تأثير الخوارزميات في منصّات التواصل الاجتماعي على إدراك ووعي الطفل ودور المجتمع في التحصين

بقلم : فخري هوّاش

تاريخ النشر: 02/05/26 | 9:33

في العصر الرقمي، لم تعد منصّات التواصل الاجتماعي مجرّد وسيلة للتسلية أو التواصل، بل أصبحت بيئات معيشية يومية يتشكّل داخلها جزء مهم من وعي الطفل وتفكيره. داخل هذه البيئات تعمل أنظمة خفيّة تُسمّى الخوارزميات، وظيفتها تنظيم المحتوى وتحديد ما يظهر لكل مستخدم بناءً على سلوكه واهتماماته السابقة.
بالنسبة للطفل في مراحله التأسيسية، حيث يتكوّن الإدراك واللغة والقيم، يصبح هذا التوجيه غير المرئي عنصرًا مؤثرًا في تشكيل نظرته للعالم. فالطفل لا يختار المحتوى بوعي كامل، بل يُدفع تدريجيًا نحو ما تُكثّفه المنصّات أمامه، ما قد يحدّ من تنوّع تجربته ويجعل إدراكه للعالم أكثر ضيقًا وتكرارًا، قائمًا على ما يُعرض له فقط.

تعمل هذه الخوارزميات على جذب الانتباه لأطول وقت ممكن، لذلك تميل إلى المحتوى السريع والمثير والمتكرر، وهو ما ينعكس على طريقة تفكير الطفل: انخفاض في القدرة على التركيز، ضعف في الصبر المعرفي، وتشكّل ذائقة تعتمد على التلقّي السريع بدل الفهم العميق. ومع الوقت، يبدأ الطفل برؤية نسخة محدودة من العالم، وكأن ما يراه هو كل ما يوجد.

أمام هذا الواقع، لا يمكن ترك الطفل وحيدًا في فضاء رقمي يُدار بمنطق الربح والانتباه، بل تصبح المسؤولية مشتركة بين الأسرة والمدرسة والدولة.

دور الأهل:
الأسرة هي الحاضنة الأولى للوعي. دورها يتمثل في تنظيم استخدام الشاشات، والمشاركة في المحتوى بدل ترك الطفل وحده أمامه، وفتح حوار دائم معه حول ما يشاهده، مع توفير بدائل حياتية حقيقية مثل اللعب، القراءة، والأنشطة الاجتماعية. الطفل الذي يعيش تفاعلًا إنسانيًا داخل أسرته يكون أقل عرضة للانجراف الكامل خلف الشاشة.

دور المدرسة:
المدرسة مطالبة اليوم بتجاوز التعليم التقليدي نحو “التربية الرقمية”. وهذا يشمل تعليم الأطفال كيف تُعرض لهم المعلومات، ولماذا يرون محتوى معينًا دون غيره، وتنمية مهارات التفكير النقدي، وتشجيعهم على البحث خارج ما تقترحه المنصّات. المدرسة هنا لا تعلّم المعرفة فقط، بل تعلّم كيفية التعامل معها بوعي.

دور الدولة:
الدولة تتحمل مسؤولية تنظيم هذا الفضاء عبر قوانين تحمي الأطفال، وتفرض شفافية أكبر على آليات عمل المنصّات، وتحدّ من الاستهداف الإعلاني الموجّه، إضافة إلى دعم المحتوى المحلي التربوي والثقافي، وإطلاق حملات توعية عامة حول الاستخدام الآمن للتكنولوجيا.

في النهاية، الخوارزميات ليست خطرًا بحد ذاتها، لكنها تصبح مؤثرة حين يغيب الوعي الذي يرافقها. وحماية وعي الطفل لا تتحقق بمنع التكنولوجيا، بل ببناء وعي قادر على فهمها والتعامل معها. وعندما تتكامل أدوار الأسرة والمدرسة والدولة، يمكن تحويل الفضاء الرقمي من قوة خفية توجه الإدراك، إلى أداة تُسهم في تنميته وتوسيع آفاقه بدل تضييقها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
بقجة Icon
بقجة
أحصل على تطبيق بقجة الجديد
تحميل
×

تمّ اكتشاف مانع للإعلانات

فضلاً قم بإلغاء مانع الإعلانات حتى تتمكن من تصفّح موقع بقجة