اَلْأَرْنَبِ الذَّكِي مجموعة قِصص قَصِيرَةْ للأطفال

بقلم أ د الشاعر محسن عبد المعطي محمد عبد ربه

تاريخ النشر: 13/04/26 | 19:23

{1} جَزَاءُ الطَّيِّبِينْ قِصَّةٌ قَصِيرَةْ
خَرَجَ (أَحْمَدُ) يَتَمَشَّى عَلَى السِّكَّةِ الزِّرَاعِيَّةِ قَابَلَتْهُ امْرَأَةٌ عَجُوزٌ ,نَادَتْ عَلَيْهِ ,وَقَالَتْ لَهُ: مِنْ فَضْلِكَ يَا وَلَدِي: سَاعِدْنِي لِأَعْبُرَ الطَّرِيقَ ,عَلَى الْفَوْرِ لَمْ يَتَرَدَّدْ (أَحْمَدُ) فِي مُسَاعَدَتِهاَ, وَعَامَلَهَا بِلُطْفٍ وَ رِقَّةٍ ,قَائِلاً لَهَا: مُرِينِي يَا أُمِّي بِأَيِّ شَيْءٍ آخَرَ ,قَالَتِ الْعَجُوزُ: شَكَرَ اللهُ لَكَ يَا بُنَيَّ صَنِيعَكَ, وَكَتَبَ لَكَ السَّلَامَةَ, اِذْهَبْ مَأْجُوراً مَنْصُوراً وَاصَلَ (أَحْمَدُ) مَشْيَهُ -وَأَخَذَ يُفَكِّرُ فِي كَلِمَاتِ الْعجُوزِ الْجَمِيلَةِ, وَدُعَائِهَا الْعَذْبِ ,وَهُوَ يَحْمَدُ اللهَ أَنْ قَدَّرَهُ عَلَى مُسَاعَدَةِ الضَّعِيفِ وَذِي الْحَاجَةِ –حَتَّى وَصَل َإِلَى شَاطِئِ النِّيلِ ,جَلَسَ عَلَيْهِ ,وَأَخَذَ يَتَأَمَّلُ وَيُفَكِّرُ فِي قُدْرَةِ اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ – عَلَى شَقِّ الْأَنْهَارِ وَالْبِحَارِ وَالْمُحِيطَاتِ وَخَلْقِ الْيَابِسِ وَالْمَاءِ ,نَظَرَ إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَ نَهْرِ النِّيلِ ,وَقَالَ –فِي نَفْسِهِ -:سُبْحَانَكَ! مَا أَعْظَمَ شَانَكَ! ,نَظَرَ فَوْقَهُ إِلَى شَجَرَةِ التُّوتِ الَّتِي يَسْتَظِلُّ بِهَا ,اِشْتَاقَتْ نَفْسُهُ إِلَى بَعْضِ ثِمَارِهَا ,فَتَسَلَّقَهَا وَأَخَذَ يَأْكُلُ مِنْ ثِمَارِهَا التُّوتَ الْأَبْيَضَ وَالتُّوتَ الْأَسْمَرَ وَالتُّوتَ الْأَحْمَرَ ,وَأَثْنَاءَ تَلَذُّذِهِ بِأَكْلِ التُّوتِ جَاءَ بَعْضُ الصِّبْيَةِ ,فَأَلْقَوا عَلَيْهِ السَّلاَمَ ,وَقَالُوا: مِنْ فَضْلِكَ ,نَحْنُ لاَ نَسْتَطِيعُ تَسَلُّقَ الشَّجَرَةِ مِثْلَكَ ,فَهَلْ يُمْكِنُكَ أَنْ تَهُزَّ فُرُوعَهَا ,حَتَّى تَسْقُطَ بَعْضُ ثِمَارِهَا اللَّذِيذَةِ فَنَأْكُلَهَا؟! رَدَّ (أَحْمَدُ) فَرِحاً: بِكُلِّ سُرُورٍ يَا أَصْدِقَائِي ,هَزَّ (أَحْمَدُ) الشَّجَرَةَ ,وَأَكَلَ الْأَوْلاَدُ حَتَّى شَبِعُوا ,وَقَالُوا: الْحَمْدُ لِلهِ, شُكْراً لَكَ يَا صَدِيقَنَا الْعَزِيزَ ,قَالَ (أَحْمَدُ) : اَلْعَفْوَ يَا أَصْدِقَائِي ,بَلْ أَنَا الَّذِي أَشْكُرُ اللهَ أَنْ وَفَّقَنِي لِمُسَاعَدَتِكُمْ وَ إِسْعَادِكُمْ ,وَخَصَّنِي -مِنْ بَيْنِكُمْ يَا أَصْدِقَائِي- بِإِعْطَائِي الْقُدْرَةَ عَلَى تَسَلُّقِ الشَّجَرَةِ وَهَزِّهَا ,رَدَّ الْأَوْلاَدُ : شُكْراً لِلهِ , شُكْراً لِلهِ ,اِنْصَرَفَ الْأَوْلاَدُ ,وَأَخَذَ(أَحْمَدُ) يَتَأَمَّلُ النِّيلَ الْجَمِيلَ وَيَرْمُقُ صَفْحَةَ مَائِهِ بِإِعْجَابٍ ,قَائِلاً -فِي نَفْسِهِ – إِنَّ مِيَاهَ النِّيلِ هَذِهِ وَصَلَتْنَا مِنْ آخِرِ الدُّنْيَا ,وَهِيَ مِيَاهٌ عَذْبَةٌ ,صَالِحَةٌ لِلشُّرْبِ ,فَيَجِبُ عَلَيْنَا أَنْ نَشْكُرَ اللهَ عَلَى هَذِهِ النِّعْمَةِ , وَشُكْرُ اللهِ يَكُونُ بِالْمُحَافَظَةِ عَلَى مِيَاهِ النِّيلِ مِنَ التَّلَوُّثِ ,فَلاَ نُلْقِي فِيهِ الْقِمَامَةَ ,وَلاَ نَقْذِفُ بِالْمُخَلَّفَاتِ الزِّرَاعِيَّةِ ,كَالْحَشَائِشِ مَثَلاً ,إِلَى دَاخِلِهِ ,وَلاَ نُلْقِي فِيهِ مُخَلَّفَاتِ الْمَصَانِعِ ,أَوِ الْمَوَادَّ السَّامَّةَ ,وَبَيْنَمَا كَانَ (أَحْمَدُ) مُسْتَغْرِقاً فِي التَّفْكِيرِ أَمَامَ النِّيلِ ,جَاءَ صَدِيقُهُ (صُبْحِي) ,أَلْقَى عَلَيْهِ السَّلاَمَ ,وَقَالَ لَهُ:لَقَدْ جِئْتُ بِبَعْضِ السَّنَانِيرِ فَهَلْ لَكَ أَنْ تُشَارِكَنِي هِوَايَةَ الصَّيْدِ ؟! ,قَالَ (أَحْمَدُ) :نَعَمْ, إِنَّهَا هِوَايَةٌ تُعَلِّمُ الصَّبْرَ وَالْكِفَاحَ وَالدَّأَبَ فِي سَبِيلِ الْحُصُولِ عَلَى الرِّزْقِ ,وَانْتِظَارَ الْفَرَجِ مِنَ اللهِ تَعَالَى فَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ,وَأَثْنَاءَ كَلاَمِهِ غَمَزَتْ سِنَّارَةُ (أَحْمَدُ) ,فَأَخْرَجَهَا بِسُرْعَةٍ مِنَ النَّهْرِ, و ِإِذَا بِقَرْمُوطٍ كَبِيرٍ يَهُزُّ شَوَارِبَهُ ,وَيَتَنَطَّطُ ,أَخْرَجَ (أَحْمَدُ) السِنَّارَةَ مِنْ فَمِ الْقَرْمُوطِ الْكَبِيرِ ,وَهُوَ يَقُولُ:(وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ) الْآيَةُ22ِمِنْ سُورَةِ الذَّارِيَاتِ ,قَالَ (صُبْحِي): لاَبُدَّ أَنَّكَ يَا (أَحْمَدُ) قَدْ فَعَلْتَ عَمَلاً طَيِّباً هَذَا الصَّبَاحَ ,رَدَّ (أَحْمَدُ) :الْحَمْدَ لِلهِ الَّذِي وَفَّقَنَا ,وَاسْتَمَرَّ (أَحْمَدُ) وَ(صُبْحِي) يَسْتَخْرِجَانِ الْأَسْمَاكَ حَتَّى مَلَآ (شِوَالاً) لَمْ يَسْتَـطـِيعَا حَمْلَهُ ,فَأَخَذَا (تُكْتُكاً) ,سَاعَدَهُمَا سَائِقُ (التُّكْتُكِ) عَلَى حَمْلِ (شِوَالِ ) السَّمَكِ ,حَتَّى وَضَعُوهُ فِي (التُّكْتُكِ) وَوَصَلُوا إِلَى بَيْتِ (أَحْمَدُ) فَاسْتَقَبَلَتْهُمُ الْعَائِلَةُ ,بِفَرْحَةٍ كَبِيرَةٍ وَسُرُورٍ بَالِغٍ ,مُشِيرِينَ إِلَى السَّمَكِ ,قَائِلِينَ: مَا هَذَا؟! رَدَّ (أَحْمَدُ) وَ(صُبْحِي) : هَذَا جَزَاءُ الطَّيِّبِينْ .

{2} بَيْتٌ جديد قِصَّةٌ قَصِيرةْ
قَالَ زِيَادُ: يَا أَبِي,مَتَى نَبْنِي بَيْتَنَا الْجَدِيدَ؟ قَالَ الْأَبُ:لَقَدِ اشْتَرَيْتُ قِطْعَةَ أَرْضٍ يَا زِيَادُ لِهَذَا الْغَرَضِ فِي الْمَنْطِقَةِ الْمُوَصِّلَةِ إِلَى النِّيلِ,وَهِيَ مَنْطِقَةٌ جَمِيلَةٌ ,هَوَاؤُهَا مُنْعِشٌ ,وَجَوُّهَا جَمِيلٌ ,وَنَسِيمُهَا يَشْفِي الْقُلُوبَ الْعَلِيلَةَ ,وَيَرْوِي الْأَرْوَاحَ الظَّامِئَةَ إِلَى لَحَظَاتٍ مِنَ الْهُدُوءِ ,بِالْقُرْبِ مِنْ هَذِهِ الْمَنْطِقَةِ أَشْجَارُ الصَّفْصَافِ ,وَالْجَزْوَرِينِ ,وَحُقُولُ الْقَمْحِ ,وَالْبَرْسِيمِ , أَشْجَارٌ مَزْرُوعَةٌ عَلَى التُّرَعِ ,تَمْنَحُكَ الْحَيَاةَ,فَتَعِيشُ الْحَيَاةَ,وَتُحِبُّ الْحَيَاةَ, قَالَ زِيَادُ:نَعَمْ يَا بَابَا , فَالْحَيَاةُ تَجْمُلُ وَتَحْلُو ,عِنْدَمَا تَكُونُ الْبِيئَةُ صِحِيَّةً , قَالَتْ سَلْوَى:أَخِي زِيَادُ ,مِنْ فَضْلِكَ أَخْبِرْنِي ,كَيْفَ تَكُونُ الْبِيئَةُ صِحِيَّةً؟ قَالَ زِيَادُ:سُؤَالٌ جَمِيلٌ يَا أُخْتِي, الْبِيئَةُ تَكُونُ صِحِيَّةً,عِنْدَمَا تَخْلُو مِنَ الضَّوْضَاءِ ,وَنَحْمِيهَا مِنْ عَوَادِمِ السَّيَّارَاتِ ,وَنَعْمَلُ لَهَا حِزَاماً مِنَ الْأَشْجَارِ ,الَّتِي تُحِيطُ بِهَا ,لِتَحْمِيَهَا مِنَ الْعَوَاصِفِ التُّرَابِيَّةِ , وَتَكُونُ الْبِيئَةُ جَمِيلَةً عِنْدَمَا نُجَمِّلُهَا بِالْأَشْجَارِ وَالْوُرُودِ , وَنُجَمِّلُهَا بِالْحُبِّ ,قَالَ نَافِعٌ:مَاذَا تَعْنِي بِالْحُبِّ يَا زِيَادُ؟ قَالَ زِيَادٌ:أَخِي نَافِعُ ,أَنَا أَعْنِي بِالْحُبِّ حُبَّ بَعْضِنَا لِبَعْضٍ ,فَعَنْ أَنَسٍ-رَضِيَ(اللَّهُ) عَنْهُ- عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى الَّلهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمْ قَالَ):لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ,هَذَا الْحُبُّ يَجْعَلُ قُلُوبَنَا خَالِيَةً مِنَ الْغِلِّ وَالْحِقْدِ وَالْحَسَدِ ,وَالْبُغْضِ وَالرِّيَاءِ ,قَالَ سَمْعَانُ:وَمَا الَّذِي يَحْدُثُ إِذَا تَمَتَّعْنَا بِمَا تَقُولُ؟ قَالَ زِيَادٌ:أَخِي سَمْعَانُ,سَنُصْبِحُ كَالْجَسَدِ الْوَاحِدِ ,مُتَعَاطِفِينَ ,مُتَوَادِّينَ,مُتَرَاحِمينَ مُتَكَافِلِينَ ,مُتَسَامِينَ ,يُحِسُّ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ فِي الْفَرَحِ , فِي الْحُزْنِ , فِي الرِّضَا , فِي الْغَضَبِ,عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ -رَضِيَ(اللَّهُ) عَنْهُمَا- مَنْطِقَةٌ جَمِيلَةٌ ,هَوَاؤُهَا مُنْعِشٌ ,وَجَوُّهَا جَمِيلٌ ,وَنَسِيمُهَا يَشْفِي الْقُلُوبَ الْعَلِيلَةَ ,وَيَرْوِي الْأَرْوَاحَ الظَّامِئَةَ إِلَى لَحَظَاتٍ مِنَ الْهُدُوءِ ,بِالْقُرْبِ مِنْ هَذِهِ الْمَنْطِقَةِ أَشْجَارُ الصَّفْصَافِ ,وَالْجَزْوَرِينِ ,وَحُقُولُ الْقَمْحِ ,وَالْبَرْسِيمِ , أَشْجَارٌ مَزْرُوعَةٌ عَلَى التُّرَعِ ,تَمْنَحُكَ الْحَيَاةَ,فَتَعِيشُ الْحَيَاةَ,وَتُحِبُّ الْحَيَاةَ, قَالَ زِيَادُ:نَعَمْ يَا بَابَا , فَالْحَيَاةُ تَجْمُلُ وَتَحْلُو ,عِنْدَمَا تَكُونُ الْبِيئَةُ صِحِيَّةً , قَالَتْ سَلْوَى:أَخِي زِيَادُ ,مِنْ فَضْلِكَ أَخْبِرْنِي ,كَيْفَ تَكُونُ الْبِيئَةُ صِحِيَّةً؟ قَالَ زِيَادُ:سُؤَالٌ جَمِيلٌ يَا أُخْتِي, الْبِيئَةُ تَكُونُ صِحِيَّةً,عِنْدَمَا تَخْلُو مِنَ الضَّوْضَاءِ ,وَنَحْمِيهَا مِنْ عَوَادِمِ السَّيَّارَاتِ ,وَنَعْمَلُ لَهَا حِزَاماً مِنَ الْأَشْجَارِ ,الَّتِي تُحِيطُ بِهَا ,لِتَحْمِيَهَا مِنَ الْعَوَاصِفِ التُّرَابِيَّةِ , وَتَكُونُ الْبِيئَةُ جَمِيلَةً عِنْدَمَا نُجَمِّلُهَا بِالْأَشْجَارِ وَالْوُرُودِ , وَنُجَمِّلُهَا بِالْحُبِّ ,قَالَ نَافِعٌ:مَاذَا تَعْنِي بِالْحُبِّ يَا زِيَادُ؟ قَالَ زِيَادٌ:أَخِي نَافِعُ ,أَنَا أَعْنِي بِالْحُبِّ حُبَّ بَعْضِنَا لِبَعْضٍ ,فَعَنْ أَنَسٍ-رَضِيَ(اللَّهُ) عَنْهُ- عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى الَّلهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمْ قَالَ):لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ,هَذَا الْحُبُّ يَجْعَلُ قُلُوبَنَا خَالِيَةً مِنَ الْغِلِّ وَالْحِقْدِ وَالْحَسَدِ ,وَالْبُغْضِ وَالرِّيَاءِ ,قَالَ سَمْعَانُ:وَمَا الَّذِي يَحْدُثُ إِذَا تَمَتَّعْنَا بِمَا تَقُولُ؟ قَالَ زِيَادٌ:أَخِي سَمْعَانُ,سَنُصْبِحُ كَالْجَسَدِ الْوَاحِدِ ,مُتَعَاطِفِينَ ,مُتَوَادِّينَ,مُتَرَاحِمينَ مُتَكَافِلِينَ ,مُتَسَامِينَ ,يُحِسُّ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ فِي الْفَرَحِ , فِي الْحُزْنِ , فِي الرِّضَا , فِي الْغَضَبِ,عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ -رَضِيَ(اللَّهُ) عَنْهُمَا- قَالَ : قَالَ رَسُولُ الَّلهِ صَلَّى الَّلهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمْ:(مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ ,مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ,و اللَّهُ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- يَنْظُرُ إِلَيْنَا بِرَحْمَتِهِ وَعَطْفِهِ وَرِضَاهُ ,وَيَتَجَلَّى عَلَيْنَا بِكُلِّ مَا يُسْعِدُنَا فِي دُنْيَانَا وَآخِرَتِنَا فَنَسْتَمْتِعُ بِرَاحَةِ بَالِنَا ,وَحِينَئِذٍ نَتَمَتَّعُ بِالصِّحَّةِ النَّفْسِيَّةِ ,الَّتِي تُحَافِظُ بِدَوْرِهَا عَلَى الصِّحَّةِ الْبَدَنِيَّةِ فَعَنِ أَبِي هُرَيْرَةَ –رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ : قَالَ رَسُولُ الَّلهِ صَلَّى الَّلهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمْ(اَلْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى الَّلهِ مِنَ اَلْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ وَ فِي كُلِّ خَيْرٍ ,اِحْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ وَاسْتَعِنْ بِالَّلهِ وَلاَ تَعْجَزْ ,وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلاَ تَقُلْ,لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا ,وَلَكِنْ قُلْ:قَدَّرَ اللَّهُ وَمَا شَاءَ فَعَلَ ,فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ)رَوَاهُ مُسْلِمٌ ,قَالَتْ جَنَّةُ:وَمَا أَسَاسُ بَيْتِنَا يَا أَبِي؟,قَالَ الْأَبُ: أَسَاسُ بَيْتِنَا يَا ابْنَتِي تَقْوَى اللَّهِ وَرِضَاهُ كَمَا قَالَ تَعَالَى): أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ-;- تَقْوَىٰ-;- مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ-;- شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ ,وَ اللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ)اَلتَّوْبَةِ109,قَالَتْ (نِعْمَةُ):وَمَا عَدَدُ حُجُرَاتِ شَقَّتِنَا يَا أَبِي؟ قَالَ الْأَبُ:أَرْبَعُ حُجُرَاتٍ يَا (نِعْمَةُ),كُلُّهَا ذَاتُ شُرُفَاتٍ ,مَا رَأْيُكِ يَا ابْنَتِي؟ قَالَتْ (نِعْمَةُ):بَارَكَ اللَّهُ فِيكَ يَا أَبِي,وَأَكْثَرَ مِنْ أَمْثَالِكَ وَحَفِظَكَ لَنَا ذُخْراً وَفَخْراً,اَلْمُهِمُّ يَا أَبِي أَنْ نُعَمِّرَ هَذَا الْبَيْتَ بِذِكْرِ اللهِ, فَعَنِ أَبِي مُوسَىَ الْأَشْعَرَيِّ -رَضِيَ(اللَّهُ) عَنْهُ- عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى الَّلهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمْ قَالَ :(مَثَلُ الَّذِي يَذْكُرُ رَبَّهُ وَالَّذِي لاَ يَذْكُرُهُ مَثَلُ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ)رَوَاهُ الْبُخَارِي, وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ فَقَالَ: مَثَلُ الْبَيْتِ الَّذِي يُذْكَرُ الَّلهُ فِيهِ وَالْبَيْتِ الَّذِي لاَ يُذْكَرُ الَّلهُ فِيهِ, مَثَلُ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ) كَمَا أَنَّهُ مِنَ الْمُهِمِّ جِدًّا أَنْ نُعَمِّرَ هَذَا الْبَيْتَ بِالصَّلاَةِ وَالسَّلاَمِ عَلَى رَسُولُ الَّلهِ صَلَّى الَّلهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمْ فَعَنِ عَلِيٍّ -رَضِيَ(اللَّهُ) عَنْهُ- قَالَ : قَالَ رَسُولُ الَّلهِ صَلَّى الَّلهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم :(الْبَخِيلُ مَنْ ذُكِرْتُ عِنْدَه ُ وَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ)رَوَاهُ التِّرْمِذِي وَ قَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ, كَمَا أَنَّهُ فِي غَايَةِ الْأَهَمِيَّةِ , أَنْ نُعَمِّرَ هَذَا الْبَيْتَ بِإِقَامَةِ الصَّلاَةِ كَمَا قَالَ تَعَالَى):وَأَوْحَيْنَا إِلَىَ مُوسَىَ وَأَخِيهِ أَن تَبَوّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتاً وَاجْعَلُواْ بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُواْ الصّلاَةَ وَبَشّرِ الْمُؤْمِنِينَ)سُورَةِ يُونُسَ الآيَةِ87 ,وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلاَمٍ-رَضِيَ(اللَّهُ) عَنْهُ-أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى الَّلهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم قَالَ: (أَيُّهَا النَّاسُ أَفْشُوا السَّلاَمَ ,وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ ,وَصَلُّوا بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِسَلاَمٍ) رَوَاهُ التِّرْمِذِي وَ قَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ, قَالَ الْأَبُ:حَفِظَكِ اللَّهُ يَا (نِعْمَةُ),وَأَحْمَدُ رَبِّي آنَاءَ اللَّيْلِ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ,أَنْ رَزَقَنِي أَوْلاَداً صَالِحِينَ وَبَنَاتٍ صَالِحاتٍ مِثْلَكِ يَا نِعْمَةُ , أَحْمَدُهُ وَأَشْكُرُ فَضْلَهُ , قَالَ تَعَالَى):وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد ( سُورَةِ إِبْرَاهِيمَ الآيَةِ7.

{3} تَنَافُسْ قِصَّةٌ قَصِيرةْ
اِجْتَمَعَتْ نَاظِرَةُ الْمَدْرَسَةِ بِالْمُدَرِّسَاتِ وَالْمُدَرِسِينَ , وَقَالَتْ نَاظِرَةُ الْمَدْرَسَةِ فِي بِدَايَةِ الِاجْتِمَاعِ :”أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (رَبَّنَا آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا)اَلْكَهْفْ10 أَعِزَّائِي الْمُدَرِسِينَ وَالْمُدَرِّسَاتِ اَلسَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهُ وَبَرَكَاتُهْ ,اِجْتَمَعْتُ بِكُمُ الْيَوْمَ لِأَنَّهُ قَدْ طَرَأَتْ لِي فِكْرَةٌ جَمِيلَةٌ تَخُصُّ أَبْنَاءَنَا التَّلَامِيذَ ,حَتَّى نُحَسِّنَ مِنْ مُسْتَوَاهُمْ وَنُقَوِّيَ دَوَافِعَهُمْ نَحْوَ الْعَمَلِيَّةِ التَّعْلِيمِيَّةِ” سَأَلَتِ الْأَبْلَةُ حَسْنَاءْ:” وَمَا هِيَ هَذِهِ الْفِكْرَةْ؟!!!” أَجَابَتِ النَّاظِرَةُ: “نُرِيدُ أَنْ نَعْمَلَ مُسَابَقَةً كَبِيرَةً لِلطَّلَبَةِ فِي مُخْتَلَفِ الْعُلُومِ وَالْفُنُونِ ,كَالتَّرْبِيَةِ الدِّينِيَّةِ وَاللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ وَالتَّرْبِيَةِ الْفَنِّيَّةِ وَالتَّرْبِيَةِ الرِّيَاضِيَّةِ ..الخ” قَامَتِ الْأَبْلَةُ مُؤْمِنَةُ وَقَالَتْ: “وَهَلْ سَيَكُونُ لِلْمُسَابَقَةِ جَوَائِزُ؟!!!”قَالَتِ النَّاظِرَةُ :”بِالطَّبْعِ وَهَذِهِ الْجَوَائِزُ سَتَكُونُ الدَّافِعَ لِنُبُوغِ التَّلَامِيذِ” قَامَتِ الْأَبْلَةُ هُدَى وَقَالَتْ: “مِنَ الْمَفْرُوضِ أَنْ نُسَجِّلَ امْتِحَانَاتِ الْمُسَابَقَةِ وَنَتَائِجَهَا عَلَى الْكُومْبِيُوتَرِ” قَالَتِ النَّاظِرَةُ: “بِالتَّأْكِيدِ فَنَحْنُ فِي عَصْرِ الْكُومْبِيُوتَرِ وَالْإِنْتَرْنِتْ وَالِاكْتِشَافَاتِ الْعِلْمِيَّةِ ,وَلَابُدَّ أَنْ نُعَوِّدَ التَّلَامِيذَعَلَى كُلِّ هَذَا” قَالَ الْأُسْتَاذُ عَبْدُ السَّمِيعِ:”وَهَلْ سَيَكُونُ هُنَاكَ مَجَالٌ لِلْمَوَاهِبِ فِي
هَذِهِ الْمُسَابَقَةِ؟!!! “قَالَتِ النَّاظِرَةُ:” سُؤَالٌ مُهِمٌ جِدًّا يَا أُسْتَاذُ عَبْدُ السَّمِيعِ ,وَلَقَدْ حَرِصْتُ أَنْ تَعْمَلَ مُسَابَقَتُنَا عَلَى اكْتِشَافِ الْمَوَاهِبِ كَالشِّعْرِ وَالرَّسْمِ وَالْقِصَّةِ وَالْمَسْرَحِيَّةِ وَالْخِطَابَةِ وَكِتَابَةِ الْمَقَالِ وَكِتَابَةِ الْبَحْثِ وَالطُّرْفَةِ وَالِاكْتِشَافِ وَالِاسْتِنْتَاجِ الْعَقْلِيِّ وَالْكُرَةِ وَالْكَارَاتِيهِ وَحَمْلِ الْأَثْقَالِ وَغَيْرِهَا, وَعَلَى جَمِيعِ الزُّمَلَاءِ وَالزَّمِيلَاتِ تَحْفِيزُ الطُّلَّابِ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الْمَجَالَاتِ “حَرِصَ جَمِيعُ الطُّلَّابِ عَلَى أَنْ يَشْتَرِكُوا فِي الْمُسَابَقَةِ وَاجْتَهَدَ مُعْظَمُ الطُّلَّابِ وَمِنْهُم أَحْمَدُ وَكَامِلَةُ وَجَمَالُ وَعَلِيُّ الَّذِينَ حَقَّقُوا بِاجْتِهَادِهِمْ تَفَوُّقاً مَلْحُوظاً فِي الْمُسَابَقَةِ ,مَا عَدَا شُكْرِي وَسَامِرْ ,كَانَ شُكْرِي يَحْقِدُ عَلَى أَحْمَدَ وَلَا يَتَمَنَّى نَجَاحَهُ فِي الْمُسَابَقَةِ, كَمَا كَانَ شُكْرِي مُهْمِلاً لَا يُعْطِي الْمُسَابَقَةَ الِاهْتِمَامَ الْكَافِي وَيَأْخُذُ الْمَوْضُوعَ بِاسْتِهْتَارٍ ,وَعِنْدَمَا أُعْلِنَتِ النَّتِيجَةُ كَانَ شُكْرِي أَوَّلَ الرَّاسِبِينَ فِي الْمُسَابَقَةِ , وَكَانَ يَجْلِسُ بَيْنَ الزُّمَلَاءِ بَعْدَ أَنْ عَرَفُوا جَمِيعاً أَنَّهُ رَاسِبٌ, وَفِي قَرَارَةِ نَفْسِهِ يَتَمَنَّى رُسُوبَ زَمِيلِهِ أَحْمَدَ وَيَنْتَظِرُ ذَلِكَ حَتَّى يَشْمَتَ فِيهِ وَيَجِدَ لَهُ رَفِيقاً فِي الْفَشَلِ ,فِي هَذِهِ اللَّحْظَةِ دَخَلَ الْأُسْتَاذُ رَضْوَانُ وَسَلَّمَ عَلَى أَحْمَدَ قَائِلاً:” أَلْفَ مَبْرُوكٍ يَا أَحْمَدُ لَقَدْ أَخَذْتَ الْمَرْكَزَ الْأَوَّلَ فِي الْمُسَابَقَةِ” وَهُنَا انْطَفَأَ لَوْنُ شُكْرِي وَرَاحَ لَهُ لَوْنٌ وَجَاءَ لَهُ لَوْنٌ وَأَخَذَتْهُ غَيْبُوبَةٌ مِنَ الْحُزْنِ وَتَغَيَّرَ لَوْنُ وَجْهِهِ ,وَفِي الْحَفْلِ هَنَّأَتِ الْمَدْرَسَةُ أَحْمَدَ وَأَعْطَتْهُ جَائِزَةً كَبِيرَةً وَأَلْقَى خُطْبَةَ الْحَفْلِ الطَّالِبُ / تَاجُ الدِّينِ عَبْدُ الْعَظِيمِ غَانِمُ اَلْأَوَّلُ عَلَى الْمَدْرَسَةِ فِي الْخِطَابَةِ وَكَانَ مِمَّا قَالَهُ- بَعْدَ حَمْدِ اللَّهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ وَالصَّلَاةِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ لِلْعَالَمِينَ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – :”قَالَ تَعَالَى: (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ)الْمُجَادَلَةِ11 وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: (وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ) المطففين 26وَقَالَ جَلَّ شَأْنُهُ: (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ۗ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ) ﴿٩﴾ اَلزُّمُرْ وَقَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (28)فَاطِرْ ,أَحْبَابِي فِي اللَّهِ زُمَلَائِي زَمِيلَاتِي: يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ التَّنَافُسُ شَرِيفاً خَالِياً مِنَ الْحِقْدِ, وَالْمُؤْمِنُ الصَّافِي الْقَلْبَ الْخَالِي مِنَ الْأَدْرَانِ وَالْحِقْدِ وَالضَّغِينَةِ هُوَ الْمُؤْمِنُ النَّاجِحُ الْمُتَفَوِّقُ أَمَّا مَنْ يَمْتَلِئُ قَلْبُهُ بِالشُّرُورِ وَيَتَمَنَّى فَشَلَ زُمَلَائِهِ فَمَصِيرُهُ الْفَشَلُ وَعَلَيْهِ أَنْ يَتُوبَ إِلَى اللَّهِ طَالِباً مَغْفِرَةَ خَطِيئَتِهِ وَجَهْلَهُ حَقَّ زُمَلَائِهِ وَيُصَفِّي قَلْبَهُ مِنَ الْغِلِّ وَالْحِقْدِ وَالْحَسَدِ فَعَنْ أَبِي مُوسَى رضَيَ اللَّهُ عَنْهُ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم أَنَّه كَانَ يَدعُو بهَذا الدُّعَاءِ ) :اللَّهمَّ اغْفِر لي خَطِيئَتي وجهْلي ، وإِسْرَافي في أَمْري ، وما أَنْتَ أَعلَم بِهِ مِنِّي مِنِّي، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِيجِدِّي وَ هَزْلِي ، وَخَطَئي، وَعَمْدِي، وَكُلُّ ذَلِكَ عِنْدِي ، اللَّهمَّ اغفِرْ لي مَا قَدَّمْتُ وَما أَخَّرْتُ، وَما أَسْرَرْتُ وَما أَعْلَنْتُ ، وَما أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، أَنْتَ الْمُقَدِّمُ وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ(رِيَاضُ الصَّالِحِينْ)”

{4} اَلذِّئْبْ قِصَّةٌ قَصِيرةْ
ذَاتَ يَوْمٍ اسْتَيْقَظَتْ هِنْدُ مِنْ نَوْمِهَا مَفْزُوعَةً وَهِيَ تَصْرُخُ وَ تَبْكِي بِصَوْتٍ مُرْتَفِعٍ وَتَصِيحُ” لَا لَا لَا تَأْكُلْنِي” هَرْوَلَتِ الْأُمُّ إِلَى حُجْرَةِ هِنْدَ وَقَالَتْ: “مَالَكِ يَا حَبِيبَتِي” أَخَذَتْ هِنْدُ أَنْفَاسَهَا وَقَالَتْ: “اَلذِّئْبُ يَا أُمِّي” قَالَتِ الْأُمُّ:” مَالَكِ يَا هِنْدُ وَاَلذِّئْبُ” قَالَتْ هِنْدُ: رَأَيْتُ فِيمَا يَرَى النَّائِمُ ذِئْباً مُتَوَحِّشاً يَأْكُلُ كُلَّ مَا يُقَابِلُهُ مِنَ الْأَغْنَامِ وَكُنْتُ عَلَى مَسَافَةٍ بَعِيدَةٍ, وَلَكِنَّنِي كُنْتُ فِي حَالَةِ رُعْبٍ شَدِيدٍ مِنْهُ فَصِحْتُ: لَا تَأْكُلْنِي أَيُّهَا اَلذِّئْبُ لَا تَأْكُلْنِي أَيُّهَا اَلذِّئْبُ لَا لَا لَا تَأْكُلْنِي” قَالَتِ الْأُمُّ:”خَيْرٌ يَا بُنَيَّتِي وَالْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى السَّلَامَةِ
إِنَّ هَذَا اَلذِّئْبَ يَا بُنَيَّتِي هُوَ الشَّيْطَانُ ,وَتِلْكَ الْأَغْنَامُ :اَلْفَتَيَاتُ اللَّاتِي يَتَّبِعْنَ الشَّيْطَانَ بِاقْتِرَافِ الْمَعَاصِي وَالتَّكَاسُلِ عَنْ أَدَاءِ الصَّلَاةِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَالسَّعْيِ لِلنَّجَاحِ , فَيَكُنَّ فَرِيسَةً لِلشَّيْطَانِ يَلْتَهِمُهُنَّ وَيَقْضِي عَلَيْهِنَّ فَيُصْبِحْنَ غَيْرَ صَالِحَاتٍ فِي الدُّنْيَا وَ غَيْرَ فَائِزَاتٍ فِي الْآخِرَةِ, وَبُعْدُكِ عَنْهُ يَا ابْنَتِي فَضْلٌ كَبِيرٌ مِنَ اللَّهِ فَأَنْتِ بِنْتٌ جَيِّدَةٌ تَفْعَلِينَ الْأَعْمَالَ الْجَمِيلَةَ الَّتِي يَدُلُّكِ قَلْبُكِ عَلَيْهَا وَلَكِنْ تَنْقُصُكِ أَشْيَاءٌ كَثِيرَةٌ” قَالَتْ هِنْدُ- بِلَهْفَةٍ- : وَمَا هَذِهِ الْأَشْيَاءٌ يَا أُمِّي؟!!! قَالَتِ الْأُمُّ:” تَنْقُصُكِ صِلَتُكِ بِاللَّهِ” قَالَتْ هِنْدُ:وَكَيْفَ أُوَثِّقُ صِلَتِي بِاللَّهِ يَا مَامَا؟!!! قَالَتِ الْأُمُّ:”عِنْدَمَا يُرِيدُ الْإِنْسَانُ شَيْئاً مِنْ مَسْئُولٍ كَبِيرٍ أَلَا يَسْعَى لِمُقَابَلَتِهِ؟!!!” قَالَتْ هِنْدُ: “نَعَمْ” قَالَتِ الْأُمُّ:”وَلِمَاذَا لَا تُقَابِلِينَ اللَّهَ يَا هِنْدُ وَتَطْلُبِينَ مِنْهُ مَا تُرِيدِينَ؟!!!” قَالَتْ هِنْدُ- مُتَعَجِّبَةً:”وَكَيْفَ أُقَابِلُ اللَّهَ يَا أُمِّي؟!!! قَالَتِ الْأُمُّ:”تَسْتَطِيعِينَ مُقَابَلَتَهُ خَمْسَ مَرَّاتٍ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ” قَالَتْ هِنْدُ:” فَهِمْتُ يَا أُمِّي, تَقْصِدِينَ: يَجِبُ أَنْ أَحْرِصَ عَلَى لِقَاءِ اللَّهِ فِي الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَأَشْكُو لَهُ كُلَّ مَا يَهُمُّنِي وَأَدْعُوهُ لِيُزِيلَ حُزْنِي وَقَلَقِي وَيُحَقِّقَ أَمَلِي وَيَدْفَعَ عَنِّي كُلَّ مَكْرُوهٍ” قَالَتِ الْأُمُّ:”بَارَكَ اللَّهُ فِيكِ يَا حَبِيبَتِي وَ بَارَكَ فِي عَقْلِكِ وَعَلَيْكِ بِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فَهُوَ كَلَامُ اللَّهِ الَّذِي يَجْعَلُكِ قَرِيبَةً مِنْهُ وَمُسْتَجَابَةَ الدُّعَاءِ أَمَّا هَذَا الشَّيْطَانُ اللَّعِينُ الَّذِي رَأَيْتِهِ فِي الْمَنَامِ فِي صُورَةِ ذِئْبٍ فَهُوَ كَمَا قَالَ اللَّهُ – عَزَّ وَجَلَّ- {ْإِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ }النحل99

{5} اَلْأَرْنَبِ الذَّكِي قِصَّةٌ قَصِيرةْ
اَلْوَلَدُ عَمْرْو يُحِبُّ تَرْبِيَةَ الْأَرَانِبِ ذَاتَ يَوْمٍ نَادَى أُمَّهُ: “مَامَا مِنْ فَضْلِكِ اشْتَرِي لِي زَوْجاً مِنَ الْأَرَانِبِ” قَالَتِ الْأُمُّ: “حَاضِرْ يَا حَبِيبِي” ذَهَبَتِ الْأُمُّ إِلَى السُّوقِ فَوَجَدَتْ بَائِعَةً جَالِسَةً وَمَعَهَا أَقْفَاصٌ لِلْبَطِّ وَأَقْفَاصٌ لِلْإِوِزِّ وَ أَقْفَاصٌ لِلدَّجَاجِ وَأَقْفَاصٌ لِلْأَرَانِبِ ,قَالَتِ أُمُّ عَمْرْو: “مِنْ فَضْلِكِ يَا خَالَةُ, مَا ثَمَنُ الزَّوْجِ مِنَ الْأَرَانِبِ” قَالَتِ الْبَائِعَةُ: “خَمْسَةُ جُنَيْهَاتٍ” قَالَتِ أُمُّ عَمْرْو: “خُذِي يَا خَالَةُ” رَجَعَتْ أُمُّ عَمْرْو إِلَى الْبَيْتِ فَاسْتَقْبَلَهَا عَمْرْو فَرِحاً وَأَخَذَ مِنْهَا الْأَرَانِبَ فَوَضَعَهَا فِي الْخَزَانَةِ(الْحَظِيرَةِ) وَذَهَبَ إِلَى الْحَقْلِ وَمَعَهُ الْمِنْجَلُ فَحَشَّ بَعْضَ الْبِرْسِيمِ وَحَمَلَهُ عَلَى الْحِمَارِ وَعَادَ إِلَى الْبَيْتِ فَوَضَعَ الْبِرْسِيمِ الْأَخْضَرَ لِلْأَرَانِبِ وَظَلَّ يُرَاقِبُهَا وَهِيَ تَأْكُلُ سَعِيداً بِتِلْكَ الْمَخْلُوقَاتِ الْجَمِيلَةِ الَّتِي أَنْعَمَ اللَّهُ بِهَا عَلَى الْإِنْسَانِ ظَلَّ عَمْرْو عَلَى هَذَا الْحَالِ شَهْرَيْنِ كَامِلَيْنِ حَتَّى رَأَى الْأَرَانِبَ قَدْ كَبُرَتْ وَأَصْبَحَتْ ذَاتَ حَجْمٍ ضَخْمٍ,تَمَّ التَّزَاوُجُ فِي الْخَزَانَةِ(الْحَظِيرَةِ) بَيْنَ ذَكَرِ اَلْأَرْنَبِ وَأُنْثَاهُ وَقَامَا بِحَفْرِ جُحْرٍ كَبِيرٍ فِي الْخَزَانَةِ(الْحَظِيرَةِ) كَبَيْتٍ جَدِيدٍ لِلْأَرَانِبِ الصَّغِيرَةِ الْقَادِمَةِ وَنَتَفَا شَعْرَهُمَا لِيَفْرِشَا الْبَيْتَ الْجَدِيدَ لِأَوْلَادِهِمْ وَكَانَتْ حَصِيلَةُ الزَّوَاجِ خَمْسَ عَشْرَةَ أَرْنَباً صَغِيراً كَانَ مِنْ بَيْنِهَا أَرْنَبٌ بُنِّيٌّ عَلَى أَسْمَرَ جَمِيلٌ لَفَتَ نَظَرَ عَمْرْو كَانَ عَمْرْو يَحْمِلُهُ – بِحُبٍّ- وَيُطْعِمُهُ وَيَسْقِيهِ – بِنَفْسِهِ- حَتَّى كَبُرَ مَعَ إِخْوَانِهِ مِنَ الْأَرَانِبِ ذَاتَ يَوْمٍ أَحَسَّ اَلْأَرْنَبُ الْبُنِّيُّ.. الذَّكِيُّ (بِالْعِرْسَةِ) فِي طَرِيقِهَا لِتَفْتَرِسَ الْأَرَانِبَ الصَّغِيرَةَ, اِنْطَلَقَ الْأَرْنَبُ الْبُنِّيُّ.. الْجَمِيلُ إِلَى صَاحِبِهِ عَمْرْو وَأَخَذَ يَتَمَسَّحُ فِيهِ كَأَنَّهُ يَتَوَسَّلُ إِلَيْهِ فَذَهَبَ عَمْرْو مَعَهُ وَوَجَدَ (الْعِرْسَةَ) تُحَاوِلُ أَنْ تَدْخُلَ بَابَ الْخَزَانَةِ(الْحَظِيرَةِ) الْمُوَارَبَ أَخَذَ عَمْرْو (الشُّومَةَ) بِسُرْعَةٍ وَضَرَبَ (الْعِرْسَةَ) عَلَى رَأْسِهَا فَهَوَتْ مَيِّتَةً, بَعْدَهَا أَخَذَ عَمْرْو الْأَرْنَبُ الْبُنِّيَ وَعَمِلَ لَهُ احْتِفَالاً كَبِيراً مَعَ إِخْوَانِهِ الْأَرَانِبِ وَشَكَرَهُ أَمَامَ الْجَمِيعِ لِذَكَائِهِ أَمَامَ أَعْدَائِهْ.

{6}اَلْقِطَّةُ انْتِصَارْ قِصَّةٌ قَصِيرةْ
لاَ أَدْرِي مَاذَا أَفْعَلُ؟!!!أُحَدِّثُ مَنْ عَنْ هُمُومِي وَآلاَمِي وَأَحْزَانِي؟!!! وَالْعَالَمُ كُلُّهُ ضِدِّي حَتَّى الْأَهْلِ أُحِسُّ أَنَّهُمْ قَدْ تَغَيَّرُوا أَيَصِيرُ الدَّمُ مَاءً؟!!! اِنْحَدَرَتْ دَمْعَةٌ مِنْ عَيْنِ الْقِطَّةِ الصَّغِيرَةِ (جَمِيلَةَ) وَهِيَ تُحَدِّثُ نَفْسَهَا بِتِلْكَ الْكَلِمَاتِ لَمَحَتْهَا عَمَّتُهَا الذَّكِيَّةُ اَلْقِطَّةُ انْتِصَارْ فَأَقْبَلَتْ عَلَيْهَا وَأَخَذَتْهَا بَيْنَ أَحْضَانِهَا فِي حَنَانٍ وَإِشْفَاقٍ :”لاَ تَبْكِي يَا (جَمِيلَةَ) دَمْعَتُكِ غَالِيَةٌ يَا ابْنَــتِي الصَّغِيرَةَ تَهُونُ الدُّنْيَا وَلاَ أَرَاكِ تَبْكِينَ ” اِنْهَمَرَتِ الدُّمُوعُ مِنْ عَيْنَيِ الْقِطَّةِ الصَّغِيرَةِ (جَمِيلَةَ) فَقَالَتْ لَهَا عَمَّتُهَا اَلْقِطَّة ُ(انْتِصَارْ):” فَضْفِضِي يَا ابْنَــتِي وَلَكِنِ اصْبِرِي حَتَّى الْاِنْتِصَارُ فَحَتْمَاً بَعْدَ اللَّيْلِ سَيَطْلُعُ النَّهَارُ مَهْمَا طَالَ الْاِنْتِظَارُ” اِنْحَدَرَتِ الدُّمُوعُ عَلَى خَدَّيِ الْقِطَّةِ (جَمِيلَةَ) وَقَالَتْ:- وَقَدْ عَادَ إِلَيْهَا الْأَمَلُ – “أَعْرِفُ ذَلِكَ يَا عَمَّتَاهْ وَأُوقِنُ أَنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ وَلَكِنِّي لاَ أُحِبُّ الْكَلْبَةَ الشَّرِسَةَ (مُجْرِمَةَ) الَّتِي جَاءَتْ واسْتَوْطَنَتْ فِي بَيْتِنَا رَغْماً عَنَّا وَسَاعَدَهَا فِي ذَلِكَ كِلاَبُ الْعَالَمِ الضَّالَّةُ وَخَاصَّةً الْكَلْبَةَ الْكَبِيرَةَ (زَوَالَ) الَّتِي تُحَاوِلُ أَنْ تَلْعَبَ لُعْبَتَهَا وَتَتَحَكَّمَ فِي مَصِيرِنَا وَتَفْرِضَ سَيْطَرَتَهَا عَلَيْنَا وَعَلَى كُلِّ بُقْعَةٍ فِي الْعَالَمِ وَمِمَّا يَحِزُّ فِي نَفْسِي أَنَّ خَالَتِي الْقِطَّةَ (غَبِيَّةَ) تَمْشِي وَرَاءَ هَؤُلاَء الْكِلاَبِ وَتُسَاعِدُهُمْ فِي إِحْكَامِ السَّيْطَرَةِ عَلَيْنَا” هَزَّتِ اَلْقِطَّةُ (..انْتِصَارُ) ذَيْلَهَا وَابْتَسَمَتْ قَائِلَةً:”لاَ تَأْسَيْ عَلَى هَؤُلاَء الْكِلاَبِ يَا (جَمِيلَةُ) وَسَتَرْجِع خَالَتُكِ الْقِطَّةُ (غَبِيَّةُ) عَنْ غَيِّهَا وَتَثُوبُ إِلَى رُشْدِهَا وَتَكُفُّ عَنِ التَّعَاوُنِ مَعَ الْكِلاَبِ الْمَسْعُورَةِ الضَّالَّةِ أَمَّا مَصِيرُ هَؤُلاَءِ الْكِلاَبِ فَسَأُحَدِّثُكِ عَنْ قِصَّةِ أَجْدَادِ هَؤُلاَءِ الْكِلاَبِ: لَقَدْ كَانَتِ الْحُكُومَةُ فِي الْمَاضِي تَبْعَثُ رَجُلاً يَحْمِلُ الْبُنْدُقِيَّةَ وَالْعَصَا وَالسُّمُومَ لِيَقْضِيَ عَلَى الْكِلاَبِ الْمَسْعُورَةِ بِكُلِّ الْوَسَائِلِ الَّتِي يَسْتَطِيعُهَا فَأَوْشَكَ الْعَالَمُ أَنْ يَتَخَلَّصَ مِنْ تِلْكَ الْكِلاَبِ الضَّالَّةِ لَوْلاَ مَا نَادَى بِهِ الْبَعْضُ تَحْتَ شِعَارِ(الرَّحْمَةِ بِالْحَيَوَانِ) فَانْتَهَزَتْ تِلْكَ الْكِلاَبُ الْفُرْصَةَ وَأَحْكَمَتْ سَيْطَرَتَهَا عَلَى الْعَالَمِ وَلَكِنْ يَا صَغِيرَتِي سَنَعُودُ لِمُقَاوَمَةِ تِلْكَ الْكِلاَبِ وَنُحَرِّرُ كُلَّ أَجْزَاءِ وَحُجُرَاتِ بَيْتِنَا مِنْهَا وَسَنَتَعَاوَنُ نَحْنُ مَعْشَرَ الْقِطَطِ حَتَّى تَعُودَ لَنَا هَيْبَتُنَا وَنَتَمَتَّعَ بِحَيَاتِنَا وَشَمْسِنَا وَالْهُدُوءِ وَالاِسْتِقْرَارِ فِي بَيْتِنَا وَنُقِيمَ الْأَفْرَاحَ وَاللَّيَالِيَ الْمِلاَحَ” اِبْتَسَمَتِ الْقِطَّةُ الصَّغِيرَةُ (جَمِيلَةُ) وَقَالَتْ: وَسَتَكُونِينَ أَنْتِ أَمِيرَتُنَا يَا عَمَّتِي(..انْتِصَارُ) .

{7} اَلْغُرَابُ الْجَمِيلْ قِصَّةٌ قَصِيرةْ
أَجْلِسُ لِأَسْتَرِيحَ مِنَ الْمَشْي كَانَ التَّعَبُ قَدْ هَدَّنِي مِنَ السَّيْرِ لَمْ أَنْتَبِهْ إِلَى مَا حَوْلِي تَلَفَّتُّ عَلَى نَعِيقِ الْغُرَابِ مَالَكَ أَيُّهَا الْغُرَابُ !! أَجَابَنِي الْغُرَابُ بِالنَّحِيبِ وَبَعْدَ بُرْهَةٍ مَسَحَ دُمُوعَهُ وَتَنَهَّدَ ثُمَّ قَالَ:إِنَّنِي حَزِينٌ عَلَى كُلِّ الشُّهَدَاءِ الَّذِينَ قَضَوْا نَحْبَهُمْ لَيْسَ لَهُمْ ذَنْبٌ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ قُلْتُ:- بِحَنَانٍ بَالِغٍ- لَا تَحْزَنْ يَا صَدِيقِي الْغُرَابَ وَتَأَسَّ بِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا (23) لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ  (الْأَحْزَابِ 23-24) سَأَلَنِي الْغُرَابُ سُؤَالَ الصَّدِيقِ لِصَدِيقِهِ:مَنْ هُمُ الصَّادِقُونَ؟ وَمَا جَزَاؤُهُمْ؟ قُلْتُ: يَا صَدِيقِي الْغُرَابَ : الصَّادِقُونَ هُمُ الَّذِينَ قَاتَلُوا وَجَاهَدُوا وَصَبَرُوا لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَ كَلِمَةُ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى، وَجَزَاؤُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَظِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ قَالَ الْغُرَابُ: أَعْرِفُ أَنَّ جَزَاءَهُمُ الْجَنَّةُ فِي الْآخِرَةِ وَ أَنَّ أَرْوَاحَهُمْ تَكُونُ فِي حَوَاصِلِ طُيُورٍ خُضْرٍ فِي أَعْلَى الْجَنَّةِ يَتَزَوَّجُونَ الْحُورَ الْعِينَ وَيَسْتَمْتِعُونَ بِمَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ وَلَكِنِّي لَا أَعْرِفُ مَا جَزَاؤُهُمْ فِي الدُّنْيَا ؟!!! قُلْتُ:- جَزَاكَ اللَّهُ خَيْراً أَيُّهَا الْغُرَابُ وَاللَّهِ إِنَّنِي لَسَعِيدٌ بِكَ أَيَّمَا سَعَادَةٍ وَاللَّهِ إِنَّكَ لَمُثَقَّفٌ أَكْثَرَ مِنْ شَبَابِ هَذِهِ الْأَيَّامِ وَالَّذِي أَعْجَبَنِي فِيكَ أَنَّكَ تُحِبُّ التَّفَقُّهَ فِي الدِّينِ- جَزَاءُ الشُّهَدَاءِ فِي الدُّنْيَا – يَا صَدِيقِي- هُوَ الْخُلُودُ وَعُلُوُّ الْمَكَانَةِ وَالذِّكْرِ الطَّيِّبِ وَهُمْ فَوْقَ هَذَا أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ قَالَ الْغُرَابُ: “كَيْفَ يَا صَدِيقِي؟!!! لَقَدْ شَوَّقْتَنِي إِلَى الشُّهَدَاءِ” قُلْتُ: يَا صَدِيقِي الْعَزِيزَ اقْرَأْ قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ  وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ – فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ – يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ)( آل عمران 169-171) قَالَ الْغُرَابُ: وَاللَّهِ إِنَّنِي أُرِيدُ أَنْ أَطِيرَ وَأَلْحَقَ بِإِخْوَانِي الْمُجَاهِدِينَ فِي غَزَّةَ إِنَّنِي أَعْجَبُ وَأَفْخَرُ بِجُرْأَتِهِمْ وَشَجَاعَتِهِمْ فِي مُقَاوَمَةِ الْمُحْتَلِّينْ فَمِمَّنِ اسْتَمَدُّوا هَذِهِ الشَّجَاعَةَ؟!!! قُلْتُ: – يَا صَدِيقِي الْغُرَابَ- اِسْتَمَدُّوهَا مِنْ قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ  قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ. (التوبة 52) فَالْمُجَاهِدُ يَبْغِي إِمَّا النَّصْرَ وَإِمَّا الشَّهَادَةَ وَكِلَاهُمَا جَمِيلٌ لَهُ وَمِنْ هُنَا تَجِدُ رُوحَهُ الْمَعْنَوِيَّةَ عَالِيةً مُرْتَفِعَةً قال الْغُرَابُ: وَمَا سَبَبُ انْخِفَاضِ الرُّوحِ الْمَعْنَوِيَّةِ لِلْيَهُودِ قُلْتُ:” لِأَنَّهُمْ كَمَا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ:( وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ .(البقرة 96) فَهَؤُلَاءِ الْيَهُودُ الْأَخِسَّاءُ جَزَاؤُهُمْ الْخِزْيُ وَالْخُذْلَانُ وَالذُّلُّ وَالْعَارُ وَالْهَوَانُ فِي الدُّنْيَا مَهْمَا حَقَّقُوا مِنْ مَكَاسِبَ رَخِيصَةٍ” قال الْغُرَابُ: “لَا تَنْسَ- يَا أَخِي أَنْ تَدْعُوَ لِإِخْوَانِكَ الْمُجَاهِدِينَ فِي غَزَّةَ بِظَهْرِ الْغَيْبِ” قُلْتُ:” وَاللَّهِ إِنَّكَ لَغُرَابٌ جَمِيلٌ تَعْرِفُ كَثِيراً مِنْ أُمُورِ الدِّينِ وَأَتَمَنَّى أَنْ تَكُونَ قُلُوبُ أَبْنَاءِ الْأُمَّةِ الْعَرَبِيَّةِ وَالْإِسْلَامِيَّةِ رَقِيقَةَ الْمَشَاعِرِ كَقَلْبِكَ فَتَنْتَفِضَ مِنْ رَقْدَتِهَا، وَتَهُبَّ مِنْ سُبَاتِهَا وَتُجَاهِدَ فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ حَتَّى تَرْتَفِعَ رَايَةُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ فِي أَرْجَاءِ الْمَعْمُورَةِ ( وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ)الْحَجِّ40

{8} لِأَجْلِ الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى قِصَّةٌ قَصِيرةْ
تَبَعْثَرَتِ الْأَشْلَاءُ وَسُفِكَتِ الدِّمَاءُ أَنْهَاراً مِنَ الْحُزْنِ فِي قُلُوبِ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ فِي كُلِّ أَنْحَاءِ الْعَالَمْ.
صَرَخَ الطِّفْلُ فُؤَادُ الَّذِي اسْتُشْهِدَ أَبُوهُ فِي الدِّفَاعِ عَنِ الْأَقْصَى الْحَزِينِ زَمَنَ الِاِنْتِفَاضَةْ.
– عَمَّاهْ…أَلْمَحُ الْحُزْنَ فِي عَيْنَيْكَ فَهَلَّا فَضْفَضْتَ إِلَيَّ عَسَاكَ تُفْرِغُ شُحْنَةَ آلَامِكَ وَأَحْزَانِك .
– يَا ابْنَ أَخِي إِنَّنِي أَرَى مَا يُشْبِهُ الْكَارِثَةْ.
– وَكَيْفَ يَا عَمِّي؟!!!
– اَلْفِلِسْطِينِيُّونَ يُقَاتِلُ بَعْضُهُمْ بَعْضاً وَهَذَا يُحَقِّقُ لِلْأَعْدَاءِ فَوْقَ مَا يَتَمَنَّوْنَهُ ,إِنَّهُمْ يَكَادُونَ أَنْ يَرْقُصُوا وَتَنُطَّ قُلُوبُهُمْ مِنَ الْفَرَحِ لِأَنَّ هَذَا يُحَقِّقُ لَهُمْ أَهْدَافَهُمْ وَأَمَانِيَهُمْ فِي الْإِطَاحَةِ بِالْمُجَاهِدِينَ.
– وَكَيْفَ تَتَصَوَّرُ الْحَلَّ يَا عَمِّي؟!!!
اِسْتَمِعْ إِلَى تِلْكَ الْآيَاتِ يَا بُنَيَّ فَفِيهَا الْحَلُّ النَّافِعْ وَالدَّوَاءُ النَّاجِعْ قَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى:{وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (9 (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ(10)الحجرات}
– الْحَلُّ يَا عَمِّي يَكُونُ بِالْإِصْلَاحِ بَيْنَ جَمَاعَتَيْنِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ نَشَبَ بَيْنَهُمَا قِتَالْ.
– فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكَ يَا بُنَيَّ.
– وَلَكِنْ كَمَا فَهِمْتُ مِنَ الْآيَةِ يَا عَمِّي إِنْ بَغَتْ جَمَاعَةٌ عَلَى الْأُخْرَى وَتَجَاوَزَتْ حُدُودَ التَّعَقُّلِ يَجِبْ عَلَيْنَا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ قِتَالُ الْجَمَاعَةِ الْمُتَعَدِّيَةِ عَلَى الْأُخْرَى.
– مَعَكَ حَقٌ يَا وَلَدِي وَلَكِنَّ الْأَوْلَى الْإِصْلَاحُ لِوَجْهِ اللَّهِ حِرْصاً عَلَى مَصْلَحَةِ الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْ يَتَوَخَّى الْمُصْلِحُونَ الْمَصْلَحَةَ وَالْمُصَالَحَةْ.
– مَاذَا تَقْصِدُ يَا عَمِّي؟!!!
الْمَصْلَحَةُ: أَيْ مَصْلَحَةُ جَمَاعَةِ الْمُؤْمِنِينَ,وَالْمُصَالَحَةُ: أَنْ تَكُونَ لَدَى الْمُصْلِحِينَ النِّيَّةُ الْحَقِيقِيَّةُ وَالْإِرَادَةُ الْقَوِيَّةُ لِلْإِصْلَاحِ بَيْنَ الْمُتَقَاتِلِينَ لِذَلِكَ خُتِمَتِ الْآيَةُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى:{ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (10)الحجراتْ}.
– أَدْعُو اللَّهَ يَا عَمِّي أَنْ يَعُودَ الْحُبُّ وَالْوُدُّ وَالْإِخَاءُ بَلْ وَالْإِيثَارُ ذَلِكَ الْخُلُقُ النَّبِيلُ الَّذِي مَدَحَ اللَّهُ بِهِ الْأَنْصَارَ وَالَّذِي إِنْ عُدْنَا إِلَيْهِ سَيَنْصُرُنَا اللَّهُ حَتْماً عَلَى كُلِّ مَنْ عَادَانَا وَسَنَتَمَكَّنُ مِنَ اسْتِعَادَةِ الْأَقْصَى.
– بَارَكَ اللَّهُ فِيكَ يَا بُنَيَّ وَأُحِبُّ أَنْ أُنَبِّهَكَ أَنَّهُ فِي حَالِ عَوْدَتِنَا لِأَخْلَاقِ كِتَابِ اللَّهِ الْعَظِيمِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ الْكَرِيمِ سَنَتَمَكَّنُ مِنَ اسْتِعَادَةِ جَمِيعِ الْحُقُوقِ السَّلِيبَةِ لِلْمُسْلِمِينَ فِي كُلِّ أَنْحَاءِ الْعَالَمِ وَلَيْسَ فِي الْأَقْصَى فَقَطْ .
– وَسَنَتَمَكَّنُ يَا عَمِّي وَقْتَهَا مِنْ رَفْعِ رَايَةِ لَا إِلََهَ إِلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ فِي كُلِّ أَرْجَاءِ الْمَعْمُورَةِ لِتُسْعِدَ الْعَالَمَ وَيَسْعَدَ بِهَا الْعَالَمُ وَيَنْجُو مِنْ كُلِّ الْمَخَاطِرِ وَالْآفَاتِ وَالْفِتَنِ الَّتِي انْتَشَرَتْ فِي عَصْرِنَا الْحَدِيثِ .
– بَارَكَ اللَّهُ فِيكَ يَا ابْنَ أَخِي يَا ابْنَ الشَّهِيدِ شَهِيدِ الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الشَّرِيفِ أُولَى الْقِبْلَتَيْنِ وَثَالِثِ الْحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ وَجَعَلَكَ اللَّهُ عِوَضاً عَنْ أَبِيكَ الَّذِي ضَحَّى بِدِمَائِهِ وَنَفْسِهِ الزَّكِيَّةِ مِنْ أَجْلِ اسْتِعَادَةِ الْأَقْصَى.

{9} تَنَفُّسْ قِصَّةٌ قَصِيرةْ
أَجْلِسُ فِي حَدِيقَةِ الْمُسْتَشْفَى كُنْتُ أَنْوِي أَنْ أَقْرَأَ بَعْضَ الْقَصَصِ وَالْأَشْعَارِ, وَلَكِنِ اسْتَوْقَفَنِي مَنْظَرُ خُرْطُومِ الْمَاءِ وَهُوَ يَنْسَابُ فِي الْحَدِيقَةِ يُرَوِّي الْأَرْضَ اللَّهْفَى الْمُتَعَطِّشَةَ إِلَى الرِّيِّ, يَدْخُلُ الْمَاءُ بَيْنَ شُقُوقِ وَحُبَيْبَاتِ التُّرْبَةِ فَيُطْفِئُ نِيرَانَهَا وَيَسْقِي أَشْجَارَ النَّخِيلِ الْمُحَمَّلَةِ بِثَمَرَاتِ الْبَلَحِ الْأَخْضَرِ كَمْ هِيَ عَظِيمَةٌ مَنَاظِرُ سُبَاطَاتِ الْبَلَحِ وَكُلُّ سُبَاطَةٍ تَحْتَوِي عَلَى الْمِئَاتِ مِنْ ثِمَارِ الْبَلَحِ , سُبْحَانَكَ يَا اللَّهُ , يَا بَدِيعَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ , كَمْ أَنْتَ عَظِيمٌ , خَلَقْتَ الْوُرُودَ تُسْقَى بِالْمَاءِ فَتَزْدَادُ نَضَارَةً وَإِشْرَاقاً ,تِلْكَ الْوُرُودُ الَّتِي نُشَبِّهُ بِهَا كُلَّ شَيْءٍ جَمِيلٍ فِي حَيَاتِنَا.
أَحْيَاناً نُشَبِّهُ الْمَرْأَةَ الْجَمِيلَةَ أَوِ الْبِنْتَ الرَّقِيقَةَ بِالْوَرْدَةِ , وَاللَّهِ إِنَّ النَّاسَ لَغَافِلُونَ وَمُقَصِّرُونَ عَنْ شُكْرِ ذَلِكَ الْإِلَهِ الْمُبْدِعِ الْوَاحِدِ الْأَحَدِ الْفَرْدِ الصَّمَدِ الَّذِي لَا وَالِدَ لَهُ وَلَا وَلَدَ , وَلَئِنْ شَكَرُوهُ فَهُوَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُبَدِّلَ يَأْسَهُمْ أَمَلاً وَحُزْنَهُمْ فَرَحاً وَضِيقَهُمْ فَرَجاً وَغَمَّهُمْ بَهْجَةً وَسُرُوراً , ذَلِكَ الْإِلَهِ الَّذِي جَعَلَ مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ بِمَا فِي ذَلِكَ الْإِنْسَانُ وَالْحَيَوَانُ وَالنَّبَاتُ وَالطُّيُورُ وَالْأَسْمَاكْ .
لَمَحْتُ الْعَصَافِيرَ وَهِيَ تَتَأَمَّلُ الْحَدِيقَةَ مِثْلِي فَتَفَكَّرْتُ فِي خَلْقِهَا وَصِغَرِ حَجْمِهَا وَهِيَ مَعَ ذَلِكَ تَفْعَلُ أَشْيَاءً يَعْجَزُ الْإِنْسَانُ عَنْ فِعْلِهَا مَعَ مَا فِيهِ مِنْ غُرُورٍ وَتَكَبُّرٍ وَغَطْرَسَةٍ وَزَهْوٍ وَكِبْرٍ وَاخْتِيَالٍ , فَهِيَ تَسْتَطِيعُ الطَّيَرَانَ بِخِفَّةٍ وَرَشَاقَةٍ وَمَهَارَةٍ وَتُغَرِّدُ وَتُزَقْزِقُ وَتَفْرَحُ بِطُلُوعِ النَّهَارِ وَتُسَبِّحُ رَبَّهَا صَبَاحَ مَسَاءْ.
تَذَكَّرْتُ الْمَاءَ, تِلْكَ النِّعْمَةَ الَّتِي نَغْفَلُ عَنْ قِيمَتِهَا وَأَهَمِّيَّتِهَا فِي حَيَاتِنَا , تَذَكَّرْتُ أَيَّامَ كُنْتُ فِي أُوغَنْدَا الشَّقِيقَةِ, وَكُنْتُ أَشْتَرِي زُجَاجَةَ الْمَاءِ بِثَلَاثَةِ جُنَيْهَاتٍ , تَذَكَّرْتُ مَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ نِعَمٍ كَثِيرَةٍ لَا تُعَدُّ وَلَا تُحْصَى , يَسْتَغِلُّهَا بَعْضُ الطُّغَاةِ اسْتِغْلَا لاً خَاطِئاً , فَيَحْتَكِرُونَهَا لِأَنْفُسِهِمْ ,كَرَغِيفِ الْعَيْشِ وَََََََََأَطْنَانِ الْحَدِيدِ , فَتَذَكَّرْتُ قَوْلَهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْأعْرَافِ: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ( 96 ) أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ ( 97 ) أَوَ أَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ ( 98 ) أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ (99 ) }
سَأَلَتْنِي الطَّبِيبَةُ-بِرِقَّةٍ-:”مَا خَطْبُكَ؟!!!”قُلْتُ لَهَا :”إِنَّ ابْنِي مُحَمَّداً يُرِيدُ عَمَلَ تَنَفُّسٍ صِنَاعِيٍّ”قَالَتْ:”هَلْ تُوَاظِبُ لَهُ عَلَى الْعِلَاجِ؟!!!” قُلْتُ :”يَا دُكْتُورَةُ كَمْ أَخَذَ مُحَمَّدٌ مِنَ الْعِلَاجِ؟!!!إِنَّنِي أُوقِفُ الْعِلَاجَ كُلَّ الْعِلَاجِ عِنْدَمَا يَكُونُ مُحَمَّدٌ فِي حَالَةٍ صِحِيَّةٍ طَيِّبَةٍ , حَتَّى لَا يَقْضِيَ عُمْرَهُ كُلَّهُ فِي الْعِلَاجِ” سَأَلَتْنِي الطَّبِيبَةُ :”هَلْ يَشْرَبُ مُحَمَّدٌ الْمَاءَ الْمُثَلَّجَ ؟!!!” قُلْتُ: “نَعَمْ “قَالَتْ: “هَذَا خَطَأٌ, اَلْمَفْرُوضُ أَنَّهُ لَا يَشْرَبُ الْمَاءَ الْبَارِدَ وَلَا يَتَنَاوَلُ الْبَيْضَ وَالسَّمَكَ وَغَيْرَ ذَلِكَ” قُلْتُ لَهَا:” إِنَّ مُحَمَّداً فِي حَالَةٍ صِحِيَّةٍ جَيِّدَةٍ وَلَكِنَّهُ يُجْهِدُ نَفْسَهُ كَثِيراً فِي اللَّعِبِ وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمَا اشْتَكَى مِنْ شَيْءٍ” قَالَتْ :”نَعَمْ إِنَّ الْأَطْفَالَ يُجْهِدُونَ أَنْفُسَهُمْ كَثِيراً هَذِهِ الْأَيَّامَ .
بَعْدَ ذَلِكَ تَرَكَتِ الطَّبِيبَةُ مُحَمَّداً مَعَ التَّنَفُّسِ الصِّنَاعِيِّ حَتَّى جَاءَتِ الْمُمَرِّضَةُ وَأَغْلَقَتْ جِهَازَ التَّنَفُّسِ الصِّنَاعِيِّ, قُلْتُ لِلْمُمَرِّضَةِ :”دَعِي الدُّكْتُورَةَ تَكْشِفُ عَلَى مُحَمَّدٍ بِالسَّمَّاعَةِ لِتَرَى تَحَسُّنَهُ مِنْ عَدَمِهِ” أَخَذَتِ الْمُمَرِّضَةُ السَّمَّاعَةَ مَعَهَا إِلَى مَكَانِ الطَّبِيبَةِ وَقَالَتْ لِمُحَمَّدٍ :”تَعَالَ مَعِي” وَلَحِقْتُ بِهِمَا سَائِلاً الطَّبِيبَةَ عَنْ حَالَةِ مُحَمَّدٍ , قَالَتْ :”إِنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى جَلْسَةِ تَنَفُّسٍ صِنَاعِيٍّ أُخْرَى فِي التَّاسِعَةِ مَسَاءً.
قُلْتُ- فِي نَفْسِي- :”لَعَلَّنَا جَمِيعاً نَحْتَاجُ إِلَى جَلَسَاتِ تَنَفُّسٍ صِنَاعِيٍّ مِثْلَ مُحَمَّدٍ , لِمَا نَرَاهُ مِنْ وَاقِعِنَا الْأَلِيمِ , لَعَلَّنَا نَسْتَرِدُّ أَنْفَاسَنَا.

{10} جُمْعَةُ السَّبَّاكْ قِصَّةٌ قَصِيرةْ
كَانَ جُمْعَةُ السَّبَّاكُ يَعْمَلُ هَكَذَا بِالْبَرَكَةِ ,لاَ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَقُولَ إِنَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَدِرَايَةٍ كَمَا لاَ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَقُولَ عَلَيْهِ إِنَّهُ جَاهِلٌ , ذَهَبْتُ إِلَيْهِ وَنَادَيْتُ عَلَيْهِ يَا عَمِّي جُمْعَةُ ,فَأَخْبَرَنِي بَعْضُ النَّاسِ الَّذِينَ تَصَادَفَ وُجُودُهُمْ بِالشَّارِعِ ,نَادِ عَلَيْهِ وَقُلْ:يَا أَبَا حَنَانَ ,سَيَرُدُّ عَلَيْكَ, نَادَيْتُ -بِصَوْتٍ عَالٍ-:يَا أَبَا حَنَانَ 00 يَا أَبَا حَنَانَ , فَخَرَجَتْ زَوْجَتُهُ تُطِلُّ مِنْ شُرْفَتِهَا بِالدَّوْرِ الثَّانِي ,فَأَخْبَرْتُهَا بِأَنِّي أَعِيشُ فِي الدَّوْرِ الْأَوَّلِ وَأَنَّ سَقْفَ دَوْرَةِ الْمِيَاهِ تَتَسَاقَطُ مِنْهُ الْمِيَاهُ عَلَيَّ مِنْ دَاخِلِهَا ,وَلاَ أَدْرِي ,أَهُوَ مِنْ حَرْفِ(s) أَمْ مِنْ عَيْبٍ فِي السَّقْفِ وَأَنِّي أَرِيدُ زَوْجَهَا جُمْعَةُ00السَّبَّاكُ لِيُصْلِحَ هَذَا الْعَيْبَ ,فَوَضَعَتْ يَدَهَا فِي جَيْبِهَا وَأَخْرَجَتْ لِي كَرْتاً بِهِ هَوَاتِفُ زَوْجِهَا وَإِعْلاَنٌ عَنْهُ أَنَّهُ سَبَّاكٌ مَاهِرٌ ,قَابَلْتُهُ ,فَقَالَ لِي :لاَبُدَّ أَنْ نَهْدِمَ دَوْرَةِ الْمِيَاهِ فِي الدَّوْرِ الثَّانِي وَنَسْتَبْدِل َ الْقَاعِدَةَ الْقَدِيمَةَ بِأُخْرَى جَدِيدَةٍ ,وَبَعْدَ ذَلِكَ لَنْ تَجِدَ قَطْرَةَ مِيَاهٍ وَاحِدَةً تَنْزِلُ مِنَ السَّقْفِ وَفِعْلاً اشْتَرَيْتُ لَهُ كُلَّ الطَّلَبَاتِ بِثَلاَثِمِائَةِ جُنَيْهٍ وَقَامَ بِعَمَلِ كُلِّ الْمَطْلُوبِ عَلَى وَعْدٍ بِعَدَمِ نُزُولِ الْمِيَاهِ بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ السَّقْفِ وَأَخَذَ أُجْرَةَ يَدِهِ كَامِلَةً ,وَبَعْدَ أُسْبُوعٍ بِالتَّمَامِ وَالْكَمَالِ (عَادَتْ رِيمَةُ لِعَادَتِهَا الْقَدِيمَةِ) وَعَادَتِ الْمِيَاهُ تَنْزِلُ مِنَ سَقْفَ دَوْرَةِ الْمِيَاهِ عَلَى رَأْسِي فَصَرَخْتُ وَقُلْتُ -فِي نَفْسِي-:يَا لَكَ مِنْ رَجُلٍ غَشَّاشٍ ,فَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَى اللهِ فِيكَ, حَسْبِيَ اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ00 مِنْ يَوْمِهَا وَأَنَا لَمْ أَدْعُهُ لِعَمَلِ أَيِّ شَيْءٍ وَهَذَا جَزَاءُ الْغَشَّاشِ.

{11} كَادِرُ الْمُعَلِّمْ قِصَّةٌ قَصِيرةْ
اِرْتَجَّتْ (سُعَادُ) وَ(هِنْدُ) وَانْتَابَتْهُمَا رَعْشَةٌ ,أَحَسَّتَا أَنَّ الْأَرْضَ تَدُورُ مِنْ حَوْلِهِمَا ,وَأَنَّ الزَّمَنَ يَدُورُ مِنَ الْخَلْفِ إِلَى الْأَمَامِ ,وَأَنَّ السَّاعَةَ اقْتَرَبَتْ -أَحَقًّا سَيُعْقَدُ امْتِحَانٌ لِلْمُعَلِّمِينَ وَنَمْتَحِنُ يَا (سُعَادُ)؟!-نَعَمْ يَا (هِنْدُ)-وَلَكِنْ مَاذَا سَنَمْتَحِنُ ؟! -طُرُقُ التَّدْرِيسِ كَمُعَلِّمَةِ فَصْلٍ, لُغَةٌ عَربِيَّةٌ ,كَفَاءَةٌ تَرْبَوِيَّةٌ كَلَّفَتْ (نُورَا) زَوْجَهَا أَنْ يَأْتِيَ لَهَا بِالْأَسْئِلَةِ مِنْ عَلَى النِّتِّ وَيَطْبَعَهَا عِنْدَ أَحَدِ مَكَاتِبِ الْكُمْبِيُوتَرْ بِعِشْرِينَ جُنَيْهاً ,قَالَتْ لَهُ:أَنَّ زَمِيلَتَهَا (هُدَى) طَبَعَتْهَا ,أَجَابَهَا الزَّوْجُ بِأَنَّهُ مِنَ الْأَوْفَرِ أَنْ نُصَوِّرَهَا مِنْ (هُدَى), قَالَتْ لَهُ (نُورَا):اِذْهَبْ إِلَى زَوْجَهَا (عَبْدِ الْمُنْعِمِ) وَعُدْ بِأَسْئِلَةِ الْكَادِرِ ,اِنْطَلَقَ(حَسَنُ) زَوْجُ (نُورَا) إِلَى (عَبْدِ الْمُنْعِمِ), قَائِلاً: ” اَلسَّلاَمُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ” رَدَّ(عَبْدُ الْمُنْعِمِ)” وَ عَلَيْكُمْ اَلسَّلاَمُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ” كَيْفَ الْحَالُ؟ الْحَمْدُ لِلَّهِ, كَيْفَ الْأَوْلاَدُ؟ ,طَيِّبُون, نُرِيدُ أَسْئِلَةَ الْكَادِرِ مِنْ (الْأَبْلَةِ هُدَى), نَادَى (عَبْدُ الْمُنْعِمِ) عَلَى ابْنِهِ قَائِلاً لَهُ:اِذْهَبْ إِلَى أُمِّكَ فِي الطَّابَقِ الثَّانِي وَأَحْضِرِ الْمُذَكِّرَاتِ وَصَوِّرْهَا ,وَبَعْدَ ذَلِكَ جَاءَ ابْنُ(عَبْدِ الْمُنْعِمِ) رَاكِباً عَجَلَتَهُ(دَرَّاجَتَهُ) يَسْأَلُ عَنْ مُذَكِّرَاتِ أَسْئِلَةَ الْكَادِرِ ,عَادَ بِهَا إِلَى أُمِّهِ, طَلَبَتْ (نُورَا) مِنْ زَوْجَهَا (حَسَنُ) إِحْضَارَ اسْطِوَانَةِ الْكَادِرِ مِنْ زَمِيلِهَا الْأُسْتَاذِ رِضَا ,رَحَّبَ بِهِ وَأَعْطَاهُ الاِسْطِوَانَةَ قَائِلاً: تَسْتَطِيعُ أَنْ تَنْسَخَهَا فِي الْبَيْتِ, أَجَابَهُ (حَسَنُ):لاَ أَعْرِفُ شَيْئاً فِي الْكُمْبِيُوتَرْ ,هَلْ مِنَ الْمُمْكِنِ أَنْ تَأْتِيَ مَعِي إِلَى بَيْتِي وَ تَنْسَخَهَا لِي ,بِالطَّبْعِ مُمْكِنٌ , نَسَخَهَا الْأُسْتَاذِ رِضَا وَانْصَرَفَ مِنْ بَيْتِ الْأُسْتَاذِ(حَسَنُ), بَعْدَهَا جَلَسَتْ (نُورَا) تُذَاكِرُ, وَجَاءَ يَوْمُ الِامْتِحَانِ ,تَجَمَّعَ الْمُعَلِّمُونَ فِي قَاعَةِ الِامْتِحَانِ, وَكَانَ الْمُلاَحِظُ طَالِباً فِي الْكُلِّيَّةِ, اِنْدَفَعَ غَاضِباً أَحَدُ الْمُعَلِّمِينَ الْكُبَرَاءِ فِي السِّنِّ :أَيَمْتَحِنُنَا طَالِبٌ؟! هَذِهِ مَهْزَلَةٌ! لاَبُدَّ أَنْ نَنْسَحَبَ مِنَ الِامْتِحَانِ ,تَبِعَهُ بَعْضُ الْمُعَلِّمِينَ وَخَالَفَهُ آخَرُونَ, لَكِنَّ غَضَبَهُ وَثَوْرَتَهُ أَلْقَى الرُّعْبَ فِي قُلُوبِ الْمُلاَحِظِينَ ,فَأَخَذَ الْمُدَرِّسُونَ يَغُشُّونَ مِنْ بَعْضِهِمُ الْبَعْضِ ,وَبَعْدَ انْتِهَاءِ الِامْتِحَانِ سَأَلَتْ (سَكِينَةُ) زَمِيلَتَهَا (هُدَى) عَنْ الِامْتِحَانِ ,فَقَالَتْ(هُدَى): امْتِحَانٌ(زِفْتٌ),سَوْفَ نَرْسُبُ جَمِيعاً ,أَنْصَحُكِ بِعَدَمِ الذِّهَابِ ,حَتَّى تُحَافِظِي عَلَى كَرَامَتِكِ ,تَخَلَّفَتْ (سَكِينَةُ) عَنْ الِامْتِحَانِ ,وَيَوْمَ النَّتِيجَةِ نَجَحَتْ (نُورَا) كَمَا نَجَحَتْ (هُدَى) ,وَحَزِنَتْ (سَكِينَةُ) لِتَخَلُّفِهَا ,فَتَشَاجَرَتْ مَعَ (هُدَى) وَلَكِنَّ (هُدَى) لَمْ تَرُدَّ عَلَيْهَا ,شَرِبَتْ (سَكِينَةُ) الْمَقْلَبَ السَّاخِنَ ,وَعُدَّتْ مَعَ الْمُتَخَلِّفِينَ ,فَرِحَ أَحَدُ الْمُدَرِّسِينَ عِنْدَمَا كَانَ فِي أَحَدِ مَكَاتِبِ الْكُمْبِيُوتَر قَائِلاً: لَقَدْ فَرِحْتُ بِالنَّجَاحِ لِأَنَّ مُدَرِّسِي أَوْلاَدِي دَائِماً مَا كَانُوا يَسْأَلُونَهُمْ: مَاذَا فَعَلَ أَبُوكُمْ فِي الِامْتِحَانِ ,وَالْحَمْدُ لِلَّهِ ,لَقَدْ نَجَحْتُ ,وَرَبُّنَا سَتَرَهَا مَعِي وَمَعَهُمْ , وَرَبُّنَا يَسْتُرُهَا مَعَنَا وَمَعَ الْمُسْلِمِينَ.

{12} وَحِيدْ قِصَّةٌ قَصِيرةْ
وَحِيداً أَجْلِسُ فِي شَقَّتِي الْمُكَوَّنَةِ مِنْ ثَلَاثِ حُجُرَاتٍ وَالَّتِي بَنَاهَا أَبِي-رَحِمَهُ اللَّهُ-وَبَيَّضَهَا وَدَهَنَهَا بِالزَّيْتِ وَشَطَّبَهَا وَدَهَنَهَا(لُوكْسْ)كَمَا يَقُولُونَ.
كَانَ أَبِي رَجُلاً مُكَافِحاً عَظِيمَ الشَّأْنِ أَمِيناً يُحِبُّهُ كُلُّ أَهْلِ بَلْدَتِي(مَحَلَّةُ زَيَّادْ) وَكَمْ حَدَّثَنِي أَهْلُ الْبَلْدَةِ-كَمَا حَدَّثَوا إِخْوَتِي عَنْ قَصَصٍ تَفُوقُ قَصَصِ أَلْفِ لَيْلَةٍ وَ لَيْلَةْ- عَنْ كَرَمِ أَبِي وَنَجْدَةِ أَبِي وَمُرُوءَةِ أَبِي وَشَهَامَةِ أَبِي وَعَظَمَةِ شَخْصِيَّةِ أَبِي وَأَنَا أُوقِنُ بِصِدْقٍ هَذِهِ الْقَصَصَ لِأَنَّنِي عَاصَرْتُ أَبِي مُنْذُ كُنْتُ طِفْلاً صَغِيراً إِلَى أَنْ أَنْهَيْتُ دِرَاسَتِي الْجَامِعِيَّةَ وَالْتَحَقْتُ بِالْجَيْشِ.
وَفِي إِحْدَى الْإِجَازَاتِ وَجَدْتُ أَبِي قَدِ اشْتَدَّ مَرَضُهُ فَجَلَسْتُ جِوَارَهُ وَالْأَطِبَّاءُ يَغْدُونَ وَيَرُوحُونَ وَالزَّائِرُونَ يُطِلُّونَ وَالنِّسْوَةُ يُضْمِرْنَ الْحُزْنَ وَبَعْضُ أَصْدِقَائِهِ مِنْ أَبْنَاءِ الْعَائِلَةِ يَتَوَشْوَشُونَ وَأَنَا-وَحْدِي-لَمْ أَكُنْ مِمَّنْ يَتَخَيَّلُونَ أَنَّ أَبِي فِي طَرِيقِهِ الْمُوَصِّلِ إِلَى رَبِّهِ.
ظَلَلْتُ جِوَارَهُ يَوْمَيْنِ وَفِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ وَفِي وَقْتِ الظَّهِيرَةِ بِالتَّحْدِيدِ فَاضَتْ رُوحُهُ إِلَى بَارِئِهَا وَأَنَا أُقَبِّلُهُ وَظَلَلْتُ جِوَارَهُ أَقْرَأُ كِتَابَ اللَّهِ عَلَى رُوحِهِ الطَّاهِرَةِ حَتَّى رَأَيْتُ النِّسْوَةَ يَهْجِمْنَ عَلَيْنَا يَنُحْنَ وَيَصْرُخْنَ وَيُوَلْوِلْنَ وَكُنَّا فِي الدَّوْرِ الثَّانِي مِنَ الْبَيْتِ فَتَرَكْتُهُنَّ مَعَ أَبِي إِلَى الدَّوْرِ الثَّالِثِ وَأَلَّفْتُ قَصِيدَتِي فِي رِثَائِهِ وَالَّتِي قُلْتُ فِيها:
“أَبَتَاهْ
إِلَيْكَ يَا أَبِي إِلَى رُوحِكَ الطَّاهِرَةِ أُهْدِي هَذِهِ الْقَصِيدَةْ
ذَهَبَ الْوَفَا وَتَقَطَّعَتْ أَحْشَائِيَا=وَالنَّارُ تَحْرِقُ فِي صَمِيمِ فُؤَادِيَــا
النُّورُ أُطْفِئَ؟!إِنَّـهُ لَمْ يَـنْطَفِئْ=سَيَعِيشُ بَيْنَ الْكُلِّ يَا إِخْوَانِيَـا
أَعْمَالُهُ بَقِـيَتْ لَنـَا شَمْسَ الدُّنَا=يَا رَبِّ فَارْحَمْهُ وَخَفِّفْ مَا بِيَا
يَا رَبِّ أَنْتَ (الْحَيُّ) تَـبْـقَى ذُخْرَنَا=وَالْكُلُّ حَتْـماً سَوْفَ يُصْبِحُ فَانِيَا
***
أبَتَاهُ جَاوَرْتَ الْإِلَهَ مُنَعَّماً=فَــاهْـنَـأْ بِحُسْنِ جِوَارِ رَبِّكَ رَاعِـيَا
لَبَّيْتَ دَعْوَةَ رَبِّنَا مُتَشَوِّقـاً=لَبَّيْكَ رَبِّي لَيْسَ غَيْرُكَ دَاعِيَا
***
أبَتَاهُ هَلْ تُمْسِي مَعَ (الْمَوْلَى) لَقَدْ=غَفَرَ الْإِلَـهُ لَـكَ الذُّنـُوبَ مُعَافِيَا؟!!!
أَنْتَ الْعَــطُـوفُ عَـلَـيَّ يَا أبَتَاهُ, هَلْ=ذَهَبَ الْحَنَانُ وَأُطْفِئَتْ أَنْوَارِيَا؟!!!
فَـلَكَمْ حَـرِصْتَ عَـلَـيَّ يَا أبَتَاهُ فِي=صِـغَرِي وَفِي كِبَرِي وَكُلِّ حَيَاتِيَا
رَبَّيْتَنِي عَلَّمْـتَـنِي نَبَّهْتَنَي=لَقَّنْتَنِي فِي رَحْمَةٍ قُرْآنِيَا
هَذَا كِتَابُ اللَّهِ يَشْهَدُ يَا أبِي=كَيْ يَغْفِرَ (الْمَوْلَى) ذُّنـُوبَكَ حَانِيَا
مَـا كُنْتُ أَحْسَبُ أَنَّ يَوْماً يَا أبِي=سَــتَصِيرُ فِي الْأَجْدَاثِ تُصْبِحُ ثَـاوِيَـا
لَكِنْ قَـضَاءُ اللَّهِ حَـلَّ فَلَيْتَنِي=قُدِّمْـتُ مِنْ فَوْرِي وَحَانَ فَنَائِيَا
أَفْدِيكَ يَا أبَتَـاهُ أَفْدِي شَمْسَنَـا=تَـأْتِي وَيَأْتِي بِالْأَمَانِ نَهَارِيَا
لَكِنَّ رَبِّي قُدِّسَتْ أَسْمَاؤُهُ=اِخْتَــارَ شَمْسِي هَــلْ أَرُدُّ قَضَائِيَا؟!!!
رُحْمَاكَ رَبِّي لاَ اعْتِرَاضَ عَـلَى الْقَضَا=لَكِنْ دُمُوعُ الْــقَـلْبِ أَذْكَتْ نَارِيَا
***
أَبَتَاهُ رَبِّي سَوْفَ يُسْعِدُ رُوحَكُمْ=وَ لَسَوْفَ تَسْعَدُ فِي الْجِنَانِ مُبَاهِيَا
فَــلَـكَمْ حَنَوْتَ عَلَى الْيَتِيمِ بِجَاهِكُمْ=هَذَا لَـعَمْـرُ اللَّهِ فَـضْلُ إِلَهِيَا
يَا رَبِّ أَسْعِدْهُ وَأَفْسِحْ قَبْرَهُ=وَاغْفِرْ لَهُ فَلـسَوْفَ يُصْبِحُ رَاضِيَا
***
أبَتَاهُ سَوْفَ أَعِيشُ أَذْكُرُ فَضْلَكُمْ=أَدْعُو لَكُمْ بِصَبَاحِيَا وَمَسَائِـيَا
لِمَ لاَ و أَنْتَ الْوَالِدُ الشَّهْمُ الَّذِي=ضَحَّى كَثِيراً كَيْ يَدُومَ هَنَائِيَا؟!!!
لِمَ لاَ وَقَدْ أَوْصَيْتَنِي يَا بَدْرَنَا=بِالصَّـبْرِ وَالتَّقْــوَى ,طَرِيقِ صَلاَحِيَا؟!!!
عَلَّمْتَنِي فَضْلَ الصَّلاَةِ عَلَى الْوَرَى=حَبَّبْتَنِي فِي(الْمُصْطَفَى) هُوَ زَادِيَـا
فَـهَّـمْـتَنِـي كُلَّ الْعُـلُـومِ وَإِنَّنِي=مَا زِلْتُ أَذْكُرُكُمْ بِـفَـيْضِ دُعَائِيَا
***
أبَتَاهُ هَلْ قَدْ بِتُّ فِي حُلْمٍ تُرَى؟!!!=أَمْ أَنَّ هَذَا الْبَيْنَ يَأْتِي عَاتِيَا؟!!!
أبَتَاهُ,أَيْنَ السَّعْدُ أَلْمَحُـهُ إِذَا=قَـابَلْتُ شَخْصَكَ أَدْبَرَتْ أَحْزَانِيَا؟!!!
أَغْدُو كَئِيباً يَا أبِي لَكِـنَّنِـي=أَلْقَاكُمُ فَيَفِيضُ سِحْرُ صَفَائِيَا
يَا رَبِّ إِنِّـي قَــدْ رَضِيتُ بِذَا الْقَضَــا=فَاجْـعَـلْـهُ يَـنْعَمُ فِي الْجِـنَانِ مُنَـاجِيَـا
لَـكَ يَـا إِلَهَ الْـكَوْنِ,أَنْـتَ حَـبِيبُنَا=يَا رَبِّ أَنْتَ تُجِيبُ كُلَّ نِدَائِـيَـا
يَا رَبَّنـَا رُحْمَاكَ بِالْعَبْدِ الَّذِي=لِـلْـحَـقِّ يَغْــضَبُ لاَ يُبَالِـي بَاغِيَا
يَا رَبَّــنـَا هَذِي أَمَانَتُكَ الَّتِي=رَجَعَـتْ إِلَيْـكَ, وَأَنْتَ هَلْ تَبْقَى لِيَا
أَرْجُــوكَ ..رَبِّي أَنْ تَكُونَ بِجَـانِـبِي=أَنْتَ الْمُعِينُ وَأَنْتَ نُورُ سَمَائِيَا
سُبْحَـانَـكَ اللَّـهُـمَّ أَنْتَ مَـلِيكُـنَا=وَنَصِيرُنَا يَا رَبِّ حَقِّقْ ذَاتِيَا
بَعْدَ ذَلِكَ حَانَ وَقْتُ الْغُسْلِ فَأَرَادَ بَعْضُ الْأَقَارِبِ وَالْجِيرَانِ مَنْعِي مِنَ الدُّخُولِ وَلَكِنَّ الشَّيْخَ/ محمد عبيد (اَلْمُغَسِّلْ) سَمَحَ لِي شَرِيطَةَ أَنْ أَلْتَزِمَ الْهُدُوءَ وَقَالَ لِي:”أَنْتَ رَجُلٌ أَزْهَرِيٌ وَتَعْرِفُ أَنَّكَ أَوْلَى النَّاسِ بِالصَّلَاةِ عَلَى أَبِيكَ ” قُلْتُ: “نَعَمْ” وَتَوَضَّأْتُ بِالْبَيْتِ وَعِنْدَمَا ذَهَبْنَا إِلَى الْمَسْجِدِ انْطَلَقْتُ مُسْرِعاً فَإِذَا الْأُسْتَاذْ/ عبد الصبور معروف يَهُمُّ بِإِمَامَةِ النَّاسِ لِلصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَعِنْدَمَا لَمَحَنِي سَأَلَنِي:”تُصَلِّي عَلَيْهِ؟!!!”قُلْتُ:”نَعَمْ”.
صَلَّيْتُ عَلَى أَبِي وَكَأَنَّ الدُّنْيَا قَدِ انْخَلَعَتْ مِنِّي وَوَلَّتْ عَنِّي.
لَقَدْ كَانَ أَبِي كُلَّ شَيْءٍ فِي حَيَاتِي.
كَانَ الْحَيَاةَ ذَاتَهَا كَانَ الْأَمْنَ كَانَ الْأَمَانَ كَانَ الطُّمَأْنِينَةَ
لَيْسَ لَنَا وَحْدَنَا بَلْ لِكُلِّ أَبْنَاءِ الْبَلْدَةْ.
فَقَدْ كَانَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ بَيْنَ الْمُتَعَارِكِينَ وَالْمُتَخَاصِمِينَ وَالْمُتَشَاحِنِينْ.
كَانَ وَمَا زَالَ وَسَيَظَلُّ فَخْراً لِي وَلِكُلِّ أَبْنَاءِ بَلْدَتِي وَحَسْبُنَا مَا تَرَكَهُ لَنَا مِنْ أَعْمَالٍ صَالِحَةٍ تُقَابِلُنَا فِي كُلِّ خُطُوَاتِنَا وَأَنَّنَا جَمِيعاً نَشْعُرُ أَنَّهُ مَا زَالَ يَعِيشٌ بَيْنَنَا رَغْمَ مُرُورِ سَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ عَلَى رَحِيلِهِ إِلَى رَبِّهْ.
يَرْحَمُكَ اللَّهُ يَا أَبِي مَا هَبَّتِ النَّسَائِمْ وَمَا لَاحَتْ عَلَى الْأَيْكِ الْحَمَائِمْ يَرْحَمُكَ اللَّهُ كُلَّمَا سَبَّحَ عُصْفُورٌ بِحَمْدِ اللَّهْ يَرْحَمُكَ اللَّهُ مَا صَلَّى الْمُصَلُّونْ وَاسْتَغْفَرَ الْمُسْتَغْفِرُونْ وَابْتَهَلَ الْمُبْتَهِلُونْ وَدَعَا الدَّاعُونْ.
” إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ “البقرة(156)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
بقجة Icon
بقجة
أحصل على تطبيق بقجة الجديد
تحميل
×

تمّ اكتشاف مانع للإعلانات

فضلاً قم بإلغاء مانع الإعلانات حتى تتمكن من تصفّح موقع بقجة