استراتيجيات التخويف: حين يصبح الخوف سياسة

تاريخ النشر: 17/04/26 | 15:57

في عالمٍ تتكاثر فيه الأزمات، لم يعد الخوف مجرّد شعورٍ إنساني عابر، بل تحوّل إلى أداة تُدار وتُستثمر. وفي هذا السياق، يبرز نموذج بنيامين نتنياهو بوصفه أحد أبرز من وظّف خطاب الخطر في بناء مشروعه السياسي، ضمن ما يُناقش في العلوم السياسية تحت مفاهيم “تسييس الأمن” و”إدارة الخوف”.

الأمن كهوية حكم

منذ سنوات طويلة، يقوم الخطاب السياسي لنتنياهو على فكرة مركزية:
إسرائيل تعيش في حالة تهديد دائم.
هذا التهديد يُقدَّم بأشكال متعددة—من إيران إلى حماس—لكن جوهره واحد: الخطر وجودي.
وهكذا، يتحوّل الأمن من سياسة قابلة للنقاش إلى هوية ثابتة، تبرّر توسيع الصلاحيات وتُعيد ترتيب الأولويات.

صناعة العدو المستمر

في هذا النموذج، لا يُسمح للصراع أن ينتهي، بل يُعاد إنتاجه.
العدو ليس حدثًا طارئًا، بل عنصرًا دائمًا في المشهد.
هذا الحضور المستمر للخطر يخلق:
● حالة تعبئة داخلية متواصلة
● شرعنة لسياسات استثنائية
● تهميشًا لأي خطاب بديل يدعو إلى التسوية
الخوف هنا لا يُستخدم لحظة الأزمة فقط، بل يُحافَظ عليه كشرطٍ للاستقرار السياسي.
الداخل تحت ظل الخارج
واحدة من أخطر آليات التخويف هي ربط التهديد الخارجي بالداخل.
المعارضة لا تُواجَه فقط كاختلاف سياسي، بل يُلمَّح إليها أحيانًا كعامل إضعاف في لحظة “خطر وطني”.
بهذا، يُعاد تعريف المجال السياسي:
● من مساحة نقاش
● إلى مساحة اصطفاف حيث يصبح الاختلاف عبئًا، لا حقًا.

إدارة الأزمات بدل حلّها

بدل الذهاب نحو حلول جذرية، يتم أحيانًا إبقاء الأزمات في حالة “مُدارة”:
لا انفجار شامل، ولا استقرار حقيقي.

هذه الحالة الرمادية تخدم استمرار الخطاب الأمني، وتُبقي الجمهور في حالة ترقّب دائم، حيث الخوف حاضر… لكنه لا يبلغ نهايته.

تضخيم الخطر عالميًا

لم يقتصر خطاب نتنياهو على الداخل، بل امتد إلى الساحة الدولية، خاصة في ما يتعلق بـ البرنامج النووي الإيراني.
الرسالة المتكررة:
الخطر ليس محليًا، بل عالمي.

بهذا، يُعاد تقديم الصراع كقضية أمن دولي، ما يمنح الخطاب بعدًا أوسع وشرعية إضافية.

بين الواقع والتوظيف

لا يمكن إنكار وجود تهديدات حقيقية في المنطقة، لكن الإشكالية تكمن في كيفية توظيفها.
فالخطر حين يتحول إلى أداة سياسية دائمة، يفقد حدوده، ويصبح قابلًا لإعادة التشكيل وفق الحاجة.

خاتمة
في هذا النموذج، لا يُدار الخوف فقط… بل يُعاد إنتاجه.
يتحوّل إلى لغة حكم، وإلى عدسة يرى من خلالها المواطن العالم.
السؤال لم يعد:
هل يوجد خطر؟
بل:
متى يصبح الخوف أخطر من الخطر نفسه؟
فالخوفُ…
حين يُتقنُ الحاكمُ صناعته،
لا يعودُ إنذارًا—
بل نظامًا كاملاً
يُدارُ باسمه الوطن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
بقجة Icon
بقجة
أحصل على تطبيق بقجة الجديد
تحميل
×

تمّ اكتشاف مانع للإعلانات

فضلاً قم بإلغاء مانع الإعلانات حتى تتمكن من تصفّح موقع بقجة