مسيرات العودة إلى القرى المهجّرة: بين الذاكرة الموسمية وواجب الحضور الدائم

تاريخ النشر: 24/04/26 | 6:38

بالأمس، لم تكن الطرقات عادية.
كانت تمشي فوقها الذاكرة.

شيبٌ يتكئون على أسماء القرى أكثر مما يتكئون على عصيّهم، شبابٌ يحملون الحكاية كأنها وُلدت معهم، وأطفالٌ يسيرون إلى أماكن لم يروها، لكنهم يعرفونها جيدًا. كانت القرى المهجّرة، مرة أخرى، تستعيد أبناءها—ولو ليوم واحد.

في هذه المسيرات، لا يُطرح سؤال “إلى أين نذهب؟” بقدر ما يُطرح سؤال “كيف لم نكن هنا طوال الوقت؟”.

ومع ذلك، يخرج صوتٌ من بين الحشود، بسيطٌ وصريح:
لماذا يجب أن تستمر هذه المسيرات الموسمية؟

السؤال ليس اعتراضًا على الفكرة، بل محاولة لإنقاذها من أن تتحوّل إلى طقسٍ مكرور. لأن أخطر ما يمكن أن يصيب الذاكرة، ليس النسيان المباشر، بل التكرار الذي يفقد المعنى.

المسيرات، في جوهرها، فعل مقاومة. هي إعادة وصل ما انقطع، وترميم العلاقة بين الإنسان والمكان. حين يطأ الشاب أرض قريته التي لم يرها، لا يزور الماضي، بل يوقّع على استمراره. وحين يقف شيخٌ على حجرٍ يعرفه، فهو لا يتذكّر فقط، بل يشهد.

لكن الحقيقة التي يجب قولها بوضوح:
المسيرة، مهما كانت صادقة، لا تكفي إذا بقيت موسمية.

فالقرية التي تُزار مرة في السنة، مهدّدة أن تُختزل في حدث، لا أن تبقى حالة. والذاكرة التي تُستدعى في موعد، قد تتحوّل—دون أن نشعر—إلى مناسبة، لا إلى وعي.

من هنا، لا يكون السؤال: هل نستمر؟
بل: كيف نستمر؟

كيف نجعل من المسيرة بداية، لا ذروة؟
كيف تتحوّل القرى من محطات سنوية إلى حضور يومي في اللغة، في التعليم، في الفن، في تعريف الذات؟

الذاكرة لا تُصان بالزيارة فقط، بل بالعيش فيها.
أن يعرف الطفل اسم قريته كما يعرف اسمه.
أن تُروى الحكاية في البيوت كما تُروى الأخبار.
أن يصبح المكان جزءًا من الحاضر، لا مجرد ظلٍّ للماضي.

المسيرات إذًا ليست غاية، بل وسيلة—ضرورية، لكنها غير كافية وحدها.

هي صرخة في وجه النسيان، لكنها تحتاج إلى صدى دائم في تفاصيل الحياة.
لذلك، لا يجب أن تتوقف هذه المسيرات.
لكن الأهم، ألّا تبقى وحدها.
فالقرى التي نمشي إليها مرة في العام،
يجب أن تمشي فينا… كل يوم.

فخري هوّاش
البروة جديدة المكر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
بقجة Icon
بقجة
أحصل على تطبيق بقجة الجديد
تحميل
×

تمّ اكتشاف مانع للإعلانات

فضلاً قم بإلغاء مانع الإعلانات حتى تتمكن من تصفّح موقع بقجة