بَيْتُ التَّقْوَى مجموعة قصص قَصِيرَةْ
بقلمي أ د الشاعر محسن عبد المعطي محمد عبد ربه
تاريخ النشر: 09/04/26 | 15:24
{1} أَحْمَدُ اللَّهْ قِصَّةٌ قَصِيرةْ
كَيْفَ أَمْضِي فِي الْحَيَاةْ ؟!!! = وَأَنَا طِفْلٌ صَغِيرْ
أَبْتَغِي دَرْبَ النَّجَاةْ = مِنْ عُلاَ اللَّهِ الْقَدِيرْ
بِهَذِهِ الْكَلِمَاتِ الْجَمِيلَةِ أَضَاءَ الْوَلَدُ (أَحْمَدُ) يَوْمَهُ وَاعْتَمَدَ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ سُبْحَانَهُ لاَ يَخْذُلُ أَبَداً عَبْدَهُ الْمُؤْمِنَ بَلْ يُنَجِّيهِ مِنْ كُلِّ سُوءٍ وَيُوَصِّلُهُ إِلَى أَعْلَى الدَّرَجَاتِ
اتَّجَهَ (أَحْمَدُ) إِلَى كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَأَخَذَ يَنْهَلُ مِنْ مَعِينِهِ الَّذِي لاَ يَنْضُبُ, حَتَّى بَلَغَ قَوْلَهُ سُبْحَانَهُ: (وَ لاَ تَهِنُوا وَ لاَ تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ, إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ, وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ ,وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ, وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ) الْآيَاتُ 139- 142مِنْ سُورَةِ آلِ عِمرَانَ, فَاغْرَوْرَقَتْ عَيْنَاهُ بِالدُّمُوعِ وَتَذَكَّرَ جِهَادَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى الَّلهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمْ فِي سَبِيلِ نَشْرِ الدَّعْوَةِ الإِسْلاَمِيَّةِ هُوَ وَصِحَابِهِ الْكِرَامِ – رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ – وَكَيْفَ ابْتَلاَهُمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي غَزْوَةِ أُحُدَ وَاخْتَبَرَ قُوَّةَ إِيمَانِهِمْ وَصَلاَبَةَ أَعْوَادِهِمْ وَصِدْقَ جِهَادِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَصَبْرَهُمْ عَلَى الشَّدَائِدِ وَالْبَلاَيَا وَقْتَ الْمِحَنِ , تَذَكَّرَ (أَحْمَدُ) ذَلِكَ كُلَّهُ وَرَبَطَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مِحْنَتِهِ فِي وَفَاةِ وَالِدِهِ ذَلِكَ الْوَالِدُ الَّذِي كَانَ كُلَّ دُنْيَاهُ يَمْلَؤُهَا بَهْجَةً وَسَعَادَةً وَحُبًّا وَحَنَاناً وَإِيمَاناً صَادِقاً وَتَرْبِيَةً وَتَنْشِئَةً عَلَى حُبِّ كِتَابِ اللَّهِ وَحِفْظِهِ وَالتَّتَلْمُذِ الْأَكْثَرِ مِنْ رَائِعٍ عَلَى سُنَّةِ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى الَّلهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمْ , تَذَكَّرَ (أَحْمَدُ) ذَلِكَ وَتَذَكَّرَ وَصَيَّةَ وَالِدِهِ وَقَوْلَهُ :”يَا بُنَيَّ ,اِلْزَمْ كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةَ نَبِيِّهِ الْكَرِيمِ وَاجْعَلْهُمَا خَيْرَ رَفِيقٍ لَكَ عَلَى الطَّرِيقِ” تَذَكَّرَ (أَحْمَدُ) ذَلِكَ فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ بِالدُّمُوعِ وَقَالَ: “يَرْحَمُكَ اللَّهِ يَا وَالِدِي ,لَقَدْ كُنْتَ خَيْرَ قُدْوَةٍ لِي فِي الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ وَحُبِّ اللَّهِ وَرَسُولِهِ بَلْ وَفِي الصِّدْقِ وَالأَمَانَةِ الَّتِي عَرَفَهَا عَنْكَ أَهْلُ قَرْيَتِنَا الطَّيِّبَةِ” وَتَحَمَّسَ (أَحْمَدُ) قَائِلاً: سَوْفَ أَمْضِي عَلَى الطَّرِيقِ وَأَكُونُ نِعْمَ الْوَلَدُ الصَّالِحُ لِلْأَبِ الصَّالِحِ كَانَ (أَحْمَدُ) قَدْ أَتَمَّ حِفْظَ كِتَابِ اللَّهِ عَنْ ظَهْرِ قَلْبٍ ,وَكَانَ يُوَاظِبُ عَلَى الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ بِإِكْمَالِ طَهُورِهَا وَمَوَاقِيتِهَا ,وَبَعْدَ صَلاَةِ الْعِشَاءِ ,مَا أَجْمَلَهَا جِلْسَةَ (أَحْمَدَ) اللَّهَ اللَّهَ فِي هَذِهِ الْجِلْسَةِ!!! لَقَدْ كَانَ الصِّبْيَانُ يُحِبُّونَ (أَحْمَدَ) حُبًّا مَلَأَ قُلُوبَهُمْ وَيَلْتَفُّونَ حَوْلَهُ فِي حَلَقَةٍ رَائِعَةٍ وَيَتْلُو كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ رُبْعاً مِنْ كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ,وَكَانَ (أَحْمَدُ) كَالْأُسْتَاذِ بِالنِّسْبَةِ لِهَؤُلاَءِ الصِّبْيَانِ يُصَحِّحُ لَهُمْ مَا يُخْطِئُونَ فِيهِ وَيُلْقِي عَلَيْهِمْ دُرُوسَ التَّجْويدِ ,وَيُطَبِّقُهَا لَهُمْ عَمَلِيًّا فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَذَاعَ صِيتُ (أَحْمَدَ) بَيْنَ أَهْلُ قَرْيَتِهِ الطَّـيِّـبِـينَ ,وَأَحَبُّوا عِلْمَهُ وَأَدَبَهُ وَتَفَقُّهَهُ فِي الدِّينِ ,سَلَّمَ عَلَيْهِ إِمَامُ المَسْجِدِ بَعْدَ انْتِهَاءِ الْجِلْسَةِ وَقَالَ لَهُ: ” أَبْشِرْ يَا(أَحْمَدُ) بِقَوْلِ الْمُصْطَفَى صَلَّى الَّلهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمْ ) : مَنْ يُرِدِ الَّلهُ بِهِ خَيْراً يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ وَإِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ وَاللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يُعْطِي ) أَشْرَقَ وَجْهُ (أَحْمَدَ) قَائِلاً: “سُبْحَانَ الْعَاطِي الْوَهَّابِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ
مَلِكُ الْمُلُوكِ إِذَا وَهَبْ = لاَ تَسْأَلَنَّ عَنِ السَّبَبْ
اللَّهُ يُعطِي مَنْ يَشَا = ءُ فَقِفْ عَلَى حَدِّ الْأَدَبْ ”
وَأَضَافَ إِمَامُ المَسْجِدِ: ” إِنَّ (الدُّكْتُورُ عَبْدُ الْعَاطِي) مُشْتَاقٌ لِرُؤْيَتِكَ يَا (أَحْمَدُ)” رَدَّ (أَحْمَدُ)- بِأَدَبٍ- “وَمَنْ هُوَ (الدُّكْتُورُ عَبْدُ الْعَاطِي) ؟” قَالَ الْإِمَامُ: “إِنَّهُ عَمِيدُ كُلِّيَّةِ أُصُولِ الدِّينِ يَا بُنَيَّ وَعَالِمٌ مَعْرُوفٌ عَلَى مُسْتَوَى الْعَالَمِ الْإِسْلاَمِيِّ ”
وَجَاءَ (الدُّكْتُورُ عَبْدُ الْعَاطِي) وَشَاهَدَ (أَحْمَدَ) وَتَلاَمِيذَهُ عَلَى الطَّبِيعَةِ فِي المَسْجِدِ فَقَالَ: – بِسَعَادَةٍ بَالِغَةٍ- “أَحْمَدُ اللَّهَ أَنْ سَخَّرَ لِلْإِسْلاَمِ النَّابِغِينَ مِنْ أَمْثَالِكُمْ “وَقَامَ (الدُّكْتُورُ عَبْدُ الْعَاطِي) بِإِعْطَاءِ (أَحْمَدَ) كِيساً مِنَ الذَّهَبِ وَإِعْطَاءِ تَلاَمِيذِهِ بَعْضَ الْجَوَائِزِ فَقَالَ(أَحْمَدُ):”وَلَكِنْ”…. وَقَبْلَ أَنْ يُكْمِلَ (أَحْمَدُ) قَالَ لَهُ (الدُّكْتُورُ عَبْدُ الْعَاطِي :”وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ” الْآيَةُ 11مِنْ سُورَةِ إِبْرَاهِيمَ” قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ” الْآيَةُ 73مِنْ سُورَةِ آلِ عِمرَانَ , فَاغْرَوْرَقَتْ عَيْنَا(أَحْمَدَ) بِدُمُوعِ الْفَرَحِ وَهُوَ يَقُولُ: أَحْمَدُ اللَّهَ أَحْمَدُ اللَّهْ.
–{2} أَسْـيَاخُ الـْحَدِيدْ قِصَّةٌ قَصِيرةٌ
رَكِبَ أَبـُو زِيَادٍ الـْجَرَّارَ الزِّرَاعِيَّ الصَّغِيرَ مَعَ الـْحَاجِّ/الدُّسُوقِي أَبُو شَاهِينْ سَائِقِ الـْجَرَّارِ وَقـَدْ حَمَّلاَهُ الـْحَدِيدَ وَفـِـي الطـَّرِيقِ, وَأَمَامَ إِحْدَى الـْكَافـِيتِرْيَاتِ, دَعَا الـْحَاجِّ/الدُّسُوقِي صَدِيقَهُ عِصَامَ ,وَقَالَ لأَبِي زِيَادٍ:نـَأْخُذُ (عِصَامَ) لِيُسَاعِدَنـَا فِي تـَنـْزِيلِ الـْحَدِيدِ, قَالَ أَبـُو زِيَادٍ:هُنـَاكَ بَعْضُ الـْحَدِيدِ الـفـَائِضِ مِنـِّي عَلَى الطـَّرِيقِ,وَأَخَافُ عَلـَيْهِ مِنَ السَّرِقـَةِ,هَلْ تـَسْحَبـُهُ لِي بِالـْجَرَّارِ حَتـَّى الـْبـَيْتِ, وَأُعْطِيكَ خَمْسَةَ جُنـَيْهَاتٍ زِيَادَةً عَلَى أَجْرِكَ؟!,قَالَ الـْحَاجُّ/الدُّسُوقِي:بِكـُلِّ مَمْنـُونـِيَّةٍ ,وَصَلَ الثـَّلاَثـَةُ رِجَالٍ إِلَى بـَيْتِ أَبِي زِيَادٍ, وَأَنـْزَلـُوا الـْحَدِيدَ(الأَرْبـَعَةَ لـِينـْـيَا),وَ الـْحَدِيدَ السَّلاَسْلِي, جِوَارَ الـْبـَيْتِ بِنـِظَامٍ مَا أَجْمَلـَهُ!وَ مَا أَرْوَعَهُ ! خَرَجَتْ َامْرَأَةٌ كَبِيرَةُ السِّنِّ, لاَ يَظْهَرُ عَلَيْهَا الْكِبَرُ,ُ مِنْ أَحَدِ الـْبـَيُوتِ ذَاتِ الأَرْبـَعَةِ أَدْوَارٍ , وَأَخَذَتْ تـَنـْظـُرُ إِلَى الـْحَدِيدِ وَ إِلَى أَبِي زِيَادٍ نـَظْرَةً حَاسـِدَةً, فـَقَالَ أَبـُو زِيَادٍ:-فِي نـَفـْسِهِ- ربـِّـنَا00 يَسْـتُرَ مِنْ عُيُونِ هَذِهِ الـْمَـرْأَةِ ,وَخَرَجَتِ امْـرَأَةٌ أُخْـرَى مِنْ بـَـيْتٍ مُجَاوِرٍ لِبـَيْتِ أَبِي زِيَادٍ (تـَتـَلـَكـَّكُ) وَلاَ تُرِيدُ لـِلـْجَرَّارِ الزِّرَاعِيِّ أَنْ (يَلِفَّ) لِيَخْرُجَ مِنْ هَذَا الشَّارِعِ الضَّيِّقِ, وَقَالَتْ:-بـِلـُؤْمٍ-(التـَّفـْتِيشُ) سَـيُكْسَرُ, لـَفَّ الـْجَرَّارُ الزِّرَاعِيُّ, وَخَرَجَ عَلَى الطـَّرِيقِ الإِسْفـَلـْتِيِّ ,لِيَشُدَّ الـْحَدِيدَ الـْقَدِيمَ ,وَ عَلَى الـْفـَوْرِ ,نـَزَلَ السَّائِقُ مِنْ عَلَى الـْجَرَّارِ,وَمَعَهُ صَدِيقـُهُ عِصَامُ, وَقَالَ أَبـُو زِيَادٍ لـِلسَّائِقِ:إِنَّ هَذَا الـْحَدِيدَ مَرْبـُوطٌ بِالسَّلاَسْلِي تَسْتـَطِيعُ أَنْ تَرْبـِطَهُ فـِي الـْجَرَّارِ بِالسَّلاَسْلِي وَتـَشُدَّهُ ,ولـَكِنَّ الـْحَاجِّ/الدُّسُوقِي قَالَ:-فِي ثـِقـَةٍ- مَعَنَا الـْجَنـْزِيرُ ,وَنـَادَى:أَخْرِجِ الـْجَنـْزِيرَ يَا عِصَامُ مِنْ صُنـْدُوقِ الـْجَرَّارِ وَ عَلَى الـْفـَوْرِ رَبـَطَ الـْحَدِيدَ فـِي الـْجَرَّارِ بـِالـْجَنـْزِيرِ وَ اعْتـَلـَى السَّائِقُ الـْجَرَّارِ,وَمَعَهُ صَدِيقـُهُ عِصَامُ,وَوَجَدَ أَبـُو زِيَادٍ(فـِزْبـَةً) وَ(عَجَلـَةً) فِي طـَرِيقِ الـْجَرَّارِ فـَنـَادَى عَلَى صَاحِبَيْهِمَا مِنْ بـَيْتـَيْهِمَا لِيُخْلِيَا الطـَّرِيقَ لِلـْجَرَّارِ, وَبِالـْفِعْل ِ شَدَّ الـْجَرَّارُ الـْحَدِيدَ أَمَامَ بـَيْتِ زِيَادٍ, ولـَكِنَّ الـْحَدِيدَ كَانَ مَفـْرُوداً فِي الشَّارِعِ الضَّـيِّقِ فـَأَرَادَ أَبـُو زِيَادٍ أَنْ يَأْخُذَهُ سِيخاً سِيخاً دَاخِلَ الـْبـَيْتِ ولـَكِنْ رَنَّ جَرَسُ( الـْمُوبـَايِلْ) ,اِتـَّصَلـَتْ زَوْجَةُ أَبِي زِيَادٍ بـِهِ,وَأَخْبـَرَتـْهْ بـِأَنَّ جَارَهُ فِي قِطْعَةِ أَرْضٍ مَبَانٍ,يَنـْوِي التـَّخْطِيطَ لـِلـْبـِنـَاءِ,وَيَجِبُ عَلـَيْهِ أَنْ يَذْهَبَ لـِيَطْمَئِنَّ عَلَى أَرْضِهِ,وَبـِالـْفـِعْلِ انْطَلـَقَ أَبـُو زِيَادٍ وَقـَابـَلـَهُ الـْجَارُ بـِالـْعَرَبـَةِ الـْمَلاَّكِي وَأَخَذَهُ إِلَى الـْمَكَان ِ خُطِّطَتِ الـْمِسَاحَةُ وَحُدِّدَتْ وأَخَذَ(اللـُّودَرُ) يَحْفـِرُهَا بـِعُمْقِ مِتـْرٍ,وظَلَّ أَبـُو زِيَادٍ مَعَ الـْجَارِ حَتـَّى اللـَّيْلِ,وَبـَعْدَ ذَلِكَ أَخَذَهُ الـْجَارُ بـِعَرَبـَتـِهِ إِلَى بـَيْتِهِ الـْقـَدِيمِ, فـَقَالَ أَبـُو زِيَادٍ:أُرِيدُ أَنْ أَذْهَبَ إِلَى الـْبـَيْتِ الـْجَدِيدِ لِأُدْخِلَ الـْحَدِيدَ فِي الـْبـَيْتِ وأُخْلـِيَ الطَّرِيقَ للنـَّاس ِ فـَقَالَ الأُسْتـَاذُ عَلـِي كـَامِلْ:بـِكـُلِّ مَمْنـُونـِيَّةٍ,وَأَخَذَهُ إِلَى الـْبـَيْتِ الـْجَدِيدِ ,وَكـَانَ الأُسْتـَاذُ عَلـِي حَرِيصاً أَنْ يَرَى بـَيْتَ أَبِي زِيَادٍ,وَبـَعْدَ أَنْ رآهُ انـْطَلـَقَ الأُسْتـَاذُ عَلـِي كـَامِلْ عَائِداً إِلَى بـَيْتِهِ مُحَيِّياً أَبـَا زِيَادٍ دَاعِياً لـَهُ بـِالتـَّوْفـِيقِ.
—
{3} اَلـْـبَطـَّةُ الـْمَرِيضَةْ قِصَّةٌ قَصِيرةٌ
تَعِيشُ أُسْرَةُ الـْـبَطـَّةِ الصَّغِيرَةِ (دَكـْدَكْ) فـِي سُرُورٍ وَوِئَامٍ وَمَحَبـَّةٍ وَاحْتـِرَامٍ, فـَأَبُوهَا ذَكَرُ الـْبـَطِّ الـْكـَبِيرُ (وَكْ), كـَانَ عَظِيمَ التـَّفـْكِيرِ فـِـي نـَفـْسـِهِ وَ فـِـي أُسْرَتِهِ وَ فـِـي الكـَوْن ِكـُلـِّهِ وَ فـِـي خَالـِق ِالْكـَوْنِ اللهِ سُبـْحَانـَهُ وَتـَعَالـَى, وَكـَثِيراً مَا كـَانَ يُمْضِي اللـَّـيْلَ وَهُوَ يُسَبـِّحُ بـِحَمْدِ اللَّهِ, وَيَتـَفـَكـَّـرُ فـِي مَلـَكـُوتـِهِ ,حَتـَّى يَسْمَعَ الدِّيكَ الصَّالِحَ, حَوَالـَيْ السَّاعَة الثـَّالـِثـَةِ لـَيْلاً, وَهُوَ يَصِيحُ (كـُوكـُو كـُكـُو, قـُومُوا وَصَلـُّوا لـِرَبـِّكـُمْ, قـُومُوا وَأَدُّوا حَقَّ الإِلـَهْ,فَالنـُّورُ يَبـْدُو مَعَ الصَّلاَةْ, إِنـِّي دَوَاماً مَعَ الصَّبـَاحْ,أَقـُومُ وَحْدِي وَبـِانـْشِرَاحْ, أَدْعُوهُ شَوْقاً إِلـَى الـْفـَلاَحْ, يَا رَبِّ قـُدْنـِي إِلـَى النـَّجَاحْ, فـَأَنـْتَ رَبـِّي رَبٌّ غَفـُورْ ,تـَزِيدُ رِزْقِي مَعَ الشُّكـُورْ, أَذَّنـْتُ كـُوكـُو كـَيْ يَسْمَعُوا ,فـَيَسْتـَفـِيقـُوا وَيَرْجِعُوا, وَيَسْتـَعِيدُوا مَا وَدَّعُوا), يَسْمَعُ ذَكَرُ الـْبـَطِّ الـْكـَبِيرُ وَزَعِيمُ أُسْرَتـِهِ (وَكْ) نِدَاءَ الدِّيكِ فـَيَسْتـَغـْفِرُ اللهَ وَقـْتَ السَّحَرِ, حَتـَّى يَحِينَ وَقـْتُ آذَانِ الفَجْرِ, فـَيَرْفـَعُهُ الدِّيكُ الصَّالِحُ, ويُقـِيمُ الصَّلاَةَ, وَيَؤُمُّ الـْحَيَوَانـَاتِ وَالطـُّيُورَ بـِنـَفـْسِهِ, وَكـَانَ ذَكَرُ الـْبـَطِّ الـْكـَبِيرُ, يَقـِفُ خَلـْفَ الدِّيكِ الصَّالِحِ, فـِـي الصَّفِ الأَوَّلِ, فـِـي خُشُوعٍ لِلـَّهِ, وَ تـَوَسُّلٍ إِلـَيْهِ وَدُعَاءٍ جَمِيلٍ, أَنْ يُبَارِكَ اللهُ فـِـي أُسْرَةِ الـْبـَطِّ, وَيَحْفـَظَهَا مِنَ الْأَمْرَاضِ وَالْأَوْبـِئَةِ, وَخَاصَّـةً أُنـْفـُلـْوَنـْزَا الطُّـيُورِ, وَ أُنـْفـُلـْوَنـْزَا الـْخَنـَازِيرِ وَكَانَتْ زَوْجَتـُهُ الـْبـَطـَّةُ (دِيدِي) تـُحَافِظُ عَلـَى الصَّلاَةِ, وَلـَكِنـَّهَا كَانَتْ تـَتـْـرُكُ الـْبَطـَّةَ الصَّغِيرَةَ (دَكـْدَكْ) سَهْرَانـَةً طَوَالَ اللـَّـيْلِ, دُونَ أَنْ تـَعْرِفَ شَـيْـئاً عَنـْهَا ,أَوْ حَتـَّى تـَسْـأَلَ عَنْ حَالـِهَا,ذَاتَ يَوْمٍ, امْتـَـنَـعَتِ الـْـبَطـَّـةُ (دَدَكـْدَكْ) عَنِ الطَّعَامِ, وَكـَانَتْ عِنـْدَمَا تـَطـْلـُبُ مِنـْهَا أُمُّهَا الـْبـَطـَّـةُ (دِيدِي) أَنْ تـُفـْطِرَ أَوْ تـَـتـَغَذَّى أَوْ تـَتـَعَشَّى, تـَرْفـُضُ الـْـبَطـَّـةُ الصَّغِيرَةُ (دَكـْدَكْ) أَنْ تـَأْكُلَ وَتـَقـُولُ : لـَيْسَ لـِي نـَفـْسٌ, شَاهَدَ أَبُوهَا ذَكَرُ الـْبـَطِّ الـْكـَبِيرُ (وَكْ) حَالـَةَ ابـْنـَتِهِ الـْبَطـَّةِ الصَّغِيرَةِ (دَكـْدَكْ), فـَأَخَذَهَا فـَوْراً إِلـَى مُسْـتـَشْفـَى الـْبـَطِّ, عَلـَى شَاطئِ التـُّرْعَةِ, وَكـَانَ طَبـِيبُ الـْبـَطِّ فـِـي اسْـتـِقـْبـَالـِهِمَا -مَالـَكِ يَا (دَكـْدَكْ) ؟!,-لاَ أَدْرِي ,تَفَحَّصَهَا طَبـِيبُ الـْبـَطِّ, فَوَجَدَهَا تـُعَانـِي مِنْ بـَرْدٍ شَدِيدٍ, أَصَابـَهَا بـِالأُنـْفـُلـْوَنـْزَا, فـَقـَرَّرَ حَجْزَهَا فـِي مُسْـتـَشْفـَى الـْبـَطِّ, وَأَمَرَهَا أَنْ تـَتـَمَشَّى فـِي الشَّمْسِ ثـَلاَثَ سَاعَاتٍ يَوْمِيَّـاً, و تـَأْكُلَ مِنَ الـْخُضـْرَوَاتِ الشَافـِيَة ِ, بـإِذْنِ اللهِ, حَوْلَ التـُّـرْعَةِ ,كـَمَا أَمَرَهَا أَنْ تُمَارِسَ السِّـبَاحَةَ فـِي التـُّـرْعَةِ ,مَا اسْتـَطـَاعَتْ إِلـَى ذَلـِكَ سَبـِيلاَ ,وَتـَمَّ شِفـَاءُ الـْبـَطَّةِ بـِفـَضـْلِ اللهِ ,وَرَجَعَتْ إلـَى حَظِيرَتِـهَا مُعَافـَاةً, بـِفـَضـْلِ الـْخَالقِ جَلَّ وَعَلاَ ,قـَالـَتِ الـْبـَطـَّـةُ الْأُمُّ(دِيدِي) :لـَنْ أُهْمِلـَكِ يَا (دَكـْدَكُ) يَا ابـْنـَتـِي لـِلسَّهَرِ وَالـْبـَرْدِ طَوَالَ اللـَّـيْلِ, وَسَـأُحَافـِظُ عَلـَـيْكِ بـِقـَـلـْبـِي وَعُـيُونـِي, قـَالـَتِ (دَكـْدَكْ): الـْحَافـِظُ هُوَ اللهُ يَا أُمِّي, قـَالَ ذَكَرُ الـْبـَطِّ الـْمُؤْمِنُ:جَزَاكِ اللهُ خَـيْراً يَا (دَكـْدَكْ) , (فـَاللَّهُ) هُوَ (الـْحَافـِظُ) (الرَّازِقُ) (الـْمُعِزُّ) (الـْقـَوِيُّ) (الـْمَتـِينُ) (الشَّافـِي) (الـْمُعَافـِي) نـَطْلـُبُ مِنـْـهُ الـْعَفـْوَ وَالـْعَافـِيَـةَ فـِي الدُّنـْـيَا وَالآخِرَةِ .
—-
{4} اَلدِّيكُ وَالْـفَـرْخَـةْ قِصَّةٌ قَصِيرةٌ
اَلدِّيكُ يُؤَذِّنُ كُوكُوكُوكْ ، كُوكُوكُوكْ ، كُوكُوكُوكْ
قَالَتْ فَرْخَةٌ : مَالَكَ أَيُّهَا اَلدِّيكُ؟!
مَاذَا تَقْصِدِينَ أَيَّـتُهَا الْـفَـرْخَـةُ ؟
– السَّاعَةُ الْآنَ الثَّانِيَةُ وَالثُّـلُثُ ظُهْراً 0
– إِنَّـنِي أَسْـتَعِدُّ لِآذَانِ الْعَصْرِ 0
– وَلَكِنِ يَا صَدِيقِي اَلدِّيكُ لاَ تُؤَذِّنْ بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ الْمُـبَالَغِ فِيهِا.
– مَادُمْتِ قُلْتِ ذَلِكَ أَيَّـتُهَا اَلْفَرْخَةُ فَسَـأَحْكِي لَكِ الْحِكَايَةَ.
– اِحْكِهَا أَيُّـهَا اَلدِّيكُ الْهُمَامُ .
– إِذَا لَمْ يَكُنِ الْوَقْتُ وَقْتَ آذَانِ وَسَمِعْتِـنِي أَصِيحُ, فَـأَنَا أَذْكُـرُ اللَّهَ.
– وَ لِمَاذَا تَذْكُرْ اللَّـهَ أَيُّهَا اَلدِّيكُ ؟!
– عَجَباً لَكِ أَيَّـتُهَا اَلْفَرْخَةُ!!
– أَلَمْ تَقْـرَئِي أَوْ تَسْمَعِي قَوْلَهُ تَعَالَى : (فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ).
– وَفِي أَيِّ سُورَةٍ قَرَأْتَ هَذِهِ الْآيَةَ ؟
– الْآيَةَ (152) مِنْ سُورَةِ الْـبَقَرَةِ .
– هَلْ تَعْنِي أَنْ ذِكْرَ اللَّهِ تَعَالَى شُكْـرٌ لَهُ ؟
– بِالضَّـبْطِ .
– شُكْراً أَيُّهَا اَلدِّيكُ الْحَكِيمُ.
– لاَ تَشْكُرِينِي.
– وَمَنْ أَشْكُرُ إِذاً أَيُّهَا الدِّيكُ ؟
– اُشْكُرِي اللَّهَ.
– و اللَّهِ إِنْ ظَـلَـلْتُ طُولَ الْعُمْرِ أَشْكُـرُهُ فَـلَنْ أُوَفِّـيَهُ حَقَّهُ .
– نَعَمْ أَيَّـتُهَا اَلْفَرْخَةُ ، فَنِعَمُ اللَّهِ لاَ تُعَدُّ وَ لاَ تُحْصَى ، وَ لِذَلِكَ كَمَا تَرَيْنَ ، فَـأَنَا أُدَاوِمُ عَـلَى ذِكْرِهِ .
– جَزَاكَ اللَّهُ خيراً أَيُّهَا اَلدِّيكُ.
– و جَزَاكِ اللَّهُ خيراً أَيَّـتُهَا اَلْفَرْخَةُ.
– لَكِنْ 00 هَلْ سَـتَظَلُّ تَذْكُرُ اللَّهَ طِيلَـةَ حَـيَاتِكَ؟!
– إِنَّ قَلْبِي وَلِسَانِي يَشْتَاقَانِ ذِكْـرَهُ مَادُمْتُ حَـيَّا.
– وَهَلْ تَذْكُرُ اللَّهَ مِنْ قَـلْـبِكَ ؟!
– مِنْ كُلِّ نَـبْضَةٍ فِيهِ وَكُلِّ شَهِيقٍ وَزَفِيرٍ.
– اَلْفِرَاخُ بَاضَتْ بَيْضاً كَثِيراً مُخْـتَلِفَ الْأَشْكَالِ وَ الْأَلْوَانِ وَالْأَحْجَامِ.
– الْحَمْدُ لِلَّهِ.
– هَلْ تَرَيْنَ أَيَّـتُهَا اَلْفَرْخَةُ ذَلِكَ الْـبَـَيْضَ الْمُخْـتَلِفَ الْأَلْوَانِ وَالْأَشْكَالِ
وَ الْأَحْجَامِ ؟!
– نَعَمْ أَيُّهَا اَلدِّيكُ.
– (هَذَا خَـلْقُ اللَّهِ فَـأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ {الْآيَةَ 11 مِنْ سُورَةِ لُقْمَانْ}.
—
{5} اَلدِّيكُ الأَسْمَرُ الْقَصِيرْ قِصَّةٌ قَصِيرةْ
كَانَ يَا مَا كَانَ ,فِي سَالِفِ الْعَصْرِ وَالْأَوَانِ دِيكٌ حَكِيمٌ أَسْمَرُ قَصِيرٌ يَصِفُ الدَّوَاءَ لِكُلِّ أَبْنَاءِ جِنْسِهِ ,مُتَخَصِّصٌ فِي الطِّبِّ ,تَلْمَحُهُ يَقِفُ بَيْنَ الْفِرَاخِ ,فَرْخَةٌ تُدَاعِبُهُ وَ فَرْخَةٌ تُلاَطِفُهُ وَ فَرْخَةٌ تَبْتَسِمُ لَهُ وَ فَرْخَةٌ تَضْحَكُ مَعَهُ إِلَى حَدِّ الْقَهْقَهَةِ ,وَ اَلدِّيكُ الأَسْمَرُ.. الْقَصِيرُ يَرْفَعُ عُرْفَهُ ,وَهُوَ لاَهٍ سَعِيدٌ لا َيَضَعُ الدُّنْيَا فِي بَالِهِ ,ذَاتَ يَوْمٍ دَخَلَتْ عَلَيْهِ الدَّجَاجَةُ الْكَبِيرَةُ (نَسْمَةُ) بِفَرْخَتِهَا الصَّغِيرَةِ (نَنْسِي) وَقَدْ أَصَابَتْهَا السُّخُونَةُ الَّتِي تَشْكُو مِنْهَا كُلُّ الْفِرَاخِ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ , وَلَكِنَّهُ مَشْغُولٌ عَنْهَا بِمُسَاعِدَاتِهِ مِنَ الْفِرَاخِ اللَّطِيفَاتِ , وَ الدَّجَاجَةُ(نَسْمَةُ) يُصَاحِبُهَا زَوْجُهَا الدِّيكُ الْأَحْمُرُ ذُو الْعُرْفِ الشَّامِخِ الْمُتَعَالِي ,وَكَانَا فِي غَايَةِ الْخَوْفِ عَلَى فَرْخَتَيْهِمَا الصَّغِيرَةِ (نَنْسِي) ,وَمَعَ ذَلِكَ كَانَ اَلدِّيكُ الأَسْمَرُ الْقَصِيرُ يَتَحَدَّثُ مَعَ مُسَاعِدَتِهِ , وَكَأَنَّهُ لَيْسَتْ هُنَاكَ فَرْخَةٌ اسْمُهَا (نَنْسِي) أَمَامَهُ ,تُصَاحِبُهَا أُسْرَتُهَا الْقَلِقَةُ عَلَيْهَا غَايَةَ الْقَلَقِ ,مَعَ أَنَّ اَلدِّيكَ الأَسْمَرَ الْقَصِيرَ قَدْ لاَحَظَهَا فِي حَظِيرَتِهِ الْخَاصَّةِ بِاسْتِقْبَالِ الدَّجَاجِ الْمَرِيضِ , وَحَوَّلَهَا لِلْحَظِيرَةِ الْعَامَّةِ لِعِلاَجِ الدَّجَاجِ , قَالَتِ الدَّجَاجَةُ (نَسْمَةُ) لِزَوْجِهَا الدِّيكِ الْأَحْمُرِ :لَوْ كُنْتَ قَدْ تَعَلَّمْتَ الطِبَّ لَكُنْتَ أَحْسَنَ مِنْ هَذَا اَلدِّيكِ الأَسْمَرِ الْقَصِيرِ , هَلْ هَذَا شَكْلُ طَبِيبٍ لِلْفِرَاخِ ؟! وَفِي أَحَدِ عَنَابِرِ الْفِرَاخِ الْمَرِيضَةِ ,تَحَدَّثَتِ الدَّجَاجَةُ (نَسْمَةُ) مَعَ بَعْضِ الْفِرَاخِ وَالدُّيُوكِ عَنِ اَلدِّيكِ الأَسْمَرِ الْقَصِيرِ وَهِيَ تَقُولُ: إِنَّ حَظِيرَتَهِ الْخَاصَّةَ بِعِلاَجِ الدَّجَاجِ الْمَرِيضِ فِي بَلْدَةٍ تُسَمَّى (عَفْرَةَ) قَرِيبَةٍ مِنْ بَلْدَتِهَا ,وَ إِنَّ كُلَّ الدَّجَاجِ يُحِبُّ اَلدِّيكَ الأَسْمَرَ الْقَصِيرَ الْمُتَخَصِّصَ فِي أَمْرَاضِ الدَّجَاجِ وَالْفِرَاخِ الصَّغِيرَةِ ,سَأَلَتِ الْفَرْخَةُ (لُوسَهْ) لِمَاذَا يَا عَزِيزَتِي ؟! قَالَتِ الْفَرْخَةُ (نَسْمَةُ) : لِأَنَّ اَلدِّيكَ الأَسْمَرَ الْقَصِيرَ يَأْخُذُ الْفِرَاخَ كُلَّ الْفِرَاخِ عَلَى هَوَاهَا ,ذَاتَ يَوْمٍ دَخَلْتُ عَلَيْهِ حَظِيرَتَهِ الْخَاصَّةَ بِعِلاَجِ الدَّجَاجِ ,لِيَكْشِفَ عَلَى فَرْخَتِي الصَّغِيرَةِ (نَنْسِي) فَقَامَ بِاللَّازِمِ ,وَكَانَتْ مَعِي الْفَرْخَةُ (سَمْرَةُ) أُخْتُ (نَنْسِي) تَشْكُو أَيْضاً بَعْضَ الْأَوْجَاعِ ,فَكَشَفَ عَلَيْهَا, وَلَمْ يَتَقَاضَ أَجْراً إِضَافِيًّا , قَالَ الدِّيكُ الْبُنِّيُّ : هَذَا شَيْءٌ جَمِيلٌ أَيَّتُهَا الْفَرْخَةُ(نَسْمَةُ) , إِنَّ الدُّيُوكَ الْمُتَخَصِّصَةَ فِي طِبِّ الْفِرَاخِ أَصْبَحُوا تُجَّاراً ,وَمَا يَهُمُّهُمْ هُوَ تَحْصِيلُ الْأَمْوَالِ ,وَلَيْسَ عِلاَجَ الْفِرَاخِ , وَمَا يَفْعَلُهُ اَلدِّيكُ الأَسْمَرُ.. الْقَصِيرُ شَيْءٌ جَمِيلٌ عِنْدَ اللَّهِ وَ عِنْدَ النَّاسِ , قَالَتِ الْفَرْخَةُ(نَسْمَةُ) : إِنَّ اَلدِّيكَ الأَسْمَرَ الْقَصِيرَ يَكْتُبُ عَلَي حَظِيرَتَهِ (اَلْفِرَاخُ الصَّغِيرَةُ جِدًّا تَدْخُلُ فَوْراً وَ اَلْفِرَاخُ الْكَبِيرَةُ جِدًّا الَّتِي تُعَانِي مِنْ حَالاَتٍ حَرِجَةٍ تَدْخُلُ فَوْراً ) دُونَ انْتِظَارٍ لِدَوْرِهَا فِي الْكَشْفِ , قَالَ الدِّيكُ الْبُنِّيُّ : وَ اللَّهِ إِنَّ اَلدِّيكَ الأَسْمَرَ الْقَصِيرَ صَاحِبُ ضَمِيرٍ حَيٍّ وَقَلْبٍ رَحِيمٍ عَلَى الْفِرَاخِ الْمَرِيضَةِ , وَلَيْتَ كُلَّ الدُّيُوكِ الْمُتَخَصِّصَةِ فِي طِبِّ الْفِرَاخِ يَحْذُونَ حَذْوَهُ.
—
{6} الْعَجُوزْ قِصَّةٌ قَصِيرةْ
” يَا عَجُوزُ يَا مَدْرَسَةُ , كُـلـُّكَ فَنٌّ وَهَـنْدَسَةٌ ” هَكَذَا كَانَ يُغَنِّي الْعَمُّ شِنْدِي , وَقَالَ لِي : الْعَجُوزُ كَانَ يَشْرَبُ الشَّايَ بِطَرِيقَةِ مُعَلِّمِينَ , يَـنْظُرُ إِلَى كُوبِ الشَّايِ بَعْدَ كُلَّ جَرْعَةٍ فَقُلْتُ لَهُ : “أَنْتَ سَـتَظَلُّ تَشْرَبُ كُوبَ الشَّايِ هَكَذَا وَتَـتَـأَمَّلُ فِيهِ؟!” الْعَجُوزُ هَذَا لَقَبٌ لَهُ وَلَيْسَ اسْماً , سَـأَلَنِي أَحَدُ الْأَطْفَالِ الْأَذْكِيَاءِ : مَا اسْمُ الْعَجُوزِ الْحَقِيقِي يَا عَمُّو ؟ قُلْتُ لَهُ : اسْمُهُ مُحَمَّدٌ , قَالَ الطِّفْلُ نُورُ : وَمَا حِكَايَةُ الْعَجُوزِ يَا عَمُّو ؟ قُلْتُ لَهُ الْعَجُوزُ هَذَا يَا نُورُ يَا وَلَدِي لَقَبٌ لَقَّبـُوهُ بِهِ , وَمَنْ لَقَّـبَهُ بِهَذَا اللَّقَبِ يَا عَمُّو ؟! لَقَّـبَهُ بِهَذَا اللَّقَبِ أَبُوهُ , وَلِمَاذَا لَقَّـبَهُ بِهَذَا اللَّقَبِ ؟! لِأَنَّهُ رِيَاضِيٌّ وَذَكِيٌّ جِدًّا , وَقَالَ الطِّفْلُ رَاضِي : اِحْكِ لَـنَا يَا عَمُّو حِكَايَةً مِنْ حِكَايَاتِ الْعَجُوزِ, ضَحِكَ الْعَمُّ وَقَالَ: كَانَ الْعَجُوزُ أَيَّامَ طُفُولَتِهِ يَطْـلُبُ مِنَ الْحَلاَّقِ أَنْ يَحْلِقَ لَهُ شَعْرَهُ بِالْمُوسِ , وَقَالَ حُسَامُ مُـتَعَجِّباً : وَهَلْ هُـنَاكَ إِنْسَانٌ فِي الدُّنْـيَا الَّتِي ارْتَوَتْ بِالنِّيلِ يَحْلِقُ شَعْرَهُ بِالْمُوسِ يَا عَمُّو ؟! قَالَ الْعَمُّ رِيَاضٌ: عَجَائِبُ الدُّنْـيَا كَثِيرَةٌ يَا حُسَامُ وَلِلَّهِ فِي خَـلْقِهِ شُـئُونٌ , وَإِذَا عُرِفَ السَّـبَبُ بَطُلَ الْعَجَبُ , قَالَ رَشْوَانُ : مَاذَا تَقْصِدُ يَا عَمُّو رِيَاضُ ؟! ابْـتَـسَمَ الْعَمُّ وَقَالَ: هُـنَاكَ أُنَاسٌ يَا بُـنَيَّ الْعَزِيزَ ـ يَحْلِقُونَ لِأَنَّهُمْ مَرْضَى, وَرُبَّمَا يَكْشِفُ اللَّهُ كَرْبَهُمْ وَيصِحُّونَ ,أَيْ تَعُودُ إِلَيْهِمْ صِحَّـتُهُمْ بَعْدَ الْحِلاَقَةِ , وَهُـنَاكَ أُنَاسٌ يُحِسُّونَ الْإِرْهَاقَ وَالتَّعَبَ وَالصُّدَاعَ ,وَخَاصَّةً فِي الْأَمَاكِنِ الْمُـتْرِبَةِ الْمَلِيئَةِ بِالْعَواصِفِ, رُبَّمَا يُحِسُّ هَؤُلاَءِ النَّاسُ ( بِالْفَوَقَانِ ) بَعْدَ الْحِلاَقَةِ وَهُنَاكَ أُنَاسٌ تَعَوَّدُوا عَلَى ذَلِكَ , قَالَ حَمْدِي : هَلْ رَأَيْتَ يَا عَمُّو رِيَاضُ أُنَاساً يَحْلِقُونَ رُؤُوسَهُمْ عَلَى ( الزِّيرُو )؟ قَالَ الْعَمُّ رِيَاضٌ: نَعَمْ يَا بُـنَيَّ , كُنْتُ فِي أُوغَـنْدَا وَهِيَ دَوْلَةٌ إِفْرِيقِيَّةٌ شَقِيقَةٌ مِنْ دُوَلِ حَوْضِ النِّيلِ وَكَانَ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ يَذْهَـبُونَ إِلَى مَحَلِّ الْحِلاَقَةِ , رِجَالاً وَنِسَاءً وَأَوْلاَداً وَبَـنَاتاً وَيَحْلِقُونَ رُؤُوسَهُمْ عَـلَى ( الزِّيرُو ) وَلاَ يَجِدُونَ فِي ذَلكَ حَرَجاً عَلَى الْإِطْلاَقِ, قَالَ فُؤَادُ : مِنْ فَضْلِكَ يَا عَمُّو رِيَاضٌ أَخْبِرْنِي , كَـيْفَ يَحْلِقُ الْحَلاَّقُ الشَّعْرَ بِالْمُوسِ ؟! قَالَ الْعَمُّ رِيَاضٌ: يَا بُـنَيَّ الْحَلاَّقُ يُنَفِّذُ ذَلِكَ عَلَى مَرْحَـلَـتَـيْنِ , اَلْمَرْحَـلَةُ الْأُولَى: يَحْلِقُ الشَّعْرَ بِمَاكِينَةِ الْحِلاَقَةِ , وَالْمَرْحَـلَةُ الثَّانِيَةُ : يَضَعُ الْحَلاَّقُ مَعْجُونَ الْحِلاَقَةِ عَـلَى فَرْوَةِ الرَّأْسِ وَيُرَغِّيهِ تَمَاماً كَحِلاَقَةِ الذَّقْنِ , ثُمَّ يَحْلِقُهُ بِالْمُوسِ, قَالَ سَمِيرُ: مِن فَضْلِكَ يَا عَمُّو رِيَاضُ ,سُؤَالٌ أَخِيرٌ قَالَ الْعَمُّ : تَفَضَّلْ يَا بُـنَيَّ , قَالَ سَمِيرُ :هَلِ الْأَلْقَابُ مَسْـأَلَةٌ جَـيِّدَةٌ فِي الشَّرِيعَةِ الْإِسْلاَمِيَّةِ ؟ قَالَ الْعَم رِيَاضٌ : الْأَلْقَابْ الْـقَـبـِيحَـةُ لَـيْسَتْ مَطْـلُوبَةً يَا سَمِيرُ , وَقَدْ نَهَانَا اللَّهُ ـ عَـزَّ وَجَلَّ ـ عَنْ أَنْ يُـنَادِى أَحَدُنَا الْآخَرَ بِلَقَبٍ يَكْرَهُـهُ , قَالَ تَقِيُّ الدِّينِ: مِنْ فَضْلِكَ يَا عَمُّو رِيَاضُ اذْكُرْ لَنَا نَصَّ الْآيَةِ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى ذَلِك , قَالَ الْعَمُّ رِيَاضُ : (هَايِلٌ) يَا تَقِيُّ, هَـيَّا نَـتْـلُو الْآيَةَ الْمَلِيئَةَ بِالْآدَابِ الْإِسْلاَمِيَّةِ الْمُـتَـنَوِّعَةِ, قَالَ تَعَالَى : ( وَلاَ تَـنَابَـزُوا بِالْأَلْقَابِ )11 سُورَةُ الْحُجُرَاتِ ، قَالَ شَرِيفُ : وَإِذَا كَانَ اللَّقَبُ حَسَناً يُحِبُّهُ مَنْ لُقِّبَ بِهِ, فَمَا رَأْيُكَ فِي ذَلِكَ يَا عَمُّو رِيَاضُ؟ قَالَ الْعَمُّ رِيَاضُ : إِذَا كَانَ اللَّقَبُ جَـيِّداً-( كَالْفَارُوقِ ) لَقَبِ سَـيِّدِنَا عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ لُقِّبَ بِهِ لِأَنَّهُ كَانَ يَفْرِقُ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْـبَاطِلِ-فَلا بَـأْسَ بِهِ .
—-
{7} نَدَى قِصَّةٌ قَصِيرةْ
بِنْتٌ جَمِيلَةٌ ، جَمَالَ قَطَرَاتِ النَّدَى تَـتَنَزَّلُ عَلَى الزَّهْرَةِ فَـتَـتَـفَـتَّحُ شَوْقاً لِلْحَـيَاةِ وَالْأَيَّامِ الْحُلْوَةِ وَالذِّكْرَيَاتِ الْجَمِيلَةِ ، نَدَى لَهَا حَظٌّ كَبِيرٌ مِنَ اسْمِهَا ، فَهِيَ كَرِيَمةٌ كَـرَماً لاَ حُدُودَ لَهُ ، ذَاتَ يَوْمٍ سَأَلَـتْهَا زَمِيلَـتُهَا يَاسَمِينُ اسْتِعَارَةَ مِمْحَاتِهَا لِبُرْهَةٍ مِنَ الزَّمَنِ ، فَـأَعْطَـتْهَا نَدَى ( الْأَسْتِيكَةَ) وَصَمَّمَتْ أَنْ تُهْدِيَهَا لَهَا ، وَعِنْدَمَا سَأَلَـتْهَا يَاسَمِينُ عَنْ سِرِّ ذَلِكَ قَالَتْ نَدَى : يَا يَاسَمِينُ الْحَبِيبَةُ ، الْمَالُ مَالُ اللَّهِ ، وَ إِذَا كَانَ اللَّهُ قَدْ رَزَقَـنَا فَـيَجِبُ عَـلَـيْـنَا أَنْ نَشْكُـرَهُ وَشُكْـرُهُ سُبْحَانَهُ يَكُونُ بِمُسَاعَدَةِ بَعْضِنَا الْبَعْضِ ، فَالْغَنِيُّ يَعْطِفُ عَـلَى الْفَقِيرِ سَوَاءً أَكَانَ هَذَا الْفَقِيرُ سَائِلاً أَوْ مَحْـرُوماً ، وَالْقَوِىُّ يَعْطِفُ عَـلَى الضَّعِيفِ فَـيُسَاعِدُهُ فِي حَمْلِ بَعْضِ الْأَثْقَالِ الَّتِي لاَ يَسْـتَطِيعُ حَمْـلَهَا ، وَ يُدَافِعُ عَـنْـهُ إِذَا اسْـتَـنْجَدَ بِهِ ، وَصَاحِبُ الْخِبْرَةِ يُسَاعِدُ بِخِبْـرَتِهِ مَنْ يَحْـتَاجُ إِلَى مُسَاعَدَتِهِ ، وَالْقَرِيبُ مِنَ اللَّهِ بِالطَّاعَاتِ يُحَاوِلُ مُسَاعَدَةَ الْـبَعِيدِ عَـنْـهُ ، وَ تَـقْرِيبَـهُ مِنْهُ ، (ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّه)(272) سُورَةُ الْـبَقَـرَةِ ، قَالَتْ يَاسَمِينُ : بِالْحُضْنِ يَا نَدَى يَا أُخْتِي ، لَقَدْ أَحْـبَـبْـتُكِ فِي اللَّهِ ، قَالَتْ نَدَى : أحبَّكِ اللَّهُ يَا يَاسَمِينُ ، الَّذِي أَحْـبَـبْـتِـنِي مِنْ أَجْلِهِ ، ذَاتَ يَوْمٍ أَذَّنَ الْعَصْـرُ وَكَانَ أَبَوَاهَا مَشْغُولَيْنِ بِالْحَدِيثِ الْجَمِيلِ بَيْنَ زَوْجَـيْنِ مُؤْمِنَـيْنِ تَقِيَّيْنِ نَقِيَّيْنِ وَدُودَيْنِ لَطِيفَـيْنِ،فَـنَادَتْهُمَا نَدَى : مَامَا أَمَانِي ، بَابَا جَمَالُ ، أَلَمْ تَسْمَعَا الْآذَانَ ؟! فَرِحَ الْأَبُ ، وَارْتَـفَعَتْ نَبَضَاتُ قَـلْبِهِ شَاكِراً اللَّهَ سُبْحَانَهُ عَلَى اسْتِجَابَتِهِ لِدُعَائِهِ حِينَمَا نَادَاهُ : (رَبِّ اجْعَـلْنِي مُقِيمَ الصَّـلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّـنَا وَتَقَـبَّلْ دُعَاءِ (40) رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ (41))) سُورَةُ إِبْرَاهِيمَ وَقَالَتِ الْأُمُّ : نَحْنُ مُـتَوَضِّـئُونَ يَا نَدَى وَسَـيَؤُمُّـنَا أَبُوكِ الْآنَ فِي الصَّلاَةِ ، بَارَكَ اللَّهُ فِيكِ يَا بِنْـتَاهْ ، اللَّهْ عَـلَيْكِ اللَّهَ اللَّهْ ،أَنْتِ عِنْدَنَا أَغْـلَى مِنَ الْمَالِ وَالْجَاهْ ، مَادُمْتِ قَدْ نَشَـأْتِ عَـلَى طَاعَةِ خَالِقِ الْحَـيَاةْ 0
—
{8} اَلْعَرُوسُ الْخَضْرَاءْ قِصَّةٌ قَصِيرةْ
جَلَسَتْ (هَنَاءُ) فِي صَفَاءٍ, وَقَالَتْ لِعَمِّهَا (فَادِي):اِحْكِي لِي يَا عَمِّي عَنْ (أُوغَنْدَا), رَدَّ الْعَمُّ(فَادِي) وَهُو يَتَأَوَّهُ: آهٍ يَا (هَنَاءُ), تَقْصِدينَ اَلْعَرُوسُ الْخَضْرَاءُ؟! قَالَتْ (هَنَاءُ): مَاذَا تَقْصِدُ يَا عَمِّي بِاَلْعَرُوسُ الْخَضْرَاءُ؟! ,أَقْصِدُ (أُوغَنْدَا) طَبْعاً يَا ابْنَتِي ,أَجْمَلَ بِلاَدِ الدُّنْيَا ,وَلَهَا قِصَّةٌ مِنْ أَجْمَلِ الْقَصَصِ فِي حَيَاتِي ,فَعِنْدَمَا انْطَلَقَتِ بِيَ الطَّائِرَةُ مِنْ مِصْرَ مُبَاشَرَةً إِلَى (أُوغَنْدَا) ,وَأَوْشَكَتِ الطَّائِرَةُ عَلَى الْهُبُوطِ فِي مَطَارِ (عَنْتِيبِي) ,نَظَرْتُ مِنْ شُبَّاكِ
الطَّائِرَةُ فَإِذَا مَنْظَرٌ جَمِيلٌ ,أَرْضٌ خَضْرَاءُ ,كَأَنَّكِ تَرَينَ جَنَّةَ اللَّهِ فِي أَرْضِهِ , قَالَتْ (هَنَاءُ)- فِي لَهْفَةٍ وَتَشَوُّقٍ -: زِدْنِي يَا عَمِّي ,” (هَنَاءُ) يَا ابْنَتِي لَقَدْ حَدَّثَنِي كَثِيرٌ مِنَ الْمَبْعُوثِينَ الَّذِينَ عَاشُوا فِي دُوَلٍ كَثِيرَةٍ وَمِنْهَا الصُّومَالُ وَأَلْمَانْيَا وَالْوِلاَيَاتُ الْمُتَّحِدَةُ الْأَمْرِيكِيَّةُ , وَأُوزْبَاكِسْتَانُ وَأَخِيراً (أُوغَنْدَا) ,أَنَّ (أُوغَنْدَا) أَجْمَلُ هَذِهِ الْبِلاَدِ جَمِيعِهَا , وَسَأَلْتُهُمْ :أَلَيْسَتْ جَنُوبُ أَفْرِيقْيَا- كَمَا حَدَّثَنِي بَعْضُ مَنِ ابْتُعِثُوا إِلَيْهَا – كَقِطْعَةٍ مِنْ فَرَنْسَا فِي الْمَدَنِيَّةِ وَالتَّحَضُّرِ ؟! قَالُوا: نَعَمْ , وَلَكِنَّ (أُوغَنْدَا) تَتَمَيَّزُ بِأَرْضِهَا الْخَضْرَاءِ وَطَقْسِهَا الْجَمِيلِ طُولَ الْعَامِ ,وَمِنْ هُنَا فَأَنَا أُكِنُّ لَهَا كُلَّ الْحُبِّ وَأَغْلَى الذِّكْرَيَاتٍِ ,وَسَأُتْحِفُكِ يَا (هَنَاءُ) كُلَّ لَيْلَةٍ بِقِصَّةٍ مِنْ قَصَصِ (أُوغَنْدَا) اَلْعَرُوسُ الْخَضْرَاءُ, قَالَتْ (هَنَاءُ): فِي انْتِظَارِ قَصَصِكَ الْجَمِيلَةِ يَا عَمِّي ,وَرَاحَتْ(هَنَاءُ) فِي نَوْمٍ عَمِيقٍ وَالْعَمُّ(فَادِي) مَا زَالَ يَحْلُمُ بِاَلْعَرُوسِ الْخَضْرَاءِ.
—
{9} الْفَرْخَةُ السَّمْـرَاءْ قِصَّةٌ قَصِيرةْ
كَانَ يَا مَا كَانَ فِي سَالِفِ الْعَصْرِ وَالْأَوَانِ، وَلاَ يَحْـلُو الْكَلاَمُ إِلاَّ بِذِكْرِ النَّبِيِّ الْعَدْنَانِ، صَلُّوا عَلَيْهِ,فَهُوَ شَفِيعُنَا حَـتَّى نَدْخُلَ الْجِنَانَ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَي مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ – صَـلَّي اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – الَّذِي بَعَثَهُ اللَّهُ إِلَي كَافَّةِ بَنِي الْإِنْسَانِ وَآمَنَ بِهِ نَفَرٌ مِنَ الْجَانِّ، كَانُوا يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ، فَقَالَ تَعَالَي :- يَا أَحْـبَابَنَا الْوِلْدَانُ -( قُلْ أُوحِي إِلَيَّ أَنَّهُ اسْـتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْـنَا قُرْآناً عَجَباً , يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَـنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّـنَا أَحَدَا) (2) سُورَةُ الْجِنِّ , كُـنَّا نُرَبِّي الطُّـيُورَ فِي بَيْتِ جَدِّي شِحَاتَهْ شِحَاتَهْ عَلاَّمْ أَبُو وَالِدَتِي صَبَاحْ وَكُنَّا نُولِي عِنَايَةً وَاهْتِمَامَا كَبِيراً بِتَرْبِيَةِ الْفِرَاخِ فَكَانَتْ عِنْدَنَا الْفِرَاخُ مِنْ مُخْـتَـلَفِ الْأَشْكَالِ وَالْأَلْوَانِ اَلْفِرَاخُ الْحَمْرَاءُ وَالْفِرَاخُ الْـبَيْضَاءْ وَالْفِرَاخُ الْخَضْرَاءُ وَالْفِرَاخُ الْـبُـنّـِيَّـةُ وَالْفِرَاخُ الذَّهَبِيَّةُ الْأَلْوَانِ , قَالَ سَامِحٌ : وَهَلْ كُنْتَ تُحِبُّ هَذِهِ الدَّجَاجَاتِ يَا عَمُّو حَسَّانُ ؟! قَالَ عَمُّو حَسَّانُ :أَجَلْ يَا سَامِحُ فَهَذِهِ مَخْـلُوقَاتٌ جَمِيلَةٌ مِنْ مَخْـلُوقَاتِ اللَّهِ كُنْتُ مُعْجَباً بِهَا مَشْدُودَ الْقَلْبِ وَالْجَنَانِ, أَنْظُرُ لَهَا بِحَنَانٍ ,أَتَـأَمَّـلُهَا وَأَنَا حَيْرَانٌ,هَلْ أُمْسِكُهَا ؟! هَلْ أَتْرُكُهَا ,وَأَتَـأَمَّلُ فِيهَا جَمِيلَ الْأَلْوَانِ؟! وَأَلْمَحُ الدُّيُوكَ وَهِيَ فَرْحَانَةٌ بِالْآذَانِ كُوكُو كُكُو كُوكُو كُكُو ,وَحِّدُوا رَبَّكُمْ يَا بَنِي الْإِنْسِ وَالْجَانِّ , فَوَ اللَّهِ الَّذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ ,مَا أَحْـلَى الْإِسْلاَمَ وَمَا أَجْمَلَ الْإِيَمانَ!قَالَ نُورٌ:وَهَلْ كُنْتَ تُطْعِمُهَا وَتَسْقِيهَا يَا عَمُّو حَسَّانُ؟! ,قَالَ عَمُّو حَسَّانُ: أَجَلْ يَا نُورُ يَا وَلَدِي لَقَدْ كُنْتُ أَقْضِي السَّاعَاتِ والسَّاعَاتِ أُفَرْفِتُ لَهَا الْعَيْشَ فَرْفُوتَةً فَرْفُوتَةً وَالْفِرَاخُ لِأَكْلِهَا كَالْعَاشِقِ الْوَلْهَانِ ,كُنْتُ أُحِسُّ بِهَا وَكَانَتْ الدُّيُوكُ فَرْحَانَةً وَالدَّجَاجَاتُ يَشْعُرْنَ مَعِي بِالْأَمَانِ كُنْتُ أَضَعُ الْمَاءَ لَهُنَّ فِي ( اللُّحُوقِي ) وَهُوَ إِنَاءٌ كَبِيرٌ وَأَنْظُرُ لِلْفِرَاخِ وَهُنَّ يَشْرَبْنَ بِكُلِّ حُبٍّ وَحَنَانٍ وَبَعْدَ حَوَالَيْ أَرْبَعِ أَوْخَمْسِ سَاعَاتٍ أَجِدُ الْمَاءَ قَدْ تَعَكَّرَ فِي( اللُّحُوقِي ) ( فَـأَكُـبُّـهُ ) وَأَغْسِلُهُ وَأَضَعُ لَهُنَّ الْمَاءَ النَّظِيفَ جِدًّا فَيَشْرَبْنَ وَيَنْظُرْنَ إِلَيَّ بِاطْمِئْـنَانٍ وَلَكِنِّي لاَحَظْتُ مِنْ بَيْنِ الْفِرَاخِ فَرْخَةً سَمْرَاءَ تَخَـيَّـلْـتُ أَنَّهَا مَرِيضَةٌ, فَهِيَ مُنْزَوِيَةٌ فِي رُكْنٍ مِنَ ( الْخَزَانَةِ ) وَحْدَهَا،( كَاشَّةً) فِي نَفْسِهَا، تَرْغَبُ أَنْ تَظَلَّ طُولَ الْوَقْتِ فِي حَظِيرَةِ الدَّجَاجِ, قَالَ نَاجِحٌ : وَمَا شُعُورُكَ يَا عَمُّو حَسَّانُ تِجَاهَ الْفَرْخَةِ السَّمْرَاءِ ؟! قَالَ عَمُّو حَسَّانُ: حَزِنْتُ مِنْ أَجْلِهَا جِدًّا يَا نَاجِحُ وَلاَحَظْتُ أَنَّ بَقِيَّةَ الْفِرَاخِ يَنْظُرْنَ إِلَيْهَا فِي تَأَثُّرٍ وَحُزْنٍ بَالِغَيْنِ، وَظَلَّ الْوَضْعُ عَلَي هَذَا الْحَالِ يَوْماً وَاثْـنَـيْنِ وَثَلاَثَةً وَأَرْبَعَةً، وَبَعْدَ أَيَّامٍ لاَحَظَتْ أُمِّي الْحَاجَّةُ صَبَاحُ أَنَّ هَذِهِ الْفَرْخَةَ السَّمْرَاءَ تَـنْـتِـفُ رِيشَهَا وَتَحْفِرُ لِنَفْسِهَا حُفْرَةً صَغِيرَةً فِي الْحَظِيرَةِ وَتَفْرِشُهَا بِرِيشِهَا الْأَسْمَرِ الْجَمِيلِ فَقَالَتْ لِي أُمِّي : يَا حَسَّانُ, هَذِهِ الْفَرْخَةُ تُرِيدُ أَنْ تَرْقُدَ ؟ قُلْتُ: وَلَكِنَّهَا لَمْ تَبِضْ حَتَّى يَكُونَ لَدَيْهَا بَيْضٌ تَرْقُدَ عَلَيْهِ، قَالَتْ أُمِّي: اِذْهَبْ يَا حَسَّانُ وَاشْتَرِ بَعْضَ الْـبَيْضِ الْمُكَسَّرِ، فَذَهَـبْتُ وَأَحْضَرْتُ سَـبْعَ عَشْرَةَ بَيْضَةً وَضَعْـتُهَا فِي الْمَكَانَ الَّذِي فَرَشَتْهُ الْفَرْخَةُ السَّمْرَاءُ بِرِيشِهَا الْجَمِيلِ، رَقَدَتِ الْفَرْخَةُ السَّمْرَاءُ عَلَي الْـبَـيْضِ وَلَحَظْتُ تَحَسُّنَ حَالَتِهَا النَّفْسِيَّةِ وَالْمَزَاجِيَّةِ وَالصِّحِّـيَّةِ بَعْدَ رُقَادِهَا عَلَي الْـبَيْضِ، وَبَعْدَ أَيَّامٍ نَقَرَتِ الْفَرْخَةُ السَّمْرَاءُ الْـبَيْضَ وَخَرَجَ مِنْهُ سِتَّةَ عَشَرَ كَتْكُوتاً فِي غَايَةِ الْجَمَالِ، فَرِحْتُ بِالْكَتَاكِيتِ وَفَرِحْتُ أَكْـثَرَ لِتَحَسُّنِ حَالَةِ الْفَرْخَةِ السَّمْرَاءِ الْأُمِّ الَّتِي كُنْتُ أَظُـنُّهَا سَتَمُوتُ وَلَكِنْ سُبْحَانَ ( مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ ) يس 78
—
{10} اَلْقِطَّةُ انْتِصَارْ قِصَّةٌ قَصِيرةْ
لاَ أَدْرِي مَاذَا أَفْعَلُ؟!!!أُحَدِّثُ مَنْ عَنْ هُمُومِي وَآلاَمِي وَأَحْزَانِي؟!!! وَالْعَالَمُ كُلُّهُ ضِدِّي حَتَّى الْأَهْلِ أُحِسُّ أَنَّهُمْ قَدْ تَغَيَّرُوا أَيَصِيرُ الدَّمُ مَاءً؟!!! اِنْحَدَرَتْ دَمْعَةٌ مِنْ عَيْنِ الْقِطَّةِ الصَّغِيرَةِ (جَمِيلَةَ) وَهِيَ تُحَدِّثُ نَفْسَهَا بِتِلْكَ الْكَلِمَاتِ لَمَحَتْهَا عَمَّتُهَا الذَّكِيَّةُ اَلْقِطَّةُ انْتِصَارْ فَأَقْبَلَتْ عَلَيْهَا وَأَخَذَتْهَا بَيْنَ أَحْضَانِهَا فِي حَنَانٍ وَإِشْفَاقٍ :”لاَ تَبْكِي يَا (جَمِيلَةَ) دَمْعَتُكِ غَالِيَةٌ يَا ابْنَــتِي الصَّغِيرَةَ تَهُونُ الدُّنْيَا وَلاَ أَرَاكِ تَبْكِينَ ” اِنْهَمَرَتِ الدُّمُوعُ مِنْ عَيْنَيِ الْقِطَّةِ الصَّغِيرَةِ (جَمِيلَةَ) فَقَالَتْ لَهَا عَمَّتُهَا اَلْقِطَّة ُ(انْتِصَارْ):” فَضْفِضِي يَا ابْنَــتِي وَلَكِنِ اصْبِرِي حَتَّى الْاِنْتِصَارُ فَحَتْمَاً بَعْدَ اللَّيْلِ سَيَطْلُعُ النَّهَارُ مَهْمَا طَالَ الْاِنْتِظَارُ” اِنْحَدَرَتِ الدُّمُوعُ عَلَى خَدَّيِ الْقِطَّةِ (جَمِيلَةَ) وَقَالَتْ:- وَقَدْ عَادَ إِلَيْهَا الْأَمَلُ – “أَعْرِفُ ذَلِكَ يَا عَمَّتَاهْ وَأُوقِنُ أَنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ وَلَكِنِّي لاَ أُحِبُّ الْكَلْبَةَ الشَّرِسَةَ (مُجْرِمَةَ) الَّتِي جَاءَتْ واسْتَوْطَنَتْ فِي بَيْتِنَا رَغْماً عَنَّا وَسَاعَدَهَا فِي ذَلِكَ كِلاَبُ الْعَالَمِ الضَّالَّةُ وَخَاصَّةً الْكَلْبَةَ الْكَبِيرَةَ (زَوَالَ) الَّتِي تُحَاوِلُ أَنْ تَلْعَبَ لُعْبَتَهَا وَتَتَحَكَّمَ فِي مَصِيرِنَا وَتَفْرِضَ سَيْطَرَتَهَا عَلَيْنَا وَعَلَى كُلِّ بُقْعَةٍ فِي الْعَالَمِ وَمِمَّا يَحِزُّ فِي نَفْسِي أَنَّ خَالَتِي الْقِطَّةَ (غَبِيَّةَ) تَمْشِي وَرَاءَ هَؤُلاَء الْكِلاَبِ وَتُسَاعِدُهُمْ فِي إِحْكَامِ السَّيْطَرَةِ عَلَيْنَا” هَزَّتِ اَلْقِطَّةُ (..انْتِصَارُ) ذَيْلَهَا وَابْتَسَمَتْ قَائِلَةً:”لاَ تَأْسَيْ عَلَى هَؤُلاَء الْكِلاَبِ يَا (جَمِيلَةُ) وَسَتَرْجِع خَالَتُكِ الْقِطَّةُ (غَبِيَّةُ) عَنْ غَيِّهَا وَتَثُوبُ إِلَى رُشْدِهَا وَتَكُفُّ عَنِ التَّعَاوُنِ مَعَ الْكِلاَبِ الْمَسْعُورَةِ الضَّالَّةِ أَمَّا مَصِيرُ هَؤُلاَءِ الْكِلاَبِ فَسَأُحَدِّثُكِ عَنْ قِصَّةِ أَجْدَادِ هَؤُلاَءِ الْكِلاَبِ: لَقَدْ كَانَتِ الْحُكُومَةُ فِي الْمَاضِي تَبْعَثُ رَجُلاً يَحْمِلُ الْبُنْدُقِيَّةَ وَالْعَصَا وَالسُّمُومَ لِيَقْضِيَ عَلَى الْكِلاَبِ الْمَسْعُورَةِ بِكُلِّ الْوَسَائِلِ الَّتِي يَسْتَطِيعُهَا فَأَوْشَكَ الْعَالَمُ أَنْ يَتَخَلَّصَ مِنْ تِلْكَ الْكِلاَبِ الضَّالَّةِ لَوْلاَ مَا نَادَى بِهِ الْبَعْضُ تَحْتَ شِعَارِ(الرَّحْمَةِ بِالْحَيَوَانِ) فَانْتَهَزَتْ تِلْكَ الْكِلاَبُ الْفُرْصَةَ وَأَحْكَمَتْ سَيْطَرَتَهَا عَلَى الْعَالَمِ وَلَكِنْ يَا صَغِيرَتِي سَنَعُودُ لِمُقَاوَمَةِ تِلْكَ الْكِلاَبِ وَنُحَرِّرُ كُلَّ أَجْزَاءِ وَحُجُرَاتِ بَيْتِنَا مِنْهَا وَسَنَتَعَاوَنُ نَحْنُ مَعْشَرَ الْقِطَطِ حَتَّى تَعُودَ لَنَا هَيْبَتُنَا وَنَتَمَتَّعَ بِحَيَاتِنَا وَشَمْسِنَا وَالْهُدُوءِ وَالاِسْتِقْرَارِ فِي بَيْتِنَا وَنُقِيمَ الْأَفْرَاحَ وَاللَّيَالِيَ الْمِلاَحَ” اِبْتَسَمَتِ الْقِطَّةُ الصَّغِيرَةُ (جَمِيلَةُ) وَقَالَتْ: وَسَتَكُونِينَ أَنْتِ أَمِيرَتُنَا يَا عَمَّتِي(..انْتِصَارُ) .
—
{11} اَلْقِطَّةُ سَبِيلَةْ قِصَّةٌ قَصِيرةْ
اِسْتَيْقَظَ (أَحْمَدُ) مِنَ النَّوْمِ عَلَى صَوْتِ ابْنَةِ عَمِّهِ (حَيَاةْ) وَهِيَ تُلاَعِبُ قِطَّتَهَا ,فَجَرَى إِلَيْهَا وَأَلْقَى عَلَيْهَا السَّلاَمَ قَائِلاً: اَلسَّلاَمُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ يَا ابْنَة َعَمِّي حَيَاةُ ,فَقَالَتْ لَهُ :أَلْقِ السَّلاَمَ وَلَكِنْ لاَ تَخُصَّ بِهِ أَحَداً , فَقَالَ (أَحْمَدُ): وَلِمَاذَا لاَ أَخُصُّ أَحَداً بِعَيْنِهِ بِاَلسَّلاَمِ؟! , قَالَتْ (حَيَاةُ):حَتَّى لاَ يَحْزَنَ الْآخَرُونَ , قَالَ (أَحْمَدُ):وَهَلْ مَعَكِ أَحَدٌ؟!, قَالَتْ (حَيَاةُ): نَعَمْ… قِطَّتِيُ00سَبِيلَةُ , قَالَ (أَحْمَدُ) :- مُبْتَسِماً – وَهَلْ تُحِسُّ الْقِطَّةُ .. سَبِيلَةُ هَذِهِ مِنْ قَرِيبٍ أَوْ بَعِيدٍ ؟! قَالَتْ (حَيَاةُ): لَقَدْ حَكَتْ لَنَا الْمُعَلِّمَةُ/عَطِيَّاتُ فِي الْحَضَانَةِ أَنَّ الْحَيَوَانَاتِ تُحِسُّ كَمَا يُحِسُّ الْإِنْسَانُ وَتَفْرَحُ وَتَتَأَلَّمُ وَتُعَبِّرُ عَنْ فَرَحِهَا وَأَلَمِهَا وَلَكِنَّهَا لاَ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَنْطِقَ , قَالَ (أَحْمَدُ) : بَسِيطَةٌ ,حَاضِرٌ يَا سِتِّي , اَلسَّلاَمُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ, قَالَتْ (حَيَاةُ): وَعَلَيْكُمْ السَّلاَمُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ ,وَهَزَّتِ الْقِطَّةُ ذَيْلَهَا وَأَخَذَتْ تَقْفِزُ وَتَهْبِطُ فِي فَرْحَةٍ وَسَعَادَةٍ ,كَأَنَّهَا تُغَنِّي وَهِيَ تُقْبِلُ عَلَى (أَحْمَدُ) , قَالَتْ (حَيَاةُ): إِنَّ قِطَّتِي سَبِيلَةُ تَرُدُّ عَلَيْكَ السَّلاَمَ , قَالَ (أَحْمَدُ) : وَهَلْ تَفْهَمُ لُغَتِي تِلْكَ الْقِطَّةُ؟! , قَالَتْ (حَيَاةُ): لَقَدْ أَخْبَرَتْنِي أُمِّي أَنَّ تِلْكَ الْقِطَّةَ وُلِدَتْ فِي نَفْسِ الْأَيَّامِ الَّتِي وُلِدْتُ فِيهَا , وَكَانَتْ صَغِيرَةً مِثْلِي تَمَاماً , فَكَانَتْ تَأْتِي وَتَجْلِسُ إِلَى جِوَارِ أُمِّي وَهِيَ تُرْضِعُنِي ,وَأَبِي يُحَاوِلُ أَنْ يَصْرِفَهَا , وَلَكِنَّ الْقِطَّةَ تَأْبَى أَنْ تَنْصَرِفَ ,ضَحِكَتْ أُمِّي وَ قَالَتْ لِأَبِي: اُتْرُكْ هَذِهِ الْقِطَّةَ الْجَمِيلَةَ ,إِنَّهَا وُلِدَتْ فِي نَفْسِ الْيَوْمِ الَّذِي وُلِدَْتْ فِيهَا ابْنَتُنَا (حَيَاةُ) , وَلَعَلَّهَا مُتَعَلِّقَةٌ بِهَا ,فَالْأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ ,قَالَ أَبِي: حَسَناً ,رُبَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ أَفْضَلَ ,وَتَرَكَهَا إِلَى جِوَارِي وَانْصَرَفَ , قَالَتْ أُمِّي:فَشَهِدْتُ مِنْ هَذِهِ الْقِطَّةِ عَجَباً , كَانَتْ تَبْكِي عِنْدَمَا تَبْكِينَ يَا (حَيَاةُ),وَتَقُولُ: نَوْ نَوْ – بَصَوْتٍ حَزِينٍ – وَكَانَتْ تَفْرَحُ عِنْدَمَا تَجِدُكِ تَبْتَسِمِينَ وَتُعَبِّرُ عَنْ فَرْحَتِهَا بِأَنْ تَنُطَّ وَتُغَنِّيَ وَتَقْفِزَ وَتَهْبِطَ وَهِيَ تَقُولُ : نَوْ نَوْ نَوْ… نَوْ نَوْ نَوْ… نَوْ نَوْ نَوْ , وَبَعْدَ ذَلِكَ نَشَأَتْ صَدَاقَةٌ بَيْنَكِ وَ بَيْنَ هَذِهِ الْقِطَّةِ , فَكَانَتْ تُحِبُّكِ يَا (حَيَاةُ) كَمَا أَنَّكِ تُحِبِّينَهَا أَكْثَرَ مِنْ نَفْسِكِ , قَالَ (أَحْمَدُ) : وَهَلْ تَلْعَبُ هَذِهِ الْقِطَّةُ مَعَكِ يَا (حَيَاةُ)؟! قَالَتْ:نَعَمْ ,تَلْعَبُ الْكُرَةَ وَتَقْفِزُ فَوْقَهَا وَتَقَعُ وَتَمْرَحُ وَتَرْكُلُهَا بِرِجْلَيْهَا , فَكَانَتْ هَذِهِ الْقِطَّةُ سَبِيلِي وَطَرِيقِي لِإِدْخَالِ السَّعَادَةِ إِلَى قَلْبِي ,وَلِذَلِكَ سَمَّيْتُهَا سَبِيلَةَ, قَالَ (أَحْمَدُ) :- مُتَعَجِّباً- كَيْفَ يَا (حَيَاةُ)؟! قَالَتْ (حَيَاةُ): أَجَلْ سَمَّيْتُهَا وَغَنَّيْتُ لَهَا قَائِلَةً: لِي قِطَّةٌ جَمِيلَةْ ,سَمَّيْتُهَا سَبِيلَةْ , لِلْحُبِّ وَالْغِنَاءْ , وَالْبَذْلِ وَالْعَطَاءْ ,مَا أَجْمَلَ الْغِنَاءْ, وَالْبَذْلَ وَالْعَطَاءْ, تَلْعَبُ بِالْكُرَاتِ ,فَأَسْعَدَتْ حَيَاتِي ,فِي الصُّبْحِ وَالْمَسَاءْ ,تَجْرِي بِلاَ عَنَاءْ , تَعِيشُ فِي رِيَاضَةْ ,وَلَمْ تَجِدْ غَضَاضَةْ ,أَنْ تُشْرِكَ الصَّبِيَّةْ ,وَكَانَتْ بِي حَفِيَّةْ ,دَخَلَتِ الْأُمُّ عَلَيْهِمَا وَهِيَ تَسْمَعُ ابْنَتَهَا تُغَنِّي لِقِطَّتِهَا ,فَنَادَتْ أَبَاهَا – فِي فَرْحَةٍ وَسَعَادَةٍ- قَائِلَةً: إِنَّ ابْنَتَكَ (حَيَاةُ) شَاعِرَةٌ , قَالَتْ (حَيَاةُ): وَمَا مَعْنَى شَاعِرَةٍ يَا أُمِّي؟! قَالَتِ الْأُمُّ:تُحِبِّينَ الشِّعْرَ وَالْغِنَاءَ, وَقَدْ فَطَرَكِ اللَّهُ عَلَى حُبِّهِ, قَالَ الْأَبُ: سَنُشَجِّعُكِ يَا (حَيَاةُ) عَلَى تَنْمِيَةِ هَذِهِ الْمَوْهِبَةِ الْجَمِيلَةِ الَّتِي فَطَرَكِ اللَّهُ عَلَيْهَا , قَالَتْ (حَيَاةُ):كَيْفَ يَا أَبِي؟! قَالَ الْأَبُ: “سَأُحْضِرُ لَكِ الْكُتُبَ الَّتِي الشِّعْرَ وَالْغِنَاءَ وَأُشَجِّعُكِ عَلَى قِرَاءَتِهَا وَحِفْظِهَا وَمَعْرِفَةِ مَا فِيهَا مِنْ كَلِمَاتٍ جَمِيلَةٍ تُحِسِّينَهَا بِقَلْبِكِ وَتَفْهَمِينَهَا بِعَقْلِكِ” قَالَتْ(حَيَاةُ): شُكْراً, اَلْفَضْلُ كُلُّ اَلْفَضْلِ لَكُمَا بَعْدَ اللَّهِ, اَلْفَضْلُ كُلُّ اَلْفَضْلِ لَكُمَا بَعْدَ اللَّهِ.
—
{12} اَلـْكَلـْـبَةْ قِصَّةٌ قَصِيرةْ
اَلـْكَلـْـبَةُ (هَاوْ) كَلـْـبَـةٌ طَـيِّـبَـةُ الـْقَلـْبِ,عَفـِيفَةُ اللِّسَانِ مُخْلـِصَةٌ جِدًّا لـِصَاحِبـِهَا,أَمِينـَةٌ عَلـَيْهِ وَعَلَى بَيْتِهِ وَأُسْرَتِهِ, اَلـْكَلـْـبَةُ (هَاوْ) تَسْهَرُ طَوَالَ اللـَّيْلِ خَلـْفَ بَوَّابـَةِ بـَيْتِ صَاحِبـِهَا الـْمُعَلـِّمِ(السَّلـْخِ)تـَاجِرِ الـْبـَهَائِمِ وَالـْمَوَاشِي,وَالـْفَلاَحِ فِي نَفْسِ الـْوَقـْتِ ,كَانَ الـْمُعَلـِّمُ (السَّلـْخُ) رَجُلاً طَيِّباً يُتـَاجِرُ فِي الـْبـَهَائِمِ وَالـْمَوَاشِي يَوْمَيِ الثـُّلاَثـَاءِ وَالـْخَمِيسِ, وَكَانَ تـَاجِراً أَمِيناً,لاَ يُحِبُّ أَنْ يَكْسِبَ إِلاَّ الـْقِرْشَ الـْحَلاَلَ ,وَمَعَ ذَلـِكَ كَانَ كَثـِيرَ الإِنـْفَاقِ, وَكَانَ دَائِماً مَا يَتَذَكَّرُ قَوْلَهُ تَعَالَى:(يَا أَيُهَا الـَّذِينَ آمَنُوا أَنـْفِقُوا مِمَّا رَزَقـْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلـَّةٌ وَلاَ شَفَاعَةٌ وَالـْكَافِرُونَ هُمُ الظـَّالـِمُونَ) سُورَةُ الـْبَقَرَةِ الآيَة 267,يُقَابِلُهُ بَعْضُ أَصْدِقَائِهِ وَيَطْـلُـبُونَ مِنْهُ أَنْ يُقَلـِّلَ مِنْ إِنـْفَاقِهِ عَلَى الـْفُقَرَاءِ فَيُذَكِّرَهُمْ بـِقَوْلِهِ تَعَالَى:(وآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللهِ الـَّذِي آتَاكُمْ) الآيَةِ33 سُورَةُ النـُّورِ,وَقَوْلِهِ جَلَّ شَأْنُهُ:(وَالـَّذِينَ فـِي أَمْوَالـِهِمْ حَقٌ مَعْـلُومٌ24 للسَّائِلِ وَالـْمَحْرُومِ25) (سُورَةُ الحاقة) فَيَقُولُونَ بَارَكَ اللهُ فِيكَ يَا(عَمُّ السَّلـْخُ) وَأَكـْثـَرَ مِنْ أَمْثـَالـِكَ وَفَتَحَ لَكَ أَبـْوَابَ رَحْمَتِهِ وَكُنُوزَ سَعَادَتِهِ, كَانَ الـْمُعَلـِّمُ (السَّلـْخُ) لاَ يَشْغَلُ بَالَهُ بِهَذِهِ الدَّعَوَاتِ النَّابِعَةِ مِنْ قُلُوبِ النَّاسِ بِقَدْرِ مَا يَشْغَلُ بَالَهُ أَنْ يَكُونَ عَمَلُهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ,وذَاتَ يَوْمٍ نَامَ (عَمُّ السَّلـْخُ) بَعْدَ أَنْ صَلَّى الـْعِشَاءَ والسُّنَنَ الـْبَعْدِيَّةَ وَالْوِتْرَ فَرَأَى فِيمَا يَرَى النَّائِمُ رَجُلاً ذَا جِلْـبَابٍ أَبْيَضَ وَطَاقِيَّةٍ بَيْضَاءَ مُرَبَّعَةٍ يَقُولُ لَهُ:يَا سَلْخُ لـَقَدْ كَبُرَتْ كَلـْـبَتـُكَ وَوَجَبَ عَلـَيْكَ أَنْ تـُزَوِّجَهَا,أَصْبَحَ (عَمُّ السَّلـْخُ) فَصَلـَّى الـْفـَجْرَ ,وَقَالَ:اللـَّهُمَّ اجْعَلـْهُ خَيْراً وَفَكَّر كَثِيراً فِي هَذَا الـْحُلـْمِ,وَقَالَ:-فِي نَفـْسِهِ-لاَبُدَّ أَنْ أُدَبـِّرَ زِيجَةً طَيِّبَةً لـِهَذِهِ اَلـْكَلـْـبَةِ السَّمْرَاءِ الصَّالِحَةِ,وَفِي تِلـْكَ اللـَّحْظَةِ قَفَزَ إِلَى ذِهْنِهِ الـْكَلـْبُ الأَبـْيَضُ الـَّذِي يَحْرُسُ النـَّاحِيَةَ الـْقِبـْلـِيَّةَ لِبَيْتِهِ فَهُوَ كَلْبٌ شَهْمٌ وَوَفِيٌّ ,فَأَحْضَرَهُمَا وَوَضَعَ لَهُمَا الطَّعَامَ مَعاً,وَجَهَّزَ لـَهُمَا عُشَّةً جَمِيلَةً جِوَارَ النـَّاحِيَةِ الـْقِبـْلـِيَّةِ, وَبَارَكَ زَوَاجَهُمَا وَتَرَكَهُمَا شَهْراً كَامِلاً حَتـَّى حَمَلَتْ اَلـْكَلـْـبَةُ (هَاوْ) حَمْلاً ثـَقِيلاً,وَأَخَذَ الـْكَلـْبُ الأَبـْيَضُ(رَاجْ)يَرْعَاهَا أَثـْنـَاءَ الـْحَمْلِ وَيُسَاعِدُهَا,وَيَجْلِبُ لَهُمَا الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ حَتـَّى تَمَّمَ اللهُ لَهَا,وَأَنـْجَبـَتْ اثـْنـَيْ عَشَرَ جَرْواً (مُلـَبـَّطَةً) بِالأَسْمَرِ وَالأَبـْيَضِ,رَائِعَةَ الـْجَمَالِ فَرِحَ بِهَا (عَمُّ السَّلـْخُ)وَاسْتـَبـْشَرَ خَيْراً بـِقـُدُومِهَا,بـَعْدَهَا كَانَ(عَمُّ السَّلـْخُ)يَمْتـَلـِكُ فَدَّاناً مِنَ الأَرْضِ الزِّرَاعِيَّةِ جَاءَ فِي زِمَامِ الـْكَرْدُونِ الـَّذِي تـُخَطـِّطـُهُ الدَّوْلـَةُ لِلـْمَبَانِي,وَبَنَى(عَمُّ السَّلـْخُ)عَشْرَ عِمَارَاتٍ سَكَنِيَّةٍ لأَهْلِ قَرْيَتِهِ الطـَّيِّبـِينَ بِأَسْعَارٍ رَمْزِيَّةٍ ,وَكَبُرَتِ الـْجِرَاءُ وَأَصْـبَحَتْ كِلاَباً شَابَّةً تَـتَـنَـاوَبُ فِي حِرَاسَةِ الـْعِمَارَاتِ الـْعَشْرَةِ,وَقَالَ أَهْلُ الـْقَرْيَةِ: يَا (عَمُّ السَّلـْخُ)فَتَحْتَ لـَنَا بَاباً مِنَ الـْخَيْرِ فَفَتَحَ اللهُ لَكَ عَشْرَةَ أَبْوَابٍ (و اللهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلـِيمٌ)سُورَةُ الـْبَقَرَةِ الآيَة 261
—
{13} اَلْمَاعِزْ قِصَّةٌ قَصِيرةْ
اَلْوَلَدُ (سَامِي) وَلَدٌ طَـيِّبُ الْقَلْبِ يُحِبُّ جَمِيعَ مَخْـلُوقَاتِ اللَّهِ , يُحِبُّ الْإِنْسَانَ وَالْحَيَوَانَ وَالطُّـيُورَ وَالنَّـبَاتَ وَالْحَشَرَاتِ , تَعَـلَّمَ مِنْ أَبِيهِ أَنْ يَكُونَ رَحِيماً , حَـتَّى بِأَغْصَانِ الشَّجَرِ كَانَ ذَاتَ يَوْمٍ يَقْطَعُ غُصْناً مِنْ شَجَرَةِ صَفْصَافٍ دُونَ أَنْ تَكُونَ لَهُ مَصْـلَحَةٌ فِي ذَلِكَ , فَعَاتَـبَهُ أَبـُوهُ قَائِلاً : أَلَمْ تَسْمَعْ قَوْلَ الشَّاعِرِ الْكَبِيرِ أ .د /(محمد رجب البيومي) وَهُوَ يَقُولَ : اِرْحَمِ الْغُصْنَ لاَ تَنَلْهُ بِسُوءٍ، قَدْ يُحِسُّ النَّـبَاتُ كَالْإِنْسَانِ، قَالَ (سَامِي): أَجَلْ يَا أَبِي , إِنَّهُ شَاعِرٌ جَمِيلُ الْمَشَاعِرِ, وَلكِنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَنَا هَذِهِ الْأَشْجَارَ لِمَـنْـفَعَتِنَا، قَالَ الْأَبُ : عِنْدَمَا تَكُونَ هُنَاكَ مَنْفَعَةٌ , اقْطَعْ مَا شِئْتَ ,تَلَفَّتَ (سَامِي)فَإِذَا بِقَطِيعٍ مِنَ الْأَغْـنَامِ وَالْمِعَازِ , وَالرَّاعِي يَتَوَقَّفُ وَيُلْقِي عَـلَـى وَالِدِ (سَامِي)السَّلاَمَ وَيُسَلِّمُ عَلَيْهِ وَيَسْـتَـأْذِنُهُ فِي قَطْعِ بَعْضِ فُرُوعِ الصَّفْصَافِ الصَّغِيرَةِ , فَـأَذِنَ لَهُ اَلْوَالِدُ , وَوَضَعَ الرَّاعِي الْفُرَوعَ أَمَامَ الْأَغْـنَامِ وَالْمَوَاعِزِ فَـأَكَـلَـتْهَا عَنْ بُكْـرَةِ أَبِيهَا , لَحْظَـتَهَا قَالَ (سَامِي) فِي نَفْسِهِ : وَجَدْتـُهَا، أَشْـتَرِي مَاعِزَةً وَأُطْعِمُهَا كَمَا أُرِيدُ , صَفْصَافاً، حَشَائِشَ ، بَرْسِيماً , عَشَّشَتِ الْفِكْـرَةُ فِي ذِهْنِ (سَامِي), فَـأَخْـبَرَ وَالِدَهُ بِـهَذِهِ الْأُمْنِيَةِ الْغَالِيَةِ,فَقَالَ لَهُ أَبـُوهُ : غَاوِي تَرْبِيَةَ مَوَاعِزَ يَا (سَامِي) ؟ قَالَ (سَامِي) : نَعَمْ يَا أَبِي أَرْجُوكَ , أُرِيدُ أَنْ أَشْتَرِي مَاعِزَةً , قَالَ أَبـُوهُ ؟ بَسِيطَةٌ يَا سَـيِّدِي ( الزَّرِيبَةُ ) فِي الْـبَيْتِ وَاسِعَةٌ , وَالْمَرْبــَطُ فِي الْغَيْطِ مَا شَاءَ اللَّهُ , مَـلْعَبُ كُرَةٍ , وَسُوقُ الثُّلاَثَاءِ غَداً نَشْـتَرِي اَلْمَاعِزَةَ , مَـبْسُوطٌ يَا (سَامِي)؟! , ضَحِكَ (سَامِي) و قَالَ : رَبـَّـنَا يُخَلِّيكَ لَـنَا يَا بَاشَا يَا سَـيِّدَ الْكُلِّ، أَخَذَ (سَامِي) يُوَالِي اَلْمَاعِزَةَ بِالطَّعَامِ وَالشَّـرَابِ حَـتَّى كَـبُرَتِ اَلْمَاعِزَةُ, و قَالَتِ الْأُمُّ : يَجِبُ عَـلَـيْكَ يَا (سَامِي) أَنْ تَـأْخُذَ اَلْمَاعِزَةَ يَوْمِيًّا إِلَى جِدْيِ خَالَتِكَ نَفِيسَةَ حَـتَّى يُـلَـقِّحَهَا، كُلَّ يَوْمٍ يَـأْخُذُ (سَامِي) اَلْمَاعِزَةَ لِلْجِدْيِ , حَـتَّى قَالَ له (مِغَاوْرِي) ابْنُ الْخَالَةِ نَفِيسَةَ , مَـبْرُوكٌ يَا (سَامِي) سَـتُصْبِحُ مِنَ الْأَثـْرِيَاءِ, وَبَعْدَ فَـتْـرَةٍ مِنَ الزَّمَنِ وَلَّدَ (سَامِي) اَلْمَاعِزَةَ فَـأَنْجَـبَتْ جِدْياً وَمِاعِزَتـَـيْنِ , قَالَ لَهُ الْأَبُ : لَقَدْ تَـأَكَّدْتُ الْآنَ يَا (سَامِي) مِنْ شَغَفِكَ بِتَرْبِيَةِ الْمِعَازِ وَلِذَا سَـأُخَصِّصُ لَكَ ( زَرِيبَةً ) كَامِلَةً تُرَبِّي فِيهَا مَا شِئْتَ، بَرَكَاتُكَ
يَا سَيِّدِي، وَأَصْـبَحَ لَدَى (سَامِي) قَطِيعاً كَبِيراً مِنَ الْأَغْـنَامِ وَالْمَوَاعِزِ , ذَاتَ يَوْمٍ احْـتَاجَ وَالِدُهُ شَاةً لِعَمَلِ خَاتِمَةٍ لِأَهْلِ اللَّهِ فَطَـلَبَ مِنْ (سَامِي) شَاةً سَمِينَةً، قَالَ (سَامِي) : خُذْ مَا شِئْتَ يَا أَبِي , قَالَ الْأَبُ : كُـلُّـهُ بِفُلُوسِهِ , قَالَ (سَامِي): مَاذَا تَعْنِي يَا وَالِدِي ؟! قَالَ الْأَبُ :أُعْطِيكَ الثَّمَنَ يَا وَلَدِي وَأَنَا سَعِيدٌ أَنَّ ابْنِي أَصْـبَحَ ثَرِيًّا , وَأَنْتَ أَوْلـَى مِنَ الْغَرِيبِ , قَالَ (سَامِي) : يَا أَبِي ,لَقَدْ تَعَـلَّمْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى الَّلهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمْ أَنَّ الْوَلَدَ وَمَالَهُ لِأَبِيهِ , قَالَ الْوَالِدُ : بَارَكَ اللَّهُ فِيكَ وَفِي مَعِزِكَ وَأَغْـنَامِكَ , وَعُمِلَتِ الْخَاتِمَةُ وَحَضَرَ فِيهَا الْفُقَهَاءُ وَحَفَظَةُ الْقُرْآنِ وَقَرَأَ كُلُّ شَيْخٍ رُبْعاً، وَلَمَّا انْـتَهَوْا دَعَوْا (لِسَامِيَ)وَعَائِلَتِهِ بِالْخَيْرِ وَالْـبَرَكَةِ وَأَصْـبَحَ (سَامِي)مِنَ الْأَثـْرِيَاءِ الْمَعْدُودِينَ عَـلَـى الْأُصْـبُعِ بِجِدِّهِ وَعَمَلِهِ الطَّـيِّبِ وَحُسْنِ تَفْكِيرِهِ وَبَرَكَةِ دُعَاءِ الْوَالِدَيْنِ .
—
{14} اَلْهِجْرَةْ قِصَّةٌ قَصِيرةْ
كَانَتْ (رِحَابُ) حَزِينَةً جِدًّا لِأَنَّهُمْ سَوْفَ يَتْرُكُونَ بَلْدَتَهُمْ الَّتي نَشَئُوا فِيها وَتَرَعْرَعُوا عَلَى تُرَابِهَا ,وَتَعَوَّدُوا عَلَى حُبِّهَا , أَخَذَتْ (رِحَابُ) جَانِباً مِنَ الْحُجْرَةِ الْخَلْفِيَّةِ ,مُنْطَوِيَةً عَلَى نَفْسِهَا ,تَبْكِي بِحُرْقَةٍ ,لِأَنَّ أَعْمَامَهَا طَرَدُوهُمْ مِنَ الْبَيْتِ بَعْدَ مَوْتِ أَبِيهَا بِالْمَكْرِ وَالخَدِيعَةِ ,سَمِعَتْهَا أُمُّهَا وَهِيَ تُنَهْنِهُ ,فَدَخَلَتْ عَلَيْهَا وَمَسَحَتْ دُمُوعَهَا وَطَبْطَبَتْ عَلَيْهَا فِي رِقَّةٍ وَحَنَانٍ وَقَالَتْ: لاَ تَبْكِي يَا (رِحَابُ) وَ لاَ تَحْزَنِي وَ لاَ تُنَهْنِهِي ,فَلَقَدْ أُخْرِجَ مِنْ قَبْلِنَا أَعَزُّ خَلْقِ اللَّهِ عَلَى اللَّهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – , اِنْدَهَشَتْ (رِحَابُ) وَنَسِيَتْ أَحْزَانَهَا وَكَفْكَفَتْ دُمُوعَهَا وَسَأَلَتْ أُمَّهَا :وَكَيْفَ يَا أُمِّي ؟! َقَالَتِ الْأُمُّ: تَعْلَمِينَ يَا (رِحَابُ) أَنَّ الرَّسُولَ وُلِدَ يَتِيماً مُفْرداً بَعْدَ مَوْتِ أَبِيهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ وَهُوَ مَا زَالَ جَنِيناً فِي بَطْنِ أُمِّهِ, ثُمَّ أَصْبَحَ يَتِيماً مُزْدَوَجاً بَعْدَ مَوْتِ أُمِّهِ (آمِنَةَ), قَالَتْ (رِحَابُ)- مُتَأَثِّرَةً-: نَعَمْ يَا أُمِّي , َقَالَتِ الْأُمُّ :وَقَدْ كَفَلَهُ جَدُّهُ عَبْدُ الْمُطَّلِبْ , ثُمَّ تَوَفَّى جَدُّهُ عَبْدُ الْمُطَّلِبْ وَ كَفَلَهُ عَمُّهُ أَبُو طَالِبٍ بَعْدَ ذَلِكَ , وَعَمِلَ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – بِالتَّجَارَةِ , وَأُعْجِبَتْ بِهِ السَّيِّدةُ (خَدِيجَةُ) ,وَكَانَتْ امْرَأَةً غَنِيَّةً تَكْبُرُهُ فِي السِّنِّ بِخَمْسَ عَشَرَةَ سَنَةً , ذَاتَ حَسَبٍ وَنَسَبٍ وَجَمَالٍ ,يَتَمَنَّاهَا لِنَفْسِهِ أَوْجَهُ وُجَهَاءِ الْعَرَبِ , وَلَكِنَّهَا فَضَّلَتْ مُحَمَّداً وَتَمَلَّكَهَا حُبُّهُ لِمَا رَأَتْ فَيهِ مِنْ صِفَاتٍ جَمِيلَةٍ قَلَّ أَنْ تُوجَدَ فِي شَبَابِ ذَلِكَ الزَّمَنِ , وَلِمَا سَمِعَتْ مِنْ غُلاَمِهَا (مَيْسَرَةَ) عَجَبَ الْعُجَابِ مِنْ أَنَّ غَمَامَةً كَانَتْ تُظِلُّهُ , وَعِنَايَةً مِنَ اللَّهِ كَانَتْ تَحْرُسُهُ أَثْنَاءَ خُرُوجِهِ فِي تِجَارَتِهَا , وَجَاءَتْهُ الرِّسَالَةُ , وَكَانَتْ (خَدِيجَةُ) أَوَّلَ مَنْ آمَنَ بِهِ مِنَ النِّسَاءِ , وَ(أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ) أَوَّلَ مَنْ آمَنَ بِهِ مِنَ الرِّجَالِ وَ(عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ) أَوَّلَ مَنْ آمَنَ بِهِ مِنَ الصِّبْيَانِ , وَزَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ أَوَّلَ مَنْ آمَنَ بِهِ مِنَ الْمَوَالِي , وَكَانَتْ بَنَاتُ النَّبِيِّ– صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – (زَيْنَبُ) وَ (أُمُّ كُلْثُومٍ) وَ (رُقَيَّةُ) مِنْ أَوَائِلِ الْمُؤْمِنَاتِ بِهِ , وَكَانَتْ دَارُ الْأَرْقَمِ بْنِ أَبِي الْأَرْقَمِ مَرْكَزَ الدَّعْوَةِ الْإِسْلاَمِيَّةِ السَّرِّيَةِ , وَجَهَرَ النَّبِيُّ– صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – بِالدَّعْوَةِ عِنْدَمَا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى(فَلاَ تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ,وَأََنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ , وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ,فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ) الشُّعَرَاءِ213-216, وَمُنْذُ الْجَهْرِ بِالدَّعْوَةِ وَالْمُشْرِكُونَ يُؤْذُونَ الرَّسُولَ وَأَصْحَابَهُ ,وَ أَبُو طَالِبٍ يَحْمِيهِ,وزَوْجَتُهُ (خَدِيجَةُ) تُوَاسِيهِ ,وَقَدْ وَجَّهَ النَّبِيُّ– صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – أصْحَابَهُ لِلْهِجْرَةِ إِلَى الْحَبَشَةِ فِرَاراً بِدِينِهِمْ ,وَنَشْراً لِلدَّعْوَةِ خَارجَ (مَكَّةَ) ,وَبَحْثاً عَنْ مَكَانٍ آمِنٍ لِلْمُسْلِمِينَ ,وَكَانَ مِنْ بَيْنِ الْمُهَاجِرِينَ (جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ بْنُ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – ) وَ(صِهْرُهُ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ )وَ(ابْنَتُهُ رُقَيَّةُ)-رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ جَمِيعاً- وَ تَوَفَّى أَبُو طَالِبٍ عَمُّ النَّبِيُّ– صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَنصِيرُهُ فِي آخِرِ السَّنَةِ الْعَاشِرَةِ مِنَ الْمَبْعَثِ ,وَتُوُفِّيَتِ السَّيِّدَةُ(خَدِيجَةُ) بَعْدَهُ فِي عَامِ الْحُزْنِ قَبْلَ الْهِجْرَة إِلَى الْمَدِينَةِ بِثَلاَثِ سَنَوَاتٍ , وَكَانَتْ رِحْلَةُ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – لِلدَّعْوَةِ فِي الطَّائِفِ بَعْدَ مَوْتِ أَبِي طَالِبٍ وَ(خَدِيجَةَ) فِي نَفْسِ السَّنَةِ ,وَلَكِنَّهُمْ لَمْ يُسْلِمُوا وَأَغْرَوا بِهِ صِبْيَانَهُمْ فَرَشَقُوهُ بِالْحِجَارَةِ , ً وَبَعْدَ ذَلِكَ كَانَتْ رِحْلَةُ الْإِسْرَاءِ وَالْمِعْرَاجِ ذِرْوَةَ التَّكْرِيمِ مِنَ اللَّهِ لِرَسُولِهِ تَسْرِيَةً عَنْهُ وَتَخْفِيفاً مِنْ أَحْزَانِهِ ,ثُمَّ كَانَ الطَّوَافُ عَلَى الْقَبَائِلِ وَهِجْرَةُ الصَّحَابَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ بَعْدَ بَيْعَتَيِ الْعَقَبَةِ الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ ,وَ كَانَ أَوَّلُ مَنْ قَدِمَ الْمَدِينَةَ مِنْ أصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – (أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الْأَسَدِ )ثُمَّ قَدِمَ بَعْدَهُ عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ,مَعَهُ امْرَأَتُهُ(لَيْلَى بِنْتُ أَبِي خَيْثَمَةَ) ,وَتَبِعَهُمْ بَقِيَّةُ الصَّحَابَةِ , وَنَزَلُوا عَلَى الْأَنْصَارِ فَآوَوْهُمْ وَنَصَرُوهُمْ وَآسَوْهُمْ , وَأَخَذَ الْكُفَّارُ يَمْكُرُونَ لِحَبْسِ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – أَوْ قَتْلِهِ أَوْ إِخْرَاجِهِ مَنْعاً لاِنْتِشَارِ الدَّعْوَةِ ,وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنْ يَضْرِبُوهُ ضَرْبَةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ حَتَّى يَتَفَرَّقَ دَمُهُ فِي الْقَبَائِلِ ,فَأَطْلَعَ اللَّهُ نَبِيَّهُ– صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – عَلَى ذَلِكَ , فَخَرَجَ مِنْ (مَكَّةَ) حَزِيناً ,مُهَاجِراً إِلَى (الْمَدِينَةِ) يَصْحَبُهُ (أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ) مَعَ أَنَّ الرَّسُولَ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – كَانَ يُحِبُّ وَطَنَهُ (مَكَّةَ) أَكْثَرَ مِنْ أَيِّ بَلَدٍ آخَرَ ,وَقَدْ مَكَثَا فِي (غَارِ ثَوْرٍ) وَالْتَقَيَا (بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُرَيْقِطَ) هُنَاكَ بَعْدَ ثَلاَثِ لَيَالٍ لِيَدُلَّهُمَا عَلَى الطَّرِيقِ إِلَى (الْمَدِينَةِ) ,وَوَاصَلَ (الْمُخْتَارُ) هِجْرَتَهُ ,وَلاَحَقَهُ (سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكٍ ) لِيَنَالَ الْجَائِزَةَ الَّتِي أَعَدَّتْهَا (قُرَيْشٌ) ,وَلَكِنَّ اللَّهَ – بِقُدْرَتِهِ الَّتِي لاَ يَغْلِبُهَا غَالِبٌ- جَعَلَهُ يَرْجِعُ مُدَافِعاً عَنْ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – , قَالَتْ (رِحَابُ) : لَقَدْ عَانَى رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – أَكْثَرَ مِنْ مُعَانَاةِ أَيِّ شَخْصٍ آخَرَ ,وَتَأَلَّمَ وَحَزِنَ لِفِرَاقِ وَطَنِهِ الَّذِي أَخْرَجَهُ الْكُفَّارُ مِنْهُ , قَالَتِ الْأُمُّ: وَعَلَيْكِ يَا (رِحَابُ) أَنْ تَتَأَسَّيْ بِالرَّسُولِ الْكَرِيمِ وَتَصْبِرِي عَلَى فِرَاقِ وَطَنِكِ وَأَذَى أَعْمَامِكِ وَمَكْرِهِمْ بِنَا , قَالَتْ (رِحَابُ) : أَجَلْ يَا أُمِّي ,لَنَا فِي رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ وَقُدْوَةٌ جَمِيلَةٌ وَأَعْظَمُ الْمَثَلِ ,وَلَسَوْفَ أُحَاوِلُ الْعَوْدَةَ إِلَى وَطَنِي وَبَيْتِي كَمَا كَافَحَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَعَادَ مُنْتَصِراً بَعْدَ فَتْحِ (مَكَّةَ) ,وَلَكِنْ كَيْفَ اسْتَقْبَلَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَصَاحِبَهُ , قَالَتِ الْأُمُّ: اسْتَقْبَلُوهُمْ بِالزَّغَارِيدِ وَالْأَفْرَاحِ وَالْأَنَاشِيدِ الْجَمِيلَةِ الَّتِي تُعَبِّرُ عَنْ عَظِيمِ بَهْجَتِهِمْ : طَلَعَ الْبَدْرُ عَلَيْنَا , مِنْ ثَنِيَّاتِ الْوَدَاعْ , وَجَب الشُّكْرُ عَلَيْنَا , مَا دَعَا لِلَّهِ دَاعْ ,أَيُّهَا الْمَبْعُوثُ فِينَا ,جِئْتَ بِالْأَمْرِ الْمُطَاعْ , جِئْتَ شَرَّفْتَ الْمَدِينَةْ ,مَرْحَباً يَا خَيْرَ دَاعْ , قَالَتْ (رِحَابُ) : لَقَدْ كَانَ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – الْبَدْرَ الْمُنِيرَ في سَمَاءِ الْمَدِينَةِ , قَالَتِ الْأُمُّ: أَجَلْ يَا ابْنَتِي , لِأَنَّهُ أَخْرَجَهُم مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ , وَنَوَّرَ قُلُوبَهُمْ بِالْإِيمَانِ بَعْدَ أَنْ كَانَتْ مُظْلِمَةً بِالشِّرْكِ , وَنَشَرَ بَيْنَهُمُ السَّلاَمَ بَعْدَ أَنْ عَاشُوا وَيْلاَتِ الْحُرُوبِ الْمُدَمِّرَةِ ,وَآخَى بَيْنَهُمْ بِالْحُبِّ ,وَعَلَّمَهُمُ الْإِيثَارَ ,وَأَنْقَذَهُمْ مِنَ النَّارِ ,وَصَدَقَ اللَّهُ الْعَظِيمُ إِذْ يَقُولُ: ” إِلاَّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ,فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِي َ الْعُلْيَا وَ اللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ” التَّوْبَةِ 40,وَقَالَ تَعَالَى : “و إِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَ يَمْكُرُونَ وَ يَمْكُرُ اللَّهُ وَ اللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ” الأنْفَالِ 30.
—
{15} أُمُّنَا اَلْغُولَةْ قِصَّةٌ قَصِيرةْ
أُمُّنَا اَلْغُولَةُ فِي الْأَسَاطِيرِ الْقَدِيمَةِ كَانَتْ تَقُولُ –لِمَنْ يُلْقِي عَلَيْهَا السَّلاَمَ -: لَوْلاَ سَلاَمُكَ سَبَقَ كَلاَمُكَ لَأَكَلْتُ لَحْمَكَ قَبْلَ عِظَامِكَ ,أَمَّا الْغُولَةُ فِي عَصْرِنَا الْحَدِيثِ فَهِيَ شَخْصِيَّةٌ جُهَنَّمِيَّةٌ ,مِنَ النَّارِ تَكَوَّنَتْ ,وَمِنْ سَعِيرِ الْحِقْدِ نَشَأَتْ ,عَيْنَاهَا تَلْتَهِبَانِ بِالشَّرَرِ ,وَتَسُنَّ أَسْنَانَهَا كَالسَّكَاكِينِ لِتَأْكُلَ الأَطْفَالَ الْأَبْرِيَاءَ دُونَ شَفَقَةٍ أَوْ رَحْمَةٍ ,تَجْلِسُ عَلَى (الْمَصْطَبَةَ) وَالطَّرْحَةُ عَلَى رَأْسِهَا ,وَالنَّظَّارَةُ عَلَى عَيْنَيْهَا ,تَلْمَحُ الْأَطْفَالَ وَهُمْ يَلْعَبُونَ فِي سَعَادَةٍ وَبَهْجَةٍ وَمَرَحٍ وَهَنَاءٍ ,فَيَسْتَعِرُ قَلْبُهَا بِالْغِلِّ وَالْحِقْدِ وَالْحَسَدِ وَالْغَيْرَةِ ,فَتَفْتَرِسُ الْأَطْفَالَ بِعَيْنَيْهَا , وَيَطْفَحُ قَلْبُهَا بِسِهَامِ الْخِيَانَةِ , وَتَرْتَقِبُ اللَّحْظَةَ الْمُنَاسِبَةَ ,فَتُطْلِقُ الْأَرْبَجِيهَاتِ وَالْأَعْيِرَةَ النَّارِيَّةَ الْمُهْلِكَةَ عَلَى الْأَطْفَالِ الْوَادِعِينَ ,فَتَلْهَجُ أَلْسِنَةُ الْأَطْفَالِ بِعِبَارَاتِ الاِسْتِعْطَافِ ,لَعَلَّ قَلْبَ اَلْغُولَةِ يَرِقُّ : يَا أُمَّنَا اَلْغُولَةَ ,نَحْنُ نَلْعَبُ أَمَامَ دَارِنَا ,فَدَعِينَا مِنْ فَضْلِكِ , وَاتْرُكِينَا فِي حَالِنَا ,نَسْبَحُ فِي عَالَمِنَا الْبَرِيءِ , وَنَحْلُمُ بِدُنْيَا جَدِيدَةٍ صَافِيَةٍ كَصَفَاءِ الْمَاءِ الْجَارِي فِي النِّيلِ الطَّيِّبِ ,لَيْسَ فِيهَا مَا يَشُوبُهَا أَوْ يُعَكِّرُ صَفْوَهَا ,وَلَكِنَّ أُمَّنَا اَلْغُولَةَ تَأْبَى أَنْ تَتْرُكَ الْأَطْفَالَ فِي بَرَاءَتِهِمْ , يَنْعَمُونَ بِدُنْيَاهُمُ الْحَالِمَةِ , وَبِبَجَاحَتِهَا وَحِقْدِهَا وَغِلِّهَا تَرُشُّ عَلَى الْأَطْفَالِ الْمَاءَ أَمَامَ دَارِهِمْ ,وَالْأَطْفَالُ يَصِيحُونَ : يَا أُمَّنَا اَلْغُولَةَ , النَّبِيُّ وَصَّى عَلَى سَابِعِ جَارٍ ,الْجَارُ قَبْلَ الدَّارِ , الْجَارُ وَإِنْ جَارَ , وَلَكِنَّ اَلْغُولَةَ الْمَلْعُونَةَ الْمَشْئُومَةَ تَدْعُو عَلَى الْأَطْفَالِ بِمَرَضِ السَّرَطَانِ , وَتَصُبُّ عَلَيْهِمْ جَامَ غَضَبِهَا وَلَعْنَتِهَا وَقَسْوَتِهَا , وَاخْتَلَتْ بِأَحَدِ الْأَطْفَالِ بَعْدَ أَنْ ذَهَبَ رِفَاقُهُ , وَأَخَذَتْ تُعْطِي بَعْضَ الْأَطْفَالِ الْأَشْرَارِ مَا يُشْبِهُ الْهَدَايَا الْوَهْمِيَّةَ لِتَغِيظَ هَذَا الطِّفْلَ الْبَريءَ وَتُحْزِنَهُ , وَتَصَادَفَ ذَلِكَ مَعَ مُرُورِ شَيْخِ الْمَسْجِدِ , فَقَالَ لَهَا: أَيَّتُهَا الْغُولَةُ , أَتَظُنِّينَ أَنَّكِ بِأَفْعَالِكِ الْبَشِعَةِ هَذِهِ سَتَرِدِينَ عَلَى جَنَّةٍ ؟!! رَاعِي حَقَّ الْجَارِ , وَانْتَبِهِي إِلَى قُرْبِ الدَّارِ مِنَ الدَّارِ , وَإِلاَّ سَيَكُونُ مَصِيرُكِ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْقَرَارْ.
—
{16}أَوْلاَدُ الْأَبَالِسَةِ قِصَّةٌ قَصِيرةْ
لَََمْ يَتَخَيَّلْ(زِيدَانُ) مَا حَدثَ ,لَقَدْ ذَهَبَ إِلَى الْمَدْرَسَةِ لاَبِساً بَدْلَتَهُ ,حَامِلاً عَصَاهُ, مُحَضِّراً حِصَصَهُ الدِّرَاسِيَّةَ فِي كَشْكُولِ التَّحْضِيرِ ,وَدَخَلَ (زِيدَانُ) حُجْرَةَ النَّاظِرِ,وَكَانَتِ الْمُفَاجَأَةُ ,لَمْ يَجِدْ (زِيدَانُ) النَّاظِرَ,فَقَالَ- فِي نَفْسِهِ – لَعَلَّ وَرَاءَهُ بَعْضُ الْمَشَاغِلِ أَو الظُّرُوفِ ,وَلَكِنْ ,مَا هَذِهِ الظُّرُوفِ الَّتِي تَمْنَعُ نَاظِرَ الْمَدْرَسَةِ مِنَ الذِّهَابِ إِلَى مَدْرَسَتِهِ؟! وَمُتَابَعَةِ الْعَمَلِ بِهَا , مُتَابَعَةِ الْعُمَّالِ وَهُمْ يُنَظِّفُونَ الْمَدْرَسَةَ عَلَى الْوَجْهِ الْأَكْمَلِ وَالْأَمْثَلِ قَبْلَ حُضُورِ الطَّلَبَةِ وَالْمُدَرِّسِينَ ,وَ مُتَابَعَةِ عُمَّالِ الْحِرَاسَةِ وَالْأَمْنِ (اَلنَّبَطْشِيَّةِ) الَّذِينَ يَسْهَرُونَ اللَّيْلَ لِحِمَايَةِ الْمَدْرَسَةِ مِنَ اللُّصُوصِ وَالْبَلْطَجِيَّةِ وَالْمُجْرِمِينَ مِنْ شَارِبِي الْخَمْرِ وَالْحَشِيشِ وَالْبَانْجُو وَالشَّمَّامِينَ وَمُتَعَاطِي حُبُوبِ الْهَلْوَسَةِ ,لَعَلَّ الْمَانِعَ مِنْ حُضُورِ النَّاظِرِ خَيْرٌ , وَالصَّبْرُ طَيِّبٌ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ ,وَصَدَقَ الشَّاعِرُ فِي قَوْلِهِ : سَتُبْدِي لَكَ الْأَيَّامُ مَا كُنْتَ جَاهِلاً ,وَيَأْتِيكَ بِالْأَخْبَارِ مَا لَمْ تُزَوَّدِ , قَالَ الْأُسْتَاذُ(زِيدَانُ) – فِي نَفْسِهِ – لاَ بَأْسَ , أَبْحَثُ عَنْ دَفْتَرِ الْحُضُورِ وَالاِنْصِرَافِ عَلَى مَكْتَبِ النَّاظِرِ ,وَجَدَ (زِيدَانُ) الْأُسْتَاذَ/رَاضِي فَوْدَةْ يَجْلِسُ أَمَامَ دَفْتَرِ الْحُضُورِ فِي مَكْتَبِ النَّاظِرِ ,وَيَقِفُ فِي وَسَطِ الْحُجْرَةِ الْعَامِلُ /مِخَيْمَرْ الَّذِي يَتَوَلَّى الْإِِِِِشْرَافَ عَلَى خِدْمَةِ النَّاظِرِ وَتَنْظِيفِ حُجْرَتِهِ ,وَعِنْدَمَا هَمَّ الْأُسْتَاذُ/ (زِيدَانُ) أَنْ يَأْخُذَ الْقَلَمَ مِنْ عَلَى مَكْتَبِ النَّاظِرِ لِيُوَقِّعَ فِي خَانَةِ الحُضُورِ كَانَتْ الْمُفَاجَأَةُ الُْكُبْرَى إِذْ قَالَ الْأُسْتَاذَ/رَاضِي لِلْأُسْتَاذِ/ (زِيدَانَ) , إِنَّ تَمَامَكَ الْيَوْمَ لَيْس هُنَا , إِنَّ تَمَامَكَ فِي (بََنْهَا) حَيْثُ هُنَاكَ دَوْرَةٌ تَدْرِيبِيَّةٌ لِتَحْسِينِ مُسْتَوَى الْمُعَلِّمِينَ ,وَتَنْمِيَةِ مَهَارَاتِهِمْ وَتَوْسِيعِ دَائِرةِ أَفْكَارِهِمْ لِلتَّعَامُلِ الْأَمْثَلِ مَعَ الطُّلاَّبِ خَاصَّةً, و مَعَ مَنْ هُمْ فَوْقَهُمْ وَ مَنْ هُمْ دُونَهُمْ, وَقَالَ الْعَامِلُ /مِخَيْمَرْ- وَقَدْ أَحَسَّ بِمَدَى الْخَطَأِ الَّذِي ارْتَكَبَهُ زُمَلاَءُ (زِيدَانَ) ,حَيْثُ لَمْ يُخْبِرُوهُ بِمُعَاوَدَةِ نَشَاطِ الدَّوْرَةِ بَعْدَ أَنْ كَانَتْ قَدْ تَوَقَّفَتْ بِسَبَبِ الثَّوْرَةِ:- لَقَدْ أَتَى خِطَابٌ للْمَدْرَسَةِ بِمُوَاصَلَةِ نَشَاطِ الدَّوْرَةِ التَدْرِيبِيَّةِ بَعْدَ أَنْ كُنْتَ أَنْتَ قَدِ انْتَهَيْتَ مِنْ حِصَصِكَ , وَرُبَّمَا نَسِيَ الزُّمَلاَءُ أَنْ يُخْبِرُوكَ , قَالَ الْأُسْتَاذَ/ / (زِيدَانَ): اَلْحَمْدُ لِلَّهِ , قَدَّرَ اللَّهُ وَمَا شَاءَ فَعَلَ ,وَانْطَلَقَ يَرْثِي حَالَهُ , وَقَلْبُهُ يَتَفَطَّرُ حُزْناً ,لِأَنَّ أَحَداً مِنَ الزُّمَلاَءِ لَمْ يُكَلِّفْ خَاطِرَهُ بِرَفْعِ سَمَّاعَةِ التِّلِيفُونِ وَإِخْبَارِهِ بِاسْتِئْنَافِ نَشَاطِ الدَّوْرَةِ التَدْرِيبِيَّةِ , وَمَشَى (زِيدَانُ) فِي الشَّارِعِ الْكَبِير ِوَهُوَ يَقُولُ – فِي نَفْسِهِ :– يَالَأَوْلاَدِ00الْأَبَالِسَةِ! مَا لِقُلُوبِ الزُّمَلاَءِ امْتَلَأَتْ بِالْأَنَانِيَةِ!! أَيَخَافُونَ أَنْ تَتَفَوَّقَ عَلَيْهِمْ يَا (زِيدَانُ) ؟! إِنَّ أَحَداً لَنْ يَأْخُذَ رِزْقَ أَحَدٍ, وَكُلُّ إِنْسَانٍ يَأْخُذُ رِزْقَهُ وَمَا قَدَّرَهُ اللَّهُ لَهُ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الْمَعْدُودَةِ الْأَنْفَاسِ وَالْمَحْدُودَةِ الْعُمْرِ, لاَ بَأْسَ, أُوَصِلُ الْقِرَاءَةَ فِي أَلْفِيَّةِ ابْنِ مَالِكٍ, وَأُصَلِّي الظُّهْرَ فِي أَوَّلِ جَمَاعَةٍ, وَسَيُعَوِّضُنِي اللَّهُ خَيْراً, وَسَأَتَفَوَّقُ عَلَيْهِمْ وَأَكُونُ الْأَوَّلَ عَلَى الدُّفْعَةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ,فَاللَّهُ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ عَبْدٍ أَحْسَنَ الْعَمَلَ ,وَسَيَنْقَلِبُ مَكْرُ الزُّمَلاَءِ عَلَيْهِمْ , وَسَأَخْلُقُ مِنَ الْأَلَمِ أَلَماً جَدِيداً ,وَأَذْهَبُ بَاكِراً إِلَى الدَّوْرَةِ التَدْرِيبِيَّةِ , رَغْمَ كَيْدِ الْكَائِدِينَ وَمَكْرِ الْمَاكِرِينَ ,وَ أُوَاصِلُ الْقِرَاءَةَ وَالاِطِّلاَعَ لَيْلَ نَهَارٍ وَكَمَا قَالَ الشَّاعِرُ: أَخْلِقْ بِذِي الصَّبْرِ أَنْ يَحْظَى بِحَاجَتِهِ , وَمُدْمِنِ الْقَرْعِ لِلْأَبْوَابِ أَنْ يَلِجَا!.
—
{17} أَيْنَكَ يَا بَاشَا ؟!! قِصَّةٌ قَصِيرةْ
مَالَكَ يَا أُسْتَاذُ ؟! مَالَكَ يَا بُنَيَّ ؟! أَيْنَكَ يَا بَاشَا ؟!! لا َأَحَدَ يَقُولُ لَكَ : سَلاَمَتَكَ ، وَلاَ أَنْتَ ابْنُ مَنْ ؟! آهٍ يَا بَاشَا ! آهٍ يَا بَاشَا ! مِنَ السِّنِينَ ! سِنِينَ الْمُرِّ وَالْحَنْظَلِ ,اَلْبَاشَا يَتَأَلَّمُ ، رُسْغًُ يَدَيْهِ ، كَتِفَاهُ – رُكْبَتَاهُ ، بَطْنُهُ امْتَلَأَتْ بِالسُّخُونَةِ ، كُلُّ وَرِيدٍ فِي جِسْمِهِ ,وَ كُلُّ شِرْيَانٍ ، وَالْبَاشَا عُرْيَانٌ حَزِينٌ ،كَاسِفُ الْبَالِ ، لاَ يَجِدُ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا يَسْتُرُهُ مِنْ غدرِ الزمان ، إِنْ بَنَى الْبَاشَا خَزَانَةً ، يَحْسُدُهُ أَوْلاَدُ الشَّيْطَانِ ، الْبَاشَا يَجْرِي فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ ، وَلاَ يَجِدُ مَا يُسْعِفُهُ إِلاَّ رَبُّ الْعَرْشِ الْحَنَّانِ الْمَنَّانِ ، الْبَاشَا يَئِنُّ ، لاَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُسْعِفَ نَفْسَهُ ، وَلاَ يُفَكِّرُ فِي ذَلِكَ ، رمىَ الحُمُولَ عَلَى اللَّهِ ، فَهُوَ سُبْحَانَهُ – دائماً – يُنْقِذُهُ مِنْ بَلْوَاهُ ,وَهُوَ صَاحِبُ فَضْلٍ وَمِنَّةٍ وَرَحْمَةٍ عَلَى الْبَاشَا وَ عَلَى أَهْلِهِ ، وَالْبَاشَا يَعْتَرِفُ بِفْضْلِ اللَّهِ عَلَيْهِ وَيَحمَدُهُ آنَاءَ اللَّيْلِ وَ أَطْرَافَ النَّهَارِ ، وَدَائِماً مَا يُرَدِّدُ : سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَ اللَّهُ أَكْبَرُ وَ لاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ ، اِقْتَرَبَتِ السِّنُونَ ، وَالنَّاسُ يُحَاسَبُونَ ، فَهَذَا شَيْطَانٌ ضَالٌّ ، يَحْسُدُ الْبَاشَا عَلَى مَا آتَاهُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ، وَ يُحَاوِلُ إِيذَاءَ الْبَاشَا بِكُلِّ الْوَسَائِلِ ، بِشَتْمِهِ وَسَبِّهِ بِأَقْذَعِ الْأَلْفَاظِ ، وَمُحَاوَلَةِ قَتْلِهِ ، وَ لَكِنَّ الْبَاشَا يَرْفُضُ أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِ الْإِسَاءَةَ بِإسَاءَةٍ ، وَ يَتَذَكَّرُ أَحَادِيثَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ الَّتِي يُوصِي فِيهَا أُمَّتَهُ بِعَدَمِ الْغَضَبِ ، وَأَنَّ الشَّدِيدَ مَنْ يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ ، يَتَذَكَّرُ الْبَاشَا كَيْفَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ، كَانَ يَدْعُو أَهْلَ الطَّائِفِ إِلَى اللَّهِ فَقَابَلُوهُ بِالْإِيذَاءِ ، وَ قَذَفَهُ صِبْيَانُهُمْ بِالْحِجَارَةِ حَتَّى دَمِيَتْ قَدَمَاهُ الشَّرِيفَتَانِ ، وَهُوَ يُرَدِّدُ : هَلْ أَنْتِ إِلاَّ إِصْبَعٌ دَمِيتِ , وَفِي سَبِيل اللَّهِ مَا لَقِيتِ ,وَكَمُكَافَأَةٍ لِلْبَاشَا عَلَى صَبْرِهِ وَاقْتِدَائِهِ بِسَيِّدِ الْأَنَامِ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلاَةِ وَالسَّلاَمِ ، يَأْخُذُ اللَّهُ الشَّيْطَانِ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ 0
—
{18} بِنَاءْ قِصَّةٌ قَصِيرةْ
اِنْطَلَقَ الْفَتَى (عَبْدُ الرَّحْمَنِ) الطَّالِبُ بِالصَّفِّ الْأَوَّلِ الثَّانَوِيِّ بِالْأَزْهَرِ الشَّرِيفِ إِلَى إِمَامِ (مَسْجِدِ عَنْتَرْ) لِيُرَاجِعَ لَهُ الْخُطْبَةَ الَّتِي أَعَدَّهَا ,تَحْدُوهُ آمَالٌ كِبَارٌ ,وَتَطَلُّعَاتٌ عَظِيمَةٌ مُشْرِقَةٌ فِي مُسْتَقْبَلٍ وَاعِدٍ بَسَّامٍ ,وَأَخَذَ يُفَكِّرُ- وَهُوَ يَمْشِي فِي الشَّارِعِ الْكَبِيرِ مُتَّجِهاً نَحْوَ الْمَسْجِدِ- كَيْفَ سَيُوَاجِهُ الْجُمْهُورَ الْعَرِيضَ ,وَكَيْفَ سَيُزْهَى أَمَامَ نَفْسِهِ بِوُقُوفِهِ أَمَامَ حَشْدٍ رَائِعٍ وَعَظِيمٍ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لِيُلْقِيَ عَلَيْهِمْ أَحْسَنَ الْكَلاَمِ ,وَلِيَدْعُوَ لِخَيْرِ مِلَّةٍ وَهِيَ مِلَّةُ الْإِسْلاَمِ فِي خَيْرِ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُ بِاللَّهِ – لِمَ لاَ ؟! وَقَدْ مَدَحَ اللَّهُ – عَزَّ وَجَلَّ –مَنْ يَدْعُو إِلَيْهِ جَاعِلاً قَوْلَهُ أَحْسَنَ الْقَوْلِ وَجاء في صحيح مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى كَانَ لَهُ مِنْ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا وَمَنْ دَعَا إِلَى ضَلَالَةٍ كَانَ عَلَيْهِ مِنْ الْإِثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ تَبِعَهُ لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ آثَامِهِمْ شَيْئًا)- نَظَرَ الْفَتَى (عَبْدُ الرَّحْمَنِ) إِلَى السَّمَاءِ فَوَجَدَهَا مُتَفَتِّحَةً بِالْأَمَلِ وَتَطَلَّعَ دَاخِلَ حُجُرَاتِ قَلْبِهِ فَوَجَدَهَا مُضِيئَةً مُشْرِقَةً بِالْأَمَلِ الْبَسَّامِ ,وَسَأَلَ قَلْبَهُ فَأَجَابَ: يَا(عَبْدَ الرَّحْمَنِ) إِنَّكَ تَدْعُو إِلَى الْوَاحِدِ الْعَلاَّمِ وَ إِلَى كِتَابِهِ الْمُتَفَتِّحِ بِالْأُمُورِ الْعِظَامِ , الَّذِي بُنِيَ عَلَى الْخَيْرِ كُلِّ الْخَيْرِ إِلَى جَمِيعِ الْأَنَامِ ,فَقَدْ قَالَ الْمُصْطَفَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي شَأْنِهِ حَدِيثاً عَظِيماً نَنْطَلِقُ بِهِ إِلَى الْأَمَامِ (عن علي قال : سمعت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول ستكون فتن قلت وما المخرج منها يَا رسول الله قال كتاب الله – تعالى – فيه نبأ من قبلكم وخبر ما بعدكم وحكم ما بينكم ، وهو فصل ليس بالهزل ، من تركه تجبرا قصمه الله – تعالى – ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله – تعالى – وهو حبل الله المتين ونوره المبين والذكر الحكيم والصراط المستقيم ، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء ولا تتشعب معه الآراء ولا يشبع منه العلماء ولا يمله الأتقياء ،، ولا يخلق عن كثرة رد ، ولا تنقضي عجائبه ، من علم علمه سبق ، وَمن قال به صدق ومن عمل به أجر ، ومن حكم به عدل ، ومن عصم به فقد هدي إلى صراط مستقيم) فضائل القرآن للفريابي » بَابُ فَضْلِ الْقُرْآنِ وَالاسْتِمَاعِ وَتَعَاهُدِ القرآن.,صَاحَبَتْ تِلْكَ الْأَفْكَارُ الْجَمِيلَةُ وَالتَّطَلُّعَاتِ النَّبِيلَةُ الْفَتَى (عَبْدَ الرَّحْمَنِ) فِي طَرِيقِهِ إِلَى الْمَسْجِدِ لِيُرَاجِعَ الْخُطْبَةَ عَلَى الْإِمَامِ بِالْحُجَّةِ وَالْبُرْهَانِ ,دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَأَلْقَى عَلَى الْإِمَامِ اَلسَّلاَمَ : اَلسَّلاَمُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ ,رَدَّ الْإِمَامُ:وَعَلَيْكُمُ اَلسَّلاَمُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ ,فَقَالَ(عَبْدُ الرَّحْمَنِ): أُرِيدُ أَنْ أُرَاجِعَ هَذِهِ الْخُطْبَةَ عَلَى حَضْرَتِكُمْ يَا إِمَامُ , فَقَالَ لَهُ الْإِمَامُ: وَلِأَيِّ الْأَغْرَاضِ أَعْدَدْتَهَا فَشَيَّدْتَهَا وَنَسَجْتَهَا؟! قَالَ(عَبْدُ الرَّحْمَنِ): لِأَجْلِ خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ ,فَقَدْ دَعَانِي أَحَدُ الْأَئِمَّةِ فِي الْبَلْدَةِ الْمُجَاوِرَةِ لِأَكُونَ عَظِيمَ الصِّيتِ وَالسُّمْعَةِ وَأُلْقِي الْخُطْبَةَ مَمْزُوجَةً بِالْفَرْحَةِ وَالدَّمْعَةِ ,نَظَرَ الْإِمَامُ فِي الْخُطْبَةِ فَوَجَدَ فِيهَا بَعْضَ الْعُيوبِ الْبَسِيطَةِ ,فَلَمْ يُكَلِّفْ نَفْسَهُ أَنْ يَعْبُرَ الْبَحْرَ وَلاَ مُحِيطَهُ وَيُُرَاجِعَ(لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ) الْخُطْبَةَ ,وَلَكِنَّهُ قَفَلَ عَلَيْهِ الْبَابَ وَأَرَادَ مِنْ قَدَمَيْهِ أَلاَّ تَلْمَسَ الْأَعْتَابَ وَلاَ تَقْرَب مِنْ فَصْلِ الْخِطَابِ وَقَالَ لَهُ مَقُولَةً لَمْ يَنْسَهَا طِيلَةَ حَيَاتِهِ (اِبْنِ نَفْسَكَ قَبْل أَنْ تَبْنِيَ النَّاسَ) مِنْ يَوْمِهَا وَالْفَتَى (عَبْدُ الرَّحْمَنِ) حَزِينُ الْقَلْبِ ,يَشْعُرُ بِالذَّنْبِ ,وَقَلْبُهُ يُعَاتِبُهُ أَشَدَّ الْعِتَابِ ,لِأَنَّهُ ذَهَبَ إِلَى هَذَا الْإِمَامِ وَلَمْ يَحْظَ بِرَدٍّ وَلاَ جَوَابٍ ,وَأَحَسَّ بِقَدَمَيْهِ تَتَرَاجَعَانِ عَنْ دُخُولِ هَذَا الْمَيْدَانِ , وَأَبُوهُ حَافِظُ الْقُرْآنِ ,يُرِيدُ لَهُ أَنْ يَدْخُلَ كُلِيَّةَ الدَّعْوَةِ ,وَلَكِنَّ قَلْبَهُ تَرَاجَعَ وَدَخَلَ كُلِيَّةَ اللُّغَاتِ ثُمَّ حَوَّلَ مِنْهَا إِلَى كُلِيَّةَ الدِّرَاسَاتِ ثُمَّ شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَدْخُلَ كُلِيَّةَ الدَّعْوَةِ الْإِسْلاَمِيَّةِ وَيُوَاجِهَ الاِنْهِزَامِيَّةَ ,وَيَفْـتَحَ بَابَ الْأَمَلِ وَيُوَاصِلَ الْجِهَادَ وَالْعَمَلَ ,وَأَنْهَى دِرَاسَتَهُ الْجَمِيلَةَ , بِتَقْدِيرَاتٍ عَظِيمَةٍ مَأْمُولَةٍ ,وَأَصْبَحَ خَطِيباً بَارِعاً ,يَسْمَعُ لَهُ النَّاسُ كَلاَماً هُوَ أَحْسَنُ الْكَلاَمِ ,وَالْتَحَقَ بِالْجَيْشِ فَصَارَ الْخَطِيبَ الْهُمَامَ ,وَكُلُّ الرُّتَب ِ تُلْقِي عَلَيْهِ التَّحِيَّةَ وَالسَّلاَمَ ,وَيَحْتَرِمُونَهُ وَيَعُدُّونَهُ مِنَ الْعُظَمَاءِ ,وَيَأْخُذُونَهُ بِعَرَبَاتِهِمُ الْفَارِهَةِ لِيُوَصِّلُوهُ إِلَى حَيْثُ يُرِيدُ ,فَحَمِدَ اللَّهَ فِي نَفْسِهِ ,وَقَال: يَا (عَبْدَ الرَّحْمَنِ) إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ ,وَقَدْ أَرَادَ لِ بِنَاءِكَ أَنْ يَكُونَ أَعْلَى بِنَاءٍ ,فَهُوَ –سُبْحَانَهُ- يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ , فَسُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ سُبْحَانَكَ ,مَا أَعْظَمَ شَانَكَ يَا عَظِيمَ الْعُظَمَاءْ !!!
—
{19} بَيْتُ التَّقْوَى قِصَّةٌ قَصِيرةْ
قَالَ زِيَادُ: يَا أَبِي,مَتَى نَبْنِي بَيْتَنَا الْجَدِيدَ؟ قَالَ الْأَبُ:لَقَدِ اشْتَرَيْتُ قِطْعَةَ أَرْضٍ يَا زِيَادُ لِهَذَا الْغَرَضِ فِي الْمَنْطِقَةِ الْمُوَصِّلَةِ إِلَى النِّيلِ,وَهِيَ مَنْطِقَةٌ جَمِيلَةٌ ,هَوَاؤُهَا مُنْعِشٌ ,وَجَوُّهَا جَمِيلٌ ,وَنَسِيمُهَا يَشْفِي الْقُلُوبَ الْعَلِيلَةَ ,وَيَرْوِي الْأَرْوَاحَ الظَّامِئَةَ إِلَى لَحَظَاتٍ مِنَ الْهُدُوءِ ,بِالْقُرْبِ مِنْ هَذِهِ الْمَنْطِقَةِ أَشْجَارُ الصَّفْصَافِ ,وَالْجَزْوَرِينِ ,وَحُقُولُ الْقَمْحِ ,وَالْبَرْسِيمِ , أَشْجَارٌ مَزْرُوعَةٌ عَلَى التُّرَعِ ,تَمْنَحُكَ الْحَيَاةَ,فَتَعِيشُ الْحَيَاةَ,وَتُحِبُّ الْحَيَاةَ, قَالَ زِيَادُ:نَعَمْ يَا بَابَا , فَالْحَيَاةُ تَجْمُلُ وَتَحْلُو ,عِنْدَمَا تَكُونُ الْبِيئَةُ صِحِيَّةً , قَالَتْ سَلْوَى:أَخِي زِيَادُ ,مِنْ فَضْلِكَ أَخْبِرْنِي ,كَيْفَ تَكُونُ الْبِيئَةُ صِحِيَّةً؟ قَالَ زِيَادُ:سُؤَالٌ جَمِيلٌ يَا أُخْتِي, الْبِيئَةُ تَكُونُ صِحِيَّةً,عِنْدَمَا تَخْلُو مِنَ الضَّوْضَاءِ ,وَنَحْمِيهَا مِنْ عَوَادِمِ السَّيَّارَاتِ ,وَنَعْمَلُ لَهَا حِزَاماً مِنَ الْأَشْجَارِ ,الَّتِي تُحِيطُ بِهَا ,لِتَحْمِيَهَا مِنَ الْعَوَاصِفِ التُّرَابِيَّةِ , وَتَكُونُ الْبِيئَةُ جَمِيلَةً عِنْدَمَا نُجَمِّلُهَا بِالْأَشْجَارِ وَالْوُرُودِ , وَنُجَمِّلُهَا بِالْحُبِّ ,قَالَ نَافِعٌ:مَاذَا تَعْنِي بِالْحُبِّ يَا زِيَادُ؟ قَالَ زِيَادٌ:أَخِي نَافِعُ ,أَنَا أَعْنِي بِالْحُبِّ حُبَّ بَعْضِنَا لِبَعْضٍ ,فَعَنْ أَنَسٍ-رَضِيَ(اللَّهُ) عَنْهُ- عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى الَّلهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمْ قَالَ):لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ,هَذَا الْحُبُّ يَجْعَلُ قُلُوبَنَا خَالِيَةً مِنَ الْغِلِّ وَالْحِقْدِ وَالْحَسَدِ ,وَالْبُغْضِ وَالرِّيَاءِ ,قَالَ سَمْعَانُ:وَمَا الَّذِي يَحْدُثُ إِذَا تَمَتَّعْنَا بِمَا تَقُولُ؟ قَالَ زِيَادٌ:أَخِي سَمْعَانُ,سَنُصْبِحُ كَالْجَسَدِ الْوَاحِدِ ,مُتَعَاطِفِينَ ,مُتَوَادِّينَ,مُتَرَاحِمينَ مُتَكَافِلِينَ ,مُتَسَامِينَ ,يُحِسُّ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ فِي الْفَرَحِ , فِي الْحُزْنِ , فِي الرِّضَا , فِي الْغَضَبِ,عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ -رَضِيَ(اللَّهُ) عَنْهُمَا- مَنْطِقَةٌ جَمِيلَةٌ ,هَوَاؤُهَا مُنْعِشٌ ,وَجَوُّهَا جَمِيلٌ ,وَنَسِيمُهَا يَشْفِي الْقُلُوبَ الْعَلِيلَةَ ,وَيَرْوِي الْأَرْوَاحَ الظَّامِئَةَ إِلَى لَحَظَاتٍ مِنَ الْهُدُوءِ ,بِالْقُرْبِ مِنْ هَذِهِ الْمَنْطِقَةِ أَشْجَارُ الصَّفْصَافِ ,وَالْجَزْوَرِينِ ,وَحُقُولُ الْقَمْحِ ,وَالْبَرْسِيمِ , أَشْجَارٌ مَزْرُوعَةٌ عَلَى التُّرَعِ ,تَمْنَحُكَ الْحَيَاةَ,فَتَعِيشُ الْحَيَاةَ,وَتُحِبُّ الْحَيَاةَ, قَالَ زِيَادُ:نَعَمْ يَا بَابَا , فَالْحَيَاةُ تَجْمُلُ وَتَحْلُو ,عِنْدَمَا تَكُونُ الْبِيئَةُ صِحِيَّةً , قَالَتْ سَلْوَى:أَخِي زِيَادُ ,مِنْ فَضْلِكَ أَخْبِرْنِي ,كَيْفَ تَكُونُ الْبِيئَةُ صِحِيَّةً؟ قَالَ زِيَادُ:سُؤَالٌ جَمِيلٌ يَا أُخْتِي, الْبِيئَةُ تَكُونُ صِحِيَّةً,عِنْدَمَا تَخْلُو مِنَ الضَّوْضَاءِ ,وَنَحْمِيهَا مِنْ عَوَادِمِ السَّيَّارَاتِ ,وَنَعْمَلُ لَهَا حِزَاماً مِنَ الْأَشْجَارِ ,الَّتِي تُحِيطُ بِهَا ,لِتَحْمِيَهَا مِنَ الْعَوَاصِفِ التُّرَابِيَّةِ , وَتَكُونُ الْبِيئَةُ جَمِيلَةً عِنْدَمَا نُجَمِّلُهَا بِالْأَشْجَارِ وَالْوُرُودِ , وَنُجَمِّلُهَا بِالْحُبِّ ,قَالَ نَافِعٌ:مَاذَا تَعْنِي بِالْحُبِّ يَا زِيَادُ؟ قَالَ زِيَادٌ:أَخِي نَافِعُ ,أَنَا أَعْنِي بِالْحُبِّ حُبَّ بَعْضِنَا لِبَعْضٍ ,فَعَنْ أَنَسٍ-رَضِيَ(اللَّهُ) عَنْهُ- عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى الَّلهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمْ قَالَ):لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ,هَذَا الْحُبُّ يَجْعَلُ قُلُوبَنَا خَالِيَةً مِنَ الْغِلِّ وَالْحِقْدِ وَالْحَسَدِ ,وَالْبُغْضِ وَالرِّيَاءِ ,قَالَ سَمْعَانُ:وَمَا الَّذِي يَحْدُثُ إِذَا تَمَتَّعْنَا بِمَا تَقُولُ؟ قَالَ زِيَادٌ:أَخِي سَمْعَانُ,سَنُصْبِحُ كَالْجَسَدِ الْوَاحِدِ ,مُتَعَاطِفِينَ ,مُتَوَادِّينَ,مُتَرَاحِمينَ مُتَكَافِلِينَ ,مُتَسَامِينَ ,يُحِسُّ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ فِي الْفَرَحِ , فِي الْحُزْنِ , فِي الرِّضَا , فِي الْغَضَبِ,عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ -رَضِيَ(اللَّهُ) عَنْهُمَا- قَالَ : قَالَ رَسُولُ الَّلهِ صَلَّى الَّلهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمْ:(مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ ,مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ,و اللَّهُ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- يَنْظُرُ إِلَيْنَا بِرَحْمَتِهِ وَعَطْفِهِ وَرِضَاهُ ,وَيَتَجَلَّى عَلَيْنَا بِكُلِّ مَا يُسْعِدُنَا فِي دُنْيَانَا وَآخِرَتِنَا فَنَسْتَمْتِعُ بِرَاحَةِ بَالِنَا ,وَحِينَئِذٍ نَتَمَتَّعُ بِالصِّحَّةِ النَّفْسِيَّةِ ,الَّتِي تُحَافِظُ بِدَوْرِهَا عَلَى الصِّحَّةِ الْبَدَنِيَّةِ فَعَنِ أَبِي هُرَيْرَةَ –رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ : قَالَ رَسُولُ الَّلهِ صَلَّى الَّلهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمْ(اَلْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى الَّلهِ مِنَ اَلْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ وَ فِي كُلِّ خَيْرٍ ,اِحْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ وَاسْتَعِنْ بِالَّلهِ وَلاَ تَعْجَزْ ,وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلاَ تَقُلْ,لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا ,وَلَكِنْ قُلْ:قَدَّرَ اللَّهُ وَمَا شَاءَ فَعَلَ ,فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ)رَوَاهُ مُسْلِمٌ ,قَالَتْ جَنَّةُ:وَمَا أَسَاسُ بَيْتِنَا يَا أَبِي؟,قَالَ الْأَبُ: أَسَاسُ بَيْتِنَا يَا ابْنَتِي تَقْوَى اللَّهِ وَرِضَاهُ كَمَا قَالَ تَعَالَى): أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ-;- تَقْوَىٰ-;- مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ-;- شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ ,وَ اللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ)اَلتَّوْبَةِ109,قَالَتْ (نِعْمَةُ):وَمَا عَدَدُ حُجُرَاتِ شَقَّتِنَا يَا أَبِي؟ قَالَ الْأَبُ:أَرْبَعُ حُجُرَاتٍ يَا (نِعْمَةُ),كُلُّهَا ذَاتُ شُرُفَاتٍ ,مَا رَأْيُكِ يَا ابْنَتِي؟ قَالَتْ (نِعْمَةُ):بَارَكَ اللَّهُ فِيكَ يَا أَبِي,وَأَكْثَرَ مِنْ أَمْثَالِكَ وَحَفِظَكَ لَنَا ذُخْراً وَفَخْراً,اَلْمُهِمُّ يَا أَبِي أَنْ نُعَمِّرَ هَذَا الْبَيْتَ بِذِكْرِ اللهِ, فَعَنِ أَبِي مُوسَىَ الْأَشْعَرَيِّ -رَضِيَ(اللَّهُ) عَنْهُ- عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى الَّلهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمْ قَالَ :(مَثَلُ الَّذِي يَذْكُرُ رَبَّهُ وَالَّذِي لاَ يَذْكُرُهُ مَثَلُ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ)رَوَاهُ الْبُخَارِي, وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ فَقَالَ: مَثَلُ الْبَيْتِ الَّذِي يُذْكَرُ الَّلهُ فِيهِ وَالْبَيْتِ الَّذِي لاَ يُذْكَرُ الَّلهُ فِيهِ, مَثَلُ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ) كَمَا أَنَّهُ مِنَ الْمُهِمِّ جِدًّا أَنْ نُعَمِّرَ هَذَا الْبَيْتَ بِالصَّلاَةِ وَالسَّلاَمِ عَلَى رَسُولُ الَّلهِ صَلَّى الَّلهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمْ فَعَنِ عَلِيٍّ -رَضِيَ(اللَّهُ) عَنْهُ- قَالَ : قَالَ رَسُولُ الَّلهِ صَلَّى الَّلهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم :(الْبَخِيلُ مَنْ ذُكِرْتُ عِنْدَه ُ وَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ)رَوَاهُ التِّرْمِذِي وَ قَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ, كَمَا أَنَّهُ فِي غَايَةِ الْأَهَمِيَّةِ , أَنْ نُعَمِّرَ هَذَا الْبَيْتَ بِإِقَامَةِ الصَّلاَةِ كَمَا قَالَ تَعَالَى):وَأَوْحَيْنَا إِلَىَ مُوسَىَ وَأَخِيهِ أَن تَبَوّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتاً وَاجْعَلُواْ بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُواْ الصّلاَةَ وَبَشّرِ الْمُؤْمِنِينَ)سُورَةِ يُونُسَ الآيَةِ87 ,وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلاَمٍ-رَضِيَ(اللَّهُ) عَنْهُ-أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى الَّلهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم قَالَ: (أَيُّهَا النَّاسُ أَفْشُوا السَّلاَمَ ,وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ ,وَصَلُّوا بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِسَلاَمٍ) رَوَاهُ التِّرْمِذِي وَ قَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ, قَالَ الْأَبُ:حَفِظَكِ اللَّهُ يَا (نِعْمَةُ),وَأَحْمَدُ رَبِّي آنَاءَ اللَّيْلِ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ,أَنْ رَزَقَنِي أَوْلاَداً صَالِحِينَ وَبَنَاتٍ صَالِحاتٍ مِثْلَكِ يَا نِعْمَةُ , أَحْمَدُهُ وَأَشْكُرُ فَضْلَهُ , قَالَ تَعَالَى):وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد ( سُورَةِ إِبْرَاهِيمَ الآيَةِ7.
—
{20} جَامِعَةٌ وَمَدْرَسَةٌ قِصَّةٌ قَصِيرةْ
اِسْتَيْقَظَ حَمْزَةُ مِنْ نَوْمِهِ مُبَكِّراً ,فِي حَوَالَيِ السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ صَبَاحاً , صَلَّى التَّهَجُّدَ وَأَخَذَ يُرَاجِعُ سُوَرَ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ الَّتِي حَفِظَهَا فِي الْكُتَّابِ, وَأَخَذَ يَقْرَأُ فِِي الْمُعْجَمِ الْوَجِيزِ وَ فِي بَعْضِ الْعُلُومِ الْعَرَبِيَّةِ كَالْبَلاَغَةِ وَالْأَدَبِ وَالنُّصُوصِ وَالْمُطَالَعَةِ وَالْعَرُوضِ وَالنَّحْوِ وَالصَّرْفِ, تَعَجَّبَ أَخُوهُ طَارِقٌ وَقَالَ : وَمَا عَلاَقَةُ الْمَعَاجِمِ وَ اللُّغَةِ بِالْقُرْآنِ الْكَرِيمِ حَيْثُ تَطَّلِعُ عَلَيْهَا مَعَ كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ , فَقَالَ حَمْزَةُ:- بِثِقَةِ الْعَارِفِ الْفَاهِمِ – اِسْتَمِعْ مَعِي إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى فِي أَوَّلِ سُورَةِ يُوسُفَ ( الر تلك آيات الْكِتَابِ الْمُبِينِ (1) إِنَّا أنزلناه قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (2) وَاسْتَمِعْ مَعِي إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى فِي أَوَّلِ سُورَةِ الزخرف ( حم (1) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (2) إِنَّا جعلناه قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (3) وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ (4) ), وَأَنْتَ تَعْرِفُ يَا ذَكِيُّ الْعَلاَقَةَ بَيْنَ عُلُومِ اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ وَكِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ , اِسْتَيْقَظَ أَخُوهُمْ مَهْرَانُ عَلَى هَذَا النِّقَاشِ الْجَمِيلِ الْمُمْتِعِ وَالْهَادِفِ فِي نَفْسِ الْوَقْتِ وَقَالَ : يَا طَارِقُ , حَمْزَةُ أَخُوكَ -بَارَكَ اللَّهُ فِيهِ- يَقْصِدُ أَنَّ عُلُومَ اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ كُلَّهَا بِلاَ اسْتِثْنَاءٍ بِمَثَابَةِ خَدَمٍ لِِلْْقُرْآنِ، وَيَنْبَغِي لِمَنْ يُرِيدُ فَهْمَ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ حَقَّ الْفَهْمِ أَنْ يَتَبَحَّرَ فِِي عُلُومِ اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ, اِسْتَيْقَظَ مُعَاذُ وَكَانَ نَائِماً صَاحِياً يَسْمَعُ حَدِيثَهُمُ الشَّيِّقَ وَيَسْتَمْتِعُ بِهِ , وَقَالَ : يَا إِخْوَانُ لَقَدْ سَخَّرَ اللَّهُ لُغَتَنَا الْعَرَبِيَّةَ الْجَمِيلَةَ لِفَهْمِ هَذَا الْكِتَابِ الْمُعْجِزِ وَالتَّعَمُّقَ فِيهِ انْدِرَاجاً تَحْتَ قَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْحِجْرِ: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَ إِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) (9) , اِسْتَمَعَ الْأَبُ وَالْأُمُّ إِلَى تِلْكَ الْمُنَاقَشَةِ الْجَمِيلَةِ وَكَانَا نَائِمَيْنِ مُسْتَيْقِظَيْنِ فَقَالَ الْأَبُ لِلْأُمِّ: الْحَمْدُ لِلَّهِ يَا (سَمِيرَةُ ) أَنْ خَلَقَ مِنْ صُلْبِي أَوْلاَداً كَهَؤُلاَءِ الْأَوْلاَدِ الطَّيِّبِينَ الْحَرِيصِينَ عَلََى رِضَى رَبِّ الْعَالِمَينَ, قَالَتْ (سَمِيرَةُ ) : بَارَكَ اللَّهُ فِيكَ يا حَاجُّ سَيِّدُ, فَأَنْتَ الَّذِي رَبَّيْتَهُمْ وَعَلَّمْتَهُمْ , قَالَ الحاج سَيِّدُ : لاَ أَنْسَى وَ لاَ يُمْكِنُنِي أَنْ أَنْسَى دَوْرَكِ يَا (سَمِيرَةُ ) , فَأَنْتِ الْأُمُّ , وَأَنْتِ الْمَدْرَسَةُ , اَلطِّبُّ وَالْهَنْدَسَةُ ،هَلْ تَذْكُرِينَ يَا (سَمِيرَةُ ) قَوْلَ شَاعِرِ النِّيلِ حَافِظْ إِبْرَاهِيمْ: الْأُمُّ مَدْرَسَةٌ إِذَا أَعْدَدْتَهَا ,أََعْدَدْتَ شَعْباً طَيِّبَ الْأَعْرَاقِ, قَالَتْ (سَمِيرَةُ ) :- بِسَعَادَةٍ بَالِغَةٍ ـ وَلِمَاذَا ـ يَا سَيِّدُ ـ لاَ تَذْكُرُ قَوْلَ شَاعِرِ الْعَالِمِ محسن عبد ربه: الْأُمُّ جَامِعَةٌ الْأَوَائِلِ قَدْ عَلَوْا , فِيهَا وَصَارُوا خِيرَةَ الْقُوَّادِ ؟!، قَالَ سَيِّدُ : لَقَدْ قَرَأْتُهُ وَ اللَّهِ يَا (سَمِيرَةُ ) يَا حَبِيبَتِي فِي جَرِيدَةِ الْجُمْهُورِيَّةِ مِنْ قَصِيدَةٍ لَهُ بِعُنْوَانِ (جَامِعَةِ الْأَوَائِلِ ) قَالَتْ (سَمِيرَةُ ) :-إِذاً فَاعْتَرِفْ أَنَّنِي مَدْرَسَةٌ وَ جَامِعَةٌ, قَالَ سَيِّدُ : أَعْتَرِفُ وَ اللَّهِ يَا زَوْجَتِي الْحَبِيبَةَ أَنَّكِ جَامِعَةٌ وَمَدْرَسَةٌ تُرَبِّي وَتُنَشِّئُ وَتُعَلِّمُ خِيرَةَ الْأَشْبَالِ فِي هَذَا الْعَالِمِ , وَأَبْصُمُ بِالْعَشْرَةِ إِنْ أَرَدْتِ، قَالَتْ (سَمِيرَةُ ) :أَثِقُ فِي تَقْدِيرِكَ لِي يَا أَبَا حَمْزَةَ ، قَالَ سَيِّدُ : وَأَنَا أَحْمَدُ اللَّهَ الَّذِي أَهْدَاكِ لِي يَا أُمَّ حَمْزَةَ , رَدَّدَ الزَّوْجَانِ فِي نَفَسٍ وَاحِدٍ: اَلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالِمَينَ وَالصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ عَلَى أَشْرَفِ الْمُرْسَلِينَ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ مَنْ أَهْدَاهُ رَبُّهُ رَحْمَةً لِلْعَالِمَينَ 0
—
{21} جَمَلُ الْحَجِيجْ قِصَّةٌ قَصِيرةْ
(يَارَا) بِنْتٌ صَغِيرَةٌ فِي الْخَامِسَةِ مِنْ عُمْرِهَا , ذَكِيَّةٌ مُؤَدَّبَةٌ, كَأَنَّهَا مَلاَكٌ صَغِيرٌ فِي صُورَةِ كَائِنٍ بَشَرِيٍّ ,مُلْتَزِمَةٌ بِكِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ – عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلاَةِ وَأَتَمُّ التَّسْلِيمَاتِ ,تُصَلِّي ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ,وَتُقَدِّسُ طَاعَةَ الْوَالِدَيْنِ وَالْإِحْسَانَ إِلَى الْجِيرَانِ وَإِكْرَامَ الضَّيْفِ ,ذَاتَ لَيْلَةٍ رَأَتْ (يَارَا) فِيمَا يَرَى النَّائِمُ جَمَلاً مَكْتُوباً عَلَيْهِ (جَمَلُ00الْحَجِيجِ) يَرْكَبُهُ النَّاسُ قَاصِدِينَ بَيْتَ اللَّهِ الْحَرَامَ ,يُوَصِّلُهُمْ بِسُرْعَةِ الْبَرْقِ وَيَعُودُ لِيَأُخُذَ أُنَاساً آخَرِينَ ,وَلَمَحَت (يَارَا) بَيْنَ جُمُوعِ الْخَلْقِ شَيْخاً طَيِّباً كَثَّ اللِّحْيَةِ أَبْيَضَهَا يُنَادِي عَلَيْهِ النَّاسُ :اِرْكَبْ يَا أَبَا إِنَاثٍ ,هَذَا (جَمَلُ00الْحَجِيجِ) ,وَيُحَاوِلُ أَبُو إِنَاثٍ وَلَكِنَّ قَدَمَيْهِ لاَ تُسَاعِدَانِهِ ,قَامَتْ (يَارَا) مِنْ نَوْمِهَا وَقْتَ السَّحَرِ ,تَسْتَغْفِرُ اللَّهَ , وَتُرَدِّدُ قَائِلَةً :خَيْرٌ اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ خَيْراً , اسْتَمَرَّ الْحَالُ عَلَى هَذَا الْوَضْعِ أُسْبُوعاً كَامِلاً ,فَقَالَتْ (يَارَا)- فِي نَفْسِهَا- : إِنَّ الْأَمْرَ جَدُّ خَطِيرٍ , وَحَكَتْ لِأُمِّهَا الرُّؤْيَا , وَحَكَتْ أُمُّهَا لِأَبِيهَا ,فَقَالَ أَبُو (يَارَا): خَيْرٌ يَا أُمَّ (يَارَا) ,هَذِهِ رِسَالَةٌ لِي ,فَأَنَا-بِفَضْلِ اللَّهِ رَجُلٌ ثَرِيٌّ جِدًّا ,وَ أَبُو إِنَاثَ رَجُلٌ مَسْتُورُ الْحَالِ لَيْسَ مَعَهُ مَا يَكْفِي نَفَقَاتِ الْحَجِّ ,وَهُوَ جَارُنَا ,رَجُلٌ مُلْتَزِمٌ بِأَخْلاَقِ الْإِسْلامِ ,يُحِبُّنِي فِي اللَّهِ وَأُحِبُّهُ ,وَلاَبُدَّ أَنْ أُحِبَّ لَهُ الْحَجَّ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ مِثْلَمَا أُحِبُّهُ لِنَفْسِي , قَالَتْ أُمُّ (يَارَا): مَاذَا تَقْصِدُ يَا أَبَا (يَارَا)؟! قَالَ أَبُو (يَارَا): سَتَعْرِفِينَ يَا قَدَمَ الْخَيْرِ , اِسْتَعِدِّي لِزِيَارَةِ أُمِّ إِنَاثَ ,وَاصْطَحِبِي (يَارَا) لِتَرَى صَاحِبَتَهَا (إِنَاثَ) , وَسَأَكُونُ مَعَكُمْ لِأَلْتَقِيَ أَخِي فِي الْإِيمَانِ أَبَا (إِنَاثَ) ,وَعِنْدَمَا وَصَلُوا إِلَى بَيْتِ جِيرَانِهِمْ ,تَعَانَقَ الْجَارَانِ أَبُو (يَارَا) وَأَبُو (إِنَاثَ) ,وَ قَالَ أَبُو (يَارَا): اَلصُّحْبَةَ يَا أَبَا (إِنَاثَ) , وَقَالَتْ أُمُّ (يَارَا): اَلصُّحْبَةَ يَا أُمَّ (إِنَاثَ) , وَقَالَتْ (يَارَا): اَلصُّحْبَةَ يَا (إِنَاثُ) , قَالَتْ (إِنَاثُ): إِلَى أَينَ يَا جَارَتِي الْعَزِيزَةَ ؟ قَالَتْ (يَارَا): إِلَى بَيْتَ اللَّهِ الْحَرَامِ (عَلَى جَمَلِ الْحَجِيجِ) , قَالَتْ (إِنَاثُ): وَلَكِنَّا لاَ نَجْرُؤُ عَلَى رُكُوبِ هَذَا الْجَمَلِ, فَلَيْسَتْ مَعَنَا نَفَقَاتُهُ , قَالَتْ (يَارَا): نَحْنُ نَمْلِكُ الْمَالَ , وَ الْمَالُ هَذَا مَالُ اللَّهِ , وَ اللَّهُ يَخْتَبِرُنَا إِنْ كُنَّا سَنُسَاعِدُكُمْ يَا صَاحِبَتِي الْحَبِيبَةَ أَمْ لاَ , أَتُرِيدِينَ لَنَا أَنْ نَرْسُبَ فِي الاِمْتِحَانِ؟! ,أَخَذَتْ (إِنَاثُ) صَدِيقَتَهَا(يَارَا) بِالْأَحْضَانِ , وَانْطَلَقَتِ الْأُسْرَتَانِ (عَلَى جَمَلِ00الْحَجِيجِ) , إِلَى بَيْتَ اللَّهِ الْحَرَامَ.
—
{22} حَجَّةٌ لِأُمِّي قِصَّةٌ قَصِيرةْ
(لَكِ اللَّهُ يَا أُمِّي تُريدِينَ حَجَّةً ,تُضَمِّدُ جُرْحَ الْعُمْر بَعْدَ انْتِكَائِهِ ,أَيُحْرَمُ قَلْبُ الْأُمِّ مِنْ حَجَّةٍ غَدَتْ ,هِيَ الْأَمَلُ الْبَاقِي عَلَى نُظَرَائِهِ) لَمَحَتِ الْمُعَلِّمَةُ (أَمِينَةُ) الْبِنْتَ الصَّغِيرَةَ (سَلْوَى) وَقَدْ تَمَاوَجَتْ فِي عَيْنَيْهَا الدُّمُوعُ ,فَذَهَبَتْ إِلَيْهَا بِسُرْعَةٍ فِي مَقْعَدِهَا فَوَجَدَتْهَا تَكْتُبُ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ الْجَمِيلَةَ وَالْحَزِينَةَ فِي نَفْسِ الْوَقْتِ ,سَأَلَتْهَا الْمُعَلِّمَةُ :مَا لَكِ يَا (سَلْوَى) ؟! وَمَاذَا تَكْتُبِينَ؟! لَمْ تَرُدَّ(سَلْوَى) وَلَمْ تَهْمِسْ بِبِنْتِ شَفَةٍ ,اِسْتَكْمَلَتِ الْمُعَلِّمَةُ (أَمِينَةُ) شَرْحَ حِصَّةِ الدِّرَاسَاتِ الاِجْتِمَاعِيَّةِ ,وَكَانَتْ (أَمِينَةً) كَاسْمِهَا فَأَخَذَتْ تُفَكِّرُ فِي حَالَةِ الْبِنْتِ (سَلْوَى) , وَأَخَذَتْ تَضْرِبُ أَخْمَاساً فِي أَسْدَاسٍ ,حَتَّى هَدَاهَا اللَّهُ لِلذِّهَابِ إِلَى الأَخِصَّائِيَّةِ النَّفْسِيَّةِ بِالْمَدْرَسَةِ ,( مَدَامْ نُهَى) وَعَرَضَتْ عَلَيْهَا مَوْضُوعَ (سَلْوَى) وَحَكَتْ لَهَا قِصَّتَهَا بِالْكَامِلِ فَقَالَتْ ( مَدَامْ نُهَى):حَسَناً مَا فَعَلْتِ يَا (أَمِينَةُ) اُتْرُكِي الْأَمْرَ لِلَّهِ ,وَسَأُولِي هَذَا الْأَمْرَ رِعَايَةً وَاهْتِمَاماً مُنْقَطِعَيِ النَّظِيرِ ,وَفِي الْيَوْمِ التَّالِي ذَهَبَتِ الْأَخِصَّائِيَّةُ النَّفْسِيَّةُ إِلَى فَصْلِ (سَلْوَى) قَبْلَ انْتِهَاءِ الْيَوْمِ الدِّرَاسِيِّ ,وَاسْتَأْذَنَتْ مِنْ مُعَلِّمَةِ اللُّغَةِ الاِنْجِليزِيَّةِ لِتَصْطَحِبَ (سَلْوَى) إِلَى حُجْرَةِ الْأَخِصَّائِيَّةِ النَّفْسِيَّةِ ,وَأَجْلَسَتْهَا عَلَى كُرْسِيٍّ مُرِيحٍ وَجَمِيلٍ ,وَمَنَحَتْهَا مَشْرُوباً أَجْمَلَ ,وَسَأَلَتْهَا-بِرِقَّةٍ وَلُطْفٍ- مَاذَا كُنْتِ تَكْتُبِينَ يَا (سَلْوَى) فِي حِصَّةِ (الْأَبْلَةِ أَمِينَةَ)؟! فَأَجَابَتْ (سَلْوَى) – بِرِقَّةٍ وَمَشَاعِرَ وَأَحَاسِيسَ لاَ أَجْمَلَ وَ لاَ أَرْوَعَ – كُنْتُ أَكْتُبُ كَلِمَاتٍ عَنْ أَمَلِ أُمِّي فِي الْحَجِّ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ وَزِيَارَةِ رَوْضَةِ الرَّسُولِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قَالَتْ الْأَخِصَّائِيَّةِ:وَلَكِنَّ مَا كَتَبْتِهِ يَا ابْنَتِي شِعْرٌ مَوْزُونٌ وَمُقَفًّى وَغَايَةٌ فِي الْجَمَالِ ,فَهَلْ بِوُسْعِكِ يَا (سَلْوَى) أَنْ تَكْتُبِي صَفْحَةً مِنْ مِثْلِ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ وَتُعَنْوِنِيهَا ؟! أَجَابَتْ (سَلْوَى) – بِثِقَةٍ –: وَأَكْثَرَ مِنْ صَفْحَتَيْنِ – لَوْ أَرَدْتِ يَا أُسْتَاذَتِي – كَتَبَتْ (سَلْوَى) الْكَلِمَاتِ وَاخْتًارَتْ لَهَا عُنْواناً جَمِيلاً هُوَ(حَجَّةٌ00لِأُمِّي) أَخَذَتِ الْأَخِصَّائِيَّةُ النَّفْسِيَّةُ كَلِمَاتِ (سَلْوَى) وَقَدَّمَتْهَا لَهَا فِي مُسَابَقَةِ الْإِدَارَةِ الْمَدْرَسِيَّةِ لِلْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ ,وَعِنْدَ جُلُوسِ الْمُحَكِّمِينَ لِإِعْلاَنِ النَّتِيجَةِ أَخَذَ قَلْبُ (سَلْوَى) يَنْبِض ُ وَيُرَفْرِفُ بَيْنَ ضُلُوعِهَا ,وَالْمُحَكِّمُونَ يُعْلِنُونَ أَسْمَاءَ الْفَائِزَاتِ بِالْحَجِّ تَارَةً وَبِالْعُمْرَةِ تَارَةً أُخْرَى ,تَوَتَّرَتْ (سَلْوَى) خَوْفاً مِنْ عَدَمِ فَوْزِهَا وَكَادَ الْحَفْلُ يَنْتَهِي ,وَقَامَ الْأَدِيبُ الْكَبِيرُ الْأُسْتَاذُ/ عَبْدُ اللَّهِ عَبْدُ الوَهَّابِ الْمَنَّانِ ,رَئِيسُ تَحْكِيمِ لَجْنَةِ الْمُسَابَقَةِ ,يُعْلِنُ عَنْ أَجْمَلِ قَصِيدَةٍ فَازَتْ فِي السِّبَاقِ وَهِيَ قَصِيدَةُ (حَجَّةٍ..لِأُمِّي) لِلْأَدِيبَةِ الْوَاعِدَةِ(سَلْوَى) ,وَقَالَ رَئِيسُ تَحْكِيمِ لَجْنَةِ الْمُسَابَقَةِ:وَلَكِنِّي أُخَالِفُكِ الرَّأْيَ أَيَّتُهَا الشَّاعِرَةُ النَّابِغَةُ (سَلْوَى) وأُعْلِنُ عَنْ فَوْزِكِ بِجَائِزَتَيْنِ لِلْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ إِحْدَاهُمَا لِأُمِّكِ وَالْأُخْرَى لَكِ.
—
{23} حَـدِيـثُ الشَّـجَـرَةِ قِصَّةٌ قَصِيرَةْ
ذَاتَ يَوْمٍ اسْـتَـيْـقَـظَتِ الشَّجَـرَةُ سَعْدِيَّةُ وَهِيَ تَـبْكِي بِصَوْتٍ عَالٍ وَتَـصْـرُخُ ، فَزِعَتِ الْأَشْجَارُ عَلَى شَاطِئِ التُّــرْعَةِ وَأَشْجَارُ الْجَزْوَرِينِ وَالتُّـوتِ وَالصَّفْصَافِ عَـلَى (مَرْبَطِ) (وَطِوَالَةِ) الْـبَهَائِمِ ، وَهَـرَعْـنَ إِلَى الشَّجَـرَةِ سَعْدِيَّةَ ، كَــمَا فـزِعَ الْحِمَارُ وَفَـكَّ نَفْسَهُ مِنَ الْوَتَدِ الَّذِي رَبَطَهُ بِهِ الْعَمُّ شَنْدَوِيلِي ، مُسْرِعاً إِلَى الشَّجَـرَةِ سَعْدِيَّةَ ، يُنهِّقُ فِي حُزْنٍ،وَيَسْـأَلُهَا عَمَّا بِهَا ،كَمَا خَرَجَتِ الْعَصَافِيرُ مِنْ أَعْشَــاشِهَا بِــزَقْزَقَةٍ حَزِينَةٍ ، وَأَخَذَ الْـيَمَامُ يُحَـلِّقُ فِي السَّمَاءِ فَوْقَ الشَّجَـرَةِ سَعْدِيَّةَ وَهُوَ يُدَنْدِنُ فِي حُزْنٍ: وَحِّدُوا رَبَّكُمْ ، وَحِّدُوا رَبَّكُمْ وَرَفْـرَفَتِ الْحَمَائِمُ وَهَـدَلتْ هـَدِيلاً مُـحُزِناً ،وَهَـاجَ وَمَـاجَ الضُّـفْدَعُ بِـنَقِيقِهِ مُتَـجَمِّعاً فِي التُّـرْعَةِ ،حَزِيناً مِنْ أَجْلِ الشَّجَـرَةِ سَعْدِيَّةَ ، وَنَبَحَتِ الْكِلاَبُ فِي أَسَىً هَوْ هَوْهَوْ هَوْهَوْ ، وَهِيَ تُـرْخِي ذُيُولَهَا ،وَأَسْرَعَتِ الْجَوَامِيسُ وَالْأَبْقَارُ إِلَى الشَّجَـرَةِ سَعْدِيَّةَ ،الْكُلُّ يَسْـأَلُهَا عَمَّا أَلَمَّ ،بِهَا,وَهِيَ تَـبْكي وَتَـقُولُ : تَعَدَّدَتِ الْأَسْـبَابُ وَالْمَوْتُ وَاحِدُ ، لَقَدْ جَاءَ فِي مُـنْـتَـصَـفِ اللَّـيْلِ رَجُلٌ قَوِيٌ ، وَمَعَهُ عُصْـبَـةٌ أَقْوِيَاءٌ مِنَ الرِّجَالِ ، مَعَهُمْ مِنْشَارٌ آلِيٌّ قَطَعُوا بِهِ أُمِّي (الشَّجَـرَةَ ابْتِسَامَ) ، وَعِنْدَمَا سَـأَلْـتُهُمْ لِمَاذَا تَقْطَعُونَ أُمِّي ؟! قَالُوا :لِنَطْبُخَ بِهَا الْعِجْلَ الَّذِي ذبَحَهُ الْعُمْدُةُ فِي فَرَحِ ابْنِهِ ، قَالَ الْقِرْدُ الَّذِي كَانَ قَدْ جَاءَ مُـتَـأَخِّراً : مَصَــائِبُ قَــوْمٍ عِنْدَ قَــوْمٍ فَوَائِدُ ، وَقَالَتِ الْجَامُوسَةُ : إِنَّ هَذَا الْعِجْلَ الَّذِي ذَبَحُوهُ لِفَرَحِ ابْنِ الْعُمْدَةِ هُوَ ابْنِي يَا حَبِيبَتِي الشَّجَـرَةُ سَعْدِيَّةُ ،فَمُصِيبَـتـُـُنَا وَاحِدَةٌ ، وَكَمَا قَالَ الشَّاعِـرُ: ( إِنَّ الْمَصَــائِبَ يَجْمَعْنَ الْمُصَابِينَا ) وَأَخَذَتْ جُمُوعُ الطُّـيُورِ وَالْحَيَوَانَاتِ وَالنَّـبَـاتَــاتِ تُعَزِّى الشَّجَـرَةَ سَعْدِيَّةَ وَ(الْجَامُوسَةَ رَحَا) ، وَأَخَذَتِ الشَّجَـرَةُ سَعْدِيَّةُ تَمْسَحُ دُمُوعَهَا وَقَدْ بَلَّـلَتِ فُروعَـهَا قَطَرَاتُ النَّدَى الْجَمِيلَةُ ، وَهِيَ تَقُولُ : (( إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ)) ( 156 سُورَةُ الْـبَقَرَةِ ) ( اللَّهُمَّ أَجِرْنَا فِي مُصِيبَتِنَا وَأَبْدِلْـنَا مِنْهَا خَـيْراً) ( اللَّهُمَّ لاَ تَحْرِمْـنَا أَجْرَهَا وَلاَ تَفْتِــنَّا بَعْدَهَا وَاغْــفِرْ لَنَا وَ لَهَا ) قَالَ الدِّيكُ بِصَوْتٍ حَـزِينٍ :- وَهُوَ يَـبْكِي – لَقَدْ كَانَتِ الشَّجَـرَةُ ابْتِسَامُ تُسَـبِّحُ بِحَمْدِ رَبِّهَا لَيْلَ نَهَارٍ وَتُطِيلُ الاِسْتِغْفَارَ ، وَكَثِيراً مَا كُـنْتُ أَلْعَب فِي ظِلِّهَا ، فَـتَـسْـتَـقْـبِـلُـنِي فِي حَـنَانٍ ، كَـأَنَّهَا تَسْـتَـقْـبِـلُ ابْـنَـهَا الْعَائِدَ ، وَتَـهُـزُّ فُـرُوعَهَا بِالنَّـسَمَاتِ الْحَانِيَةِ ، وَأَحْيَاناً بِالْــهَوَاءالشَّدِيدِ الَّذِي يَدْفَعُ الْحَبَّ مِنْ أَمَاكِنَ أُخْـرَى فَـأَلْـتَـقِطُـهُ ، رِزْقاً لِي مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الَّذِي تَكَفَّلَ بِرِزْقِ كُــلِّ دَابَّةٍ عَـلَى وَجْهِ الْأَرْضِ ، كُـنْـتُ أُحِسُّ مَعَ الشَّجَـرَةِ ابْتِسَامَ بِحَـنَانِ الْأُمِّ الَّذِي افْـتَـقَدْـتُـُهُ مُـنْذُ صِغَرىِ ، وَارْتَـفَعَ صَوْتُـهُ بِالْـبُكَاء وَهُوَ يَصِيحُ : كُـوكُو كُكُو كُـوكُو كُكُو وَحِّدُوا رَبَّكُمْ ,عَقَّـبَتِ الشَّجَـرَةُ سَعْدِيَّةُ عَلَى عَزَاءِ الدِّيكِ قَائِلَةً : شُكْراً لَكَ أَيُّهَا الدِّيكُ الْمُؤْمِنُ عَلَى مَشَاعِرِكَ الْفَـيَّاضَةِ الْمَلِيئَةِ بِالتَّـرَاحُمِ وَالتَّعَاطُفِ وَالْإِحْسَاسِ الْجَمِيلِ بِالْآخَرِينَ وَهَذَا حَالُ الْمُؤْمِـنِـينَ0
—-

