“قراءات في العُمران والإناسة العربيّيْن وحقول معرفة مجاورة”

د. تغريد يحيى- يونس

تاريخ النشر: 09/05/26 | 22:43

إنعقاد اللقاء الثامن لبرنامج “قراءات في العُمران والإناسة العربيّيْن وحقول معرفة مجاورة”
عقد مشروع “قراءات في علم العُمران والإناسة العربيّيْن وحقول معرفة مجاورة” لقاءه الثامن لهذا العام، اليوم السبت 09.05.2026، وهو اللقاء الثاني ضمن النصف الثاني من البرنامج السنويّ للعام 2025–2026.
خُصّص اللقاء لعرض ومناقشة كتاب لهشام شرابي، الأبويّة المستحدثة وإشكاليّة تخلّف المجتمع العربيّ، حيث قرأ أعضاء وعضوات المجموعة الكتاب كاملًا، أو فصولًا منه، مسبقًا قبل اللقاء. صدر الكتاب بالإنجليزيّة عام 1988، وهو حصيلة عمل بحثيّ استغرق قرابة عقد من الزمن، وتُرجم إلى العربيّة عام 1993، في وقت مبكّر نسبيًّا بعد صدوره.
ويُعدّ هشام شرابي أحد أبرز علماء الاجتماع العرب، ومن أوائل الباحثين الذين قدّموا أعمالًا منهجيّة ذات منحى نقديّ واضح. في هذا الكتاب، يفكّك شرابي الأبويّة بوصفها منظومة اجتماعيّة وثقافيّة وقيميّة متغلغلة في بنى المجتمع العربيّ وعلاقاته، تتّسم بالسلطويّة والقمع ومصادرة الحريّة الفرديّة. ويطرح مصطلح “الأبويّة المستحدثة” لوصف حالةٍ اجتمعت فيها مظاهر التحديث الشكليّ مع استمرار البُنى السلطويّة التقليديّة، بحيث مرّت المجتمعات العربيّة بعمليّات تحديث تقنيّة وإداريّة وتعليميّة، دون أن تبلغ الحداثة بمعناها الفكريّ والقيميّ والسياسيّ العميق. ويرى شرابي أنّ هذا المسار أعاد إنتاج الأبويّة بأشكال هجينة جديدة داخل الأسرة، والتعليم، والعمل، والسياسة، والدولة، كما أسهم في تكريس التبعيّة، وإعاقة العقلانيّة والديمقراطيّة، وإنتاج أنماط من الخضوع الاجتماعيّ والثقافيّ.
ولا يكتفي شرابي بتشخيص الأبوية وتفكيك نموذجها المستحدث، بل يسائل أيضًا إمكانيّات الخلاص منها، من دون أن يقدّم حلولًا تبسيطيّة أو سحريّة، داعيًا بدلًا من ذلك إلى مسار طويل من النقد والوعي والعمل المجتمعيّ والسياسيّ بوصفه سبيلًا نحو مجتمع ديمقراطيّ وعقلانيّ.
عرضت المجموعة الكتاب وتوقّفت عند مواضع محدّدة فيه بالعودة إلى النصّ نفسه، وهو أحد المبادئ التي يسعى البرنامج إلى ترسيخها، من خلال التعامل المباشر مع النصوص الأصليّة، بعيدًا عن الاكتفاء بالخلاصات السريعة أو الوسائط الاختزاليّة. وإذ نعتبر هذا الكتاب أحد الأعمال المهمّة في مقاربة النظام الاجتماعيّ في الحالة العربيّة، فإنّنا نُخضعه، في الوقت نفسه، لقراءة نقديّة.
وقد برزت في هذا السياق نقطتان نقديّتان أساسيتان: الأولى تتّصل ببقاء مفهوم الأبويّة نفسه مفهومًا ضبابيًّا إلى حدّ ما. فعلى الرغم من التفكيك الذي يجريه شرابي للمصطلح، لا يقدّم الكتاب تعريفًا جذريًّا ومحدّدًا للأبويّة بقدر ما يشخّص تجلّياتها وتبعاتها في العلاقات الاجتماعيّة وإدارة المجالات الاجتماعيّة والحياتيّة المختلفة، بما فيها التعليم والسياسة واللغة، بوصفها جميعًا تجلّيات أبويّة. وفي هذا السياق، عرضت الدكتورة تغريد يحيى-يونس تعريفًا جذريًّا للأبويّة، بما يجعل الدخول إلى تفكيك شرابي للمفهوم ومحاججته بشأن علاقته بالتخلّف الحضاريّ للمجتمع العربيّ أكثر سلاسةً ووضوحًا. كما أحالت إلى عدد من الباحثات البارزات في هذا المجال ضمن تقاطع القراءات بين نصوصهن وكتاب شرابي.
أمّا النقطة النقديّة الثانية، فتتعلّق بالنزعة الكُلّانيّة في الكتابة عن “المجتمع العربيّ” بصيغة التعميم، دون مراعاة الفوارق بين المجتمعات العربيّة المختلفة، والسيرورات التاريخيّة والسياسيّة المتفاوتة التي مرّت بها، فضلًا عن الاختلافات الداخليّة داخل المجتمع الواحد على أسس طبقيّة أو عرقيّة أو في نمط الحياة وغيرها.
يُذكر أنّ المشروع يواصل نشاطه للسنة الرابعة على التوالي، وقد استأنف الفوج الحاليّ برنامجه لهذا العام بعد العودة من تعطّل المرافق والنشاطات جرّاء الحروب. وكان اللقاء السابق بعد الحرب قد عُقد في نهاية الأسبوع الأوّل من استئناف النشاطات، وتحديدًا في 18 نيسان 2026. هذا وتجري نشاطات المشروع في ظلّ حالة من الضغط والتراكم في الأطر والفعاليّات الأكاديميّة.
الصور المرفقة من اللقاء، بلطف من عضوتَي المجموعة رباب قربي وميادة مصري.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
بقجة Icon
بقجة
أحصل على تطبيق بقجة الجديد
تحميل
×

تمّ اكتشاف مانع للإعلانات

فضلاً قم بإلغاء مانع الإعلانات حتى تتمكن من تصفّح موقع بقجة