سلامٌ لا يشبه الغياب
فخري هوّاش
تاريخ النشر: 15/04/26 | 15:33
نحلمُ
بسلامٍ… لا يُشبهُ الغياب.
يا صديقي—
أمشي إلى اسمي،
فأتعثّرُ بظلّي،
وأقول: هذا أنا…
أم بقاياي
على درجِ الريح؟
من شرفةِ الجرح،
تتدلّى البلادُ
كجملةٍ ناقصة،
أُلملمُ حروفَها
كي لا يسقطَ المعنى.
نقولُ: سلامًا…
فتستيقظُ المقابرُ في اللغة،
وتُعيدُ ترتيبَ الصدى،
كأنّ الكلامَ
يمتحنُ نفسَه
في مرآةِ الغياب.
لسنا أعداءَ السلام—
نحنُ الذين
كلّما صافحوا فكرةً
خسروا إصبعًا،
وتركوا للأمل
أثرًا يُشبهُ الغبار.
لا نخافُ البياض…
فالبياضُ بدايةُ الحكاية،
لكننا نخافُ
ما يكتبهُ البياضُ
حين يُملى عليه.
نخافُ خريطةً
تتعلّمُ النسيان،
وتحذفُ أسماءَنا
كي تُحسنَ الصمت.
يا صديقي—
في الترابِ ذاكرةٌ
تمشي على قدمين،
وفي الحجرِ قلبٌ
يحفظُ أسماءَنا
بأصابعَ من ضوء.
كان هنا بيتٌ…
وكان له باب،
وكان البابُ يعرفُنا
أكثرَ مما نعرفُ أنفسنا.
فكيف نُصدّقُ سلامًا
لا يعرفُ طريقَ المفتاح؟
كيف نُصافحُ ظلًّا
ينسى أن يكونَ ظلًّا
لشيءٍ حقيقي؟
نحنُ لا نطلبُ المستحيل—
نطلبُ معنىً
لا يتكسّرُ في الطريق،
نطلبُ سلامًا
يخرجُ من قلبِ العدالة
كما يخرجُ الماءُ
من صخرٍ قديم.
إن جاء السلامُ
وفي عينيهِ
شيءٌ من تعبنا،
وفي يديه
خبزٌ لا ينسى
رائحةَ أمّهاتنا—
سنقول له:
تقدّم…
فهذا المكانُ
يتّسعُ لاسمين.
وإن جاء
خفيفًا ككذبة،
باردًا كتعريفٍ ناقص،
يطلبُ منّا
أن نكونَ أقلّ من جرحنا—
سنقول…
بصوتٍ
يتعلّمُ من الترابِ كيف يقف:
لسنا خونةً يا صديقي،
نحنُ الذين
إذا ضاعَ الحقُّ
سمّوهُ وطنًا مؤجّلًا،
وإذا عادَ ناقصًا
تركوهُ على الباب
كي يكتمل…
أو يرحل.
لنا غدٌ—
وإنّ غدًا لناظرهِ قريب.
تعالَ…
نكتبُ سلامًا
لا يُشبهُ الغياب،
سلامًا
يُعيدُ ترتيبَ الجهات،
ويُرجعُ للزيتونةِ
اسمَها حين كانت فكرة،
وللطفلِ
ظلَّهُ قبل أن يُقاس.
سلامًا…
إذا قيل
صار الكلامُ أقلَّ من دمعته،
وصار الدمعُ
أصدقَ من معناه.
سلامًا
لا يعتذرُ من الشهيد،
ولا يطلبُ من الأرض
أن تُخفّفَ ذاكرتَها.
حينها—
نصيرُ أخفَّ
من أسماءٍ ثقيلة،
ونمشي…
كأنّ الطريقَ
يُعيدُ اكتشافَنا،
وكأنّ الحقيقةَ
تتعلّمُ أن تُقال.

