من يُحرّك “الجبنه” في كوكبنا؟

فخري هوّاش

تاريخ النشر: 23/04/26 | 6:37

قراءة في هندسة القوة في العالم المعاصر
لم يعد السؤال محصورًا بدولةٍ بعينها، ولا بنظامٍ سياسيّ محدّد. على مستوى الكوكب، “الجبنة” لم تعد قطعةً واحدة، بل منظومة أهدافٍ ورغباتٍ تُصاغ وتُعاد صياغتها باستمرار. وهنا، لا يوجد محرّك واحد، بل شبكة معقّدة من القوى التي تتقاطع وتتنافس وتتحالف.
في القلب، تقف الدول الكبرى—مثل الولايات المتحدة والصين—لا بوصفها فاعلين سياسيين فقط، بل كمنتجين للرواية العالمية: من يحدّد معنى “الخطر”، ومن يعرّف “الازدهار”، ومن يرسم حدود الممكن. لكن هذه الدول لم تعد وحدها في الميدان.
فالشركات العابرة للقارات—كـ Apple وGoogle—تمتلك اليوم قدرةً غير مسبوقة على توجيه السلوك البشري. هي لا تبيع منتجات فقط، بل تُعيد تشكيل العادات، والاهتمامات، وحتى الإدراك. “الجبنة” هنا تتحوّل إلى نمط حياة، إلى رغبةٍ مُصمّمة بعناية.
ثم تأتي المؤسسات المالية العالمية، مثل صندوق النقد الدولي، التي لا تفرض سياسات اقتصادية فحسب، بل تعيد ترتيب أولويات الدول نفسها. ما يُقدَّم كإصلاحٍ اقتصادي، قد يكون في العمق إعادة تعريفٍ لما يجب أن تسعى إليه المجتمعات.
أما الإعلام—بأشكاله التقليدية والرقمية—فهو المسرح الذي تُعرض عليه هذه اللعبة. من خلاله تُصنع السرديات، وتُضخّم الأزمات، وتُعاد كتابة الواقع بما يتناسب مع مصالح القوى المؤثرة. وهنا، تصبح “الجبنة” قصةً يُصدّقها الناس، فيتحرّكون وفقها.
ولا يمكن تجاهل دور الخوف: الحروب، الأوبئة، الأزمات المناخية. هذه ليست مجرد أحداث بل أدوات أحيانًا لإعادة ضبط الاتجاه. حين يخاف الإنسان يصبح أكثر قابليةً للانقياد وأكثر استعدادًا للقبول بما كان يرفضه.
لكن، وسط كل هذاً يبقى الإنسان نفسه جزءًا من المعادلة. فالجماهير ليست مجرد ضحية، بل شريك أحيانًا بالصمت، وأحيانًا بالتواطؤ غير المقصود. “الجبنة” لا تعمل إلا لأن هناك من يركض نحوها.
في النهاية، من يُحرّك الجبنة في كوكبنا؟
ليس شخصًا، ولا دولةً واحدة، بل منظومة قوة: سياسة، مال، تكنولوجيا، وخوف.
والسؤال الأهم ليس من يحرّكها…
بل: هل يمكن يومًا أن نكفّ عن الركض كفئران تجارب في هذه المتاهة؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
بقجة Icon
بقجة
أحصل على تطبيق بقجة الجديد
تحميل
×

تمّ اكتشاف مانع للإعلانات

فضلاً قم بإلغاء مانع الإعلانات حتى تتمكن من تصفّح موقع بقجة