بين مطبخين… شرقٌ أوسط يُعاد طهوه. . . وشويُّه

فخري هوّاش البروة/ جديدة المكر

تاريخ النشر: 07/04/26 | 15:33

في هذا الشرق الذي لم يبرد يومًا، لا تُصاغ الخرائط بالحبر فقط، بل تُطهى على نارٍ هادئة في مطابخ السياسة الكبرى. هناك، خلف الأبواب المغلقة، تُخلط المكونات: أمنٌ، نفطٌ، خوفٌ، وأوهامُ سلام.

في أحد هذه المطابخ، يجلس بنيامين نتنياهو ومعه إرث دونالد ترامب، يراجعان وصفةً قديمة ببهارات جديدة: تحالفٌ إقليمي إسرأمريكي خليجي يُراد له أن يبدو طبيعيًا، يبدأ من التطبيع ولا ينتهي عنده.
الفكرة بسيطة في ظاهرها: إدماج إسرائيل في الجسد الخليجي العربي عبر بوابة المصالح، وتقديم “الاستقرار” كبديلٍ عن العدالة. تُقدَّم الطبخة على طبقٍ لامع عنوانه: الأمن المشترك والازدهار الاقتصادي، لكن ما يُخفى في الوصفة أكثر مما يُعلن: تأجيل القضية الفلسطينية، أو تذويبها في صلصات الاتفاقيات.

غير أن هذا المطبخ، رغم بريقه، يعاني من عطبٍ أخلاقي وسياسي؛ إذ لا يمكن لأي وصفة أن تنجح إذا تجاهلت المكوّن الأساسي في الوجدان العربي: فلسطين. كل محاولة لتجاوزها تتحول، مع الوقت، إلى طعمٍ مرّ في فم الشعوب، مهما زُيّنت اللغة وتعدّدت المسميات.

في الجهة الأخرى، ثمة مطبخٌ مختلف، أقل صخبًا في الإعلام، لكنه أكثر صبرًا في الطهو. هناك تتحرك الصين وروسيا ،لا لصناعة سلامٍ بالمعنى الكلاسيكي، بل لصياغة توازنٍ جديد.
هنا، لا تُطرح الوصفة كحلمٍ وردي، بل كمعادلة قوة: كسر احتكار الغرب، وبناء شبكة مصالح موازية، ودعم أطرافٍ إقليمية تقاوم الهيمنة. هو مطبخٌ لا يعدُ كثيرًا، لكنه يراهن على الزمن، وعلى تشقق النظام الدولي القديم.

غير أن هذا المطبخ أيضًا ليس بريئًا؛ فلكل طرفٍ فيه حساباته، ولكل قدرٍ ناره الخاصة. التناقضات كامنة، والرهانات محفوفة بأزمات اقتصادية وسياسية قد تجعل الطبخة ثقيلة على شعوب المنطقة، لا أقل.

بين هذين المطبخين، يقف الشرق الأوسط كجسدٍ يُعاد تشكيله دون أن يُستأذن. تُرسم له الأدوار، وتُحدَّد له المسارات، وكأنه مائدةٌ لا صوت لها. لكن الحقيقة التي تتكرر، رغم كل محاولات التجميل، أن هذه الأرض ليست وصفةً جاهزة، ولا شعوبها مكوناتٍ صامتة.

فلسطين، التي يحاول البعض وضعها في الهامش، تعود في كل مرة إلى قلب النص، تُفسد الحسابات، وتعيد تعريف الممكن. وما يُبنى دونها يظلّ هشًا، مهما بدا متماسكًا في تقارير السياسة.

الشرق الأوسط الجديد، إن كان سيولد حقًا، فلن يخرج من مطبخٍ واحد، ولن يكون طبقًا يُقدَّم جاهزًا. بل سيكون نتيجة صراعٍ طويل بين مشاريع، وإرادات، وذاكرةٍ ترفض النسيان.

وفي النهاية، قد تتغير الأسماء والعناوين، لكن السؤال سيبقى معلقًا فوق كل الموائد:
هل يُمكن لطعامٍ سياسي أن يُشبع شعوبًا جائعةً للحرية والكرامة؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
بقجة Icon
بقجة
أحصل على تطبيق بقجة الجديد
تحميل
×

تمّ اكتشاف مانع للإعلانات

فضلاً قم بإلغاء مانع الإعلانات حتى تتمكن من تصفّح موقع بقجة