، نجد في الجزائر أمام تباين صارخ في “أدب المذكرات”؛ حيث يتأرجح التدوين بين الرصانة العلمية الموثقة وبين السرد الانطباعي الذي يفتقر لأدنى المراجع. إن المقارنة بين المذكرات السياسية والعسكرية في الضفة الأخرى ونظيرتها الجزائرية تكشف عن فجوة منهجية عميقة، لا تتعلق فقط بمدى توفر المعلومة، بل باحترام القارئ والوثيقة، وتحول الذاكرة من إرث جماعي إلى منصة لتصفية الحسابات.
التدوين كفعل سيادي: بناء “المهندس”
يظهر النموذج الفرنسي في كتابة المذكرات كبناء هندسي محكم؛ فمذكرات الجنرال ديغول بأجزائها الصادرة عام 1984، ليست مجرد ذكريات شخصية سردية، بل هي “أرشيف دولة” ينهض على دعائم الوثائق والملاحق الرسمية. وعلى ذات المنوال، نجد في مذكرات فرانسوا ميتران “النحلة والمهندس” (1978) تقيداً بمنطق “اليوميات” والوقائع التي تضع الحدث في سياقه التاريخي والسياسي الدقيق، بعيداً عن السرد الحكواتي المجرد الذي يستهوي العاطفة على حساب العقل.
“جروح الذاكرة”.. والتبرير الاستشرافي بأثر رجعي
في المقابل، تعاني العديد من المذكرات المحلية من غياب المنهجية التوثيقية. ولعل أبرز مثال يحتاج إلى تفكيك نقدي هو الفصل الأول الموسوم بـ “جروح الذاكرة” (الصفحات 37-52) من كتاب مذكرات اللواء خالد نزار (الطبعة الثانية، 2017، منشورات الشهاب). بخلفيته العائلية المنحدر من الأوراس، وخدمة والده كرقيب في الجيش الفرنسي، ثم التحاقه هو شخصياً بالمدرسة الحربية الفرنسية “سان مكسان” عام 1955، وفراره لاحقاً عام 1958 للالتحاق بجيش التحرير الوطني في الناحية الأولى تحت إمرة الشاذلي بن جديد. ورغم أن سرد وحشية الاستعمار الفرنسي واستعانته بـ “الرماة السنغاليين” لقتل الجزائريين ببرودة دم هي حقائق تاريخية لا غبار عليها، إلا أن توظيفها في هذا السياق يطرح تساؤلات منهجية. إن المذكرات هنا تقع في فخ “التبرير الاستشرافي بأثر رجعي”؛ حيث يبدو السرد وكأنه محاولة لإسباغ طابع نضالي مبكر ومدروس لتغطية “عقدة” الالتحاق المتأخر بالثورة (بعد أربع سنوات من اندلاعها).
عند مقارنة مسار الكاتب مع الرعيل الأول (مجموعة الستة) الذين فجروا الثورة وكانوا في سن متقاربة منه، نلاحظ غياباً تاماً لأي مطالبة بالحرية أو استرجاع السيادة في بداياته الأولى. هذا الفراغ يحول المذكرات من وثيقة تاريخية إلى أداة “للهندسة العكسية” للذات، حيث تُستدعى آلام الماضي لتبييض المواقف، وتُستغل صفحات الكتاب لتصفية الحسابات بأثر رجعي، كما يظهر في انتقاده الشديد لاحقاً للمسؤول الذي استقبله أول مرة (الشاذلي بن جديد).
أزمة المرجع وتسطيح الأحداث المصيرية
تمتد أزمة المذكرات “الحكواتية” إلى الجزم بوقائع مصيرية دون الإشارة إلى أي مصدر. فبينما يروج البعض لروايات انطباعية حول أسباب أحداث أكتوبر 1988، أو يدعون اطلاعهم على الكواليس دون سند، يأتي التوثيق الرصين ليفند هذه الادعاءات. على سبيل المثال، في قضية “الإصلاحات” والزيارات السرية، يسرد البعض قصصاً عائمة، في حين يأتي باحث مثل الدكتور جورج الراسي ليوثق الوقائع بدقة في كتابه “الدين والدولة في الجزائر”، مستنداً إلى ما نشرته جريدة “الكانار انشينيه” الفرنسية (12 جوان 1991) حول الزيارات السرية لمسؤولين جزائريين ( رئيس الحكومة ؟ حمروش ) إلى باريس عشية الانتخابات. هذا التوثيق الخارجي هو ما يضع حداً للمزاجية في تفسير تحركات رجال الدولة.
نماذج جزائرية مضيئة في التدوين الموثق
خلافاً للصورة النمطية المحبطة، يزخر التاريخ الجزائري بقامات قدمت نماذج تتفوق في دقتها وموضوعيتها:
1. الأمير عبد القادر (1849): الذي كتب سيرته في سجنه بفرنسا بوعي تاريخي مبكر، موثقاً لمقاومته
2. مالك بن نبي (مذكرات شاهد للقرن): مدرسة قائمة بذاتها في التدوين. كان يوثق الأحداث باليوم والساعة، مع الإشارة الدقيقة للمراجع والجرائد، كاشفاً تفاصيل الصراع الإيديولوجي والسياسي.
3. أحمد طالب الإبراهيمي (مذكرات جزائري): في أجزائه الأربعة، قدم نموذجاً أكاديمياً يربط الحدث بالوثيقة وبالفكر الإنساني. استند في تحليله لـ “صيانة الذاكرة” إلى مفاهيم الفيلسوف “بول ريكور”. وفي مواجهة الروايات المسطحة لأحداث أكتوبر 1988، قدم الإبراهيمي في الجزء الثالث (ص 625-637) توثيقاً منهجياً للأسباب الحقيقية والعميقة، مغلقاً الباب أمام الروايات الانطباعية التي توزع المسؤوليات بلا دليل مادي.
الختام: من “القال والقيل” إلى ثقافة الأرشيف
إن صيانة الذاكرة الجماعية هي القلعة الأساسية لأي مجتمع كي يحصن نفسه ضد محاولات النهب أو السلب الفكري. والفرق بين المذكرات “الحكواتية” والمذكرات “التوثيقية” هو ذاته الفرق بين التاريخ المُصنع والتاريخ الذي يمثله أصحابه بصدق. التحدي الحقيقي اليوم هو الانتقال من ثقافة “القال والقيل” والانطباعات الشخصية إلى ثقافة الأرشيف والوثيقة، لنبني وعياً بالمصير المشترك يتجاوز مغريات الذاكرة الانتقائية وتصفية الحسابات.
محترمكم موسى عزوق .زمورة في : 22 ذ القعدة 1447 موافق 10-05-2026
قائمة المراجع والمصادر المعتمدة:
1. نزار، خالد. RECUEIL DES MÉMOIRES DU GÉNÉRAL KHALED NEZZAR (مذكرات اللواء خالد نزار)، الطبعة الثانية، منشورات الشهاب، الجزائر، 2017. (خاصة الفصل الأول “جروح الذاكرة”، ص 37-52).
2. الإبراهيمي، أحمد طالب. مذكرات جزائري (الجزء الثالث)، منشورات القصبة، الجزائر. (ص 625-637 حول أحداث أكتوبر 1988).
3. ديغول، شارل. مذكرات الأمل / مذكرات الحرب، (أجزاء مختلفة، طبعات 1984 وما بعدها).
4. ميتران، فرانسوا. L’Abeille et l’Architecte (النحلة والمهندس)، باريس، 1978.
5. بن نبي، مالك. مذكرات شاهد للقرن، دار الفكر، دمشق.
6. الراسي، جورج. الدين والدولة في الجزائر، (إحالة لجريدة “الكانار انشينيه” الفرنسية، عدد 12 جوان 1991).
7. بن يلس، رشيد. Dans les arcanes du pouvoir (في كواليس السلطة)، دار البرزخ، الجزائر، 2017.


