سيكولوجية النجاة : كيف يحول الالتزام الميداني الخطة إلى أمان ؟
كبها محمد المدلج
تاريخ النشر: 09/04/26 | 7:02
في أدبيات إدارة سيناريوهات الطوارئ المتعددة , تبرز حقيقة استراتيجية راسخة ومفادها :
إن الكفاءة التشغيلية لأكثر الخطط الاستراتيجية تطوراً تظل رهينةً بمحددات السلوك البشري ومستويات الانضباط المحاكية لها في الميدان , إذ تُشكل الفجوة الهيكلية القائمة بين البروتوكول المعياري وواقع الامتثال الميداني , المتغير الأكثر حرجاً وتأثيراً في صياغة مؤشرات السلامة العامة , وتحديد حجم الخسائر البشرية المحتملة إبان الأزمات .
من خلال خبرتي الميدانية التي تجاوزت عشر سنوات في إدارة الطوارئ البلدية ، ودراستي الأكاديمية في جامعة حيفا ، توصلت إلى قناعة مهنية بأن سيكولوجية الالتزام ليست مجرد سلوك عابر, بل هي خط الدفاع الأول لضمان الأمان واستمراريته .
إن الالتزام بتعليمات الجبهة الداخلية يتعدى كونه مجرد تنفيذ للأوامر, فهو فعل استراتيجي واعٍ يهدف بشكل مباشر إلى تقليل احتمالية التعرض للمخاطر , وتعزيز قدرة المجتمع على الصمود (Resilience) من خلال تحويل وعي الأفراد إلى قوة جماعية منظمة ومتكاملة .
المعطيات الرسمية والتحقيقات الميدانية تؤكد هذه الرؤية :
تُظهر التحليلات الفنية والبيانات الميدانية الصادرة عن قيادة الجبهة الداخلية خلال الأزمة الراهنة حقيقة رقمية لا يمكن تجاهلها , بحيث إن الغالبية العظمى من الإصابات والوفيات وقعت بين المواطنين الذين تواجدوا خارج المناطق المحمية لحظة الحدث , أو الذين لم يلتزموا بالبقاء داخل الملاجئ للمدة الزمنية الكافية (10 دقائق). وفي المقابل , نجد أن الفئات التي التزمت التزاماً كاملاً بالتعليمات سجلت إصابات قليلة جدا في معظم الحالات ، حتى عند تعرض المباني لدمار كلي . وهذا يثبت واقعياً أن الوعي السلوكي هو المكمل الضروري والوحيد لفاعلية التكنولوجيا وأنظمة التحصين.
وانطلاقاً من دورنا كخبراء ومخططين في إدارة حالات الطوارئ المختلفة , ندرك وجود فجوات حقيقية في ثقافة التصرف الصح أوقات الطوارئ لدى بعض شرائح المجتمع . وهذا يدفعنا إلى ضرورة الانتقال من مجرد إصدار تعليمات جامدة إلى مرحلة بناء وعي مجتمعي شامل , وتطوير قنوات تواصل مهنية قادرة على كسب ثقة المواطن وتحويل الأمن والسلامة من مجرد إجراءات إلى قيمة اجتماعية يتبناها الجميع .
ختاماً: إن منظومة الأمن القومي والمدني لا تكتمل بوجود التكنولوجيا والتحصينات فحسب , بل تبدأ وتنتهي عند وعي الفرد , فالجاهزية الحقيقية ليست مجرد معدات وملاجئ , بل هي ثقافة التزام راسخة .
نصيحة إرشادية: لكل مواطن ولكل مسؤول عن سلامة الجمهور, لا تنظروا إلى تعليمات الطوارئ كقيود تحد من حركتكم , بل كأدوات نجاة صُممت خصيصاً لحمايتكم . إن استثمارنا اليوم في رفع مستوى الوعي المجتمعي هو الاستثمار الأضمن لتقليل الخسائر الغد , ففي وقت الأزمات ، الوعي هو الذي يصنع الفرق بين خطرٍ عابر ونجاةٍ محققة .
كبها محمد المدلج
خبير أزمات وطوارئ | باحث دكتوراة بجامعة حيفا
متخصص في التخطيط الاستراتيجي والحصانة المجتمعية


