حين تصبح الحرب أسلوب حياة: الشرق الأوسط بين تآكل الإنسان وصناعة الصمود
بقلم: رانية مرجية
تاريخ النشر: 06/04/26 | 6:53
في الشرق الأوسط، لا تبدأ الحروب حين تُطلق أول رصاصة، بل حين يفقد الإنسان إحساسه بأن الحياة يمكن أن تكون طبيعية. ولا تنتهي حين يصمت السلاح، بل حين يستعيد هذا الإحساس. بين هاتين اللحظتين، تعيش مجتمعات كاملة في حالة معلّقة، حيث يتحول البقاء إلى إنجاز يومي، ويغدو الأمل فعلًا مؤجلًا.
ليست المأساة في اندلاع الحروب، بل في أنها لا تغادر. في أنها تستقر في التفاصيل الصغيرة، وتعيد تشكيل الإنسان ببطء، حتى يصبح الخوف عادة، والانتظار نمط حياة. فالمدن يمكن أن تُعاد بناؤها، لكن ما يتصدع داخل الإنسان — شعوره بالأمان، ثقته بالمستقبل، وقدرته على الحلم — ليس من السهل ترميمه.
الحرب كإعادة تعريف للإنسان
أخطر ما تفعله الحروب في الشرق الأوسط أنها لا تكتفي بإنتاج الضحايا، بل تعيد تعريف من ينجو. فالنجاة هنا ليست عودة إلى ما كان، بل انتقال إلى حياة أقل يقينًا وأكثر حذرًا.
الطفل الذي يتعلم التمييز بين أصوات القصف قبل أن يتعلم القراءة، لا يعيش طفولة ناقصة فحسب، بل يعيش وعيًا مبكرًا بثقل العالم. والإنسان الذي يُهجَّر لا يفقد مكانه فقط، بل يفقد العلاقة التي تربطه به، حتى لو عاد إليه لاحقًا. هكذا تتحول الحرب إلى عملية مستمرة لتقليص الأمان وتوسيع الخوف.
الشرق الأوسط: حين تتحول الحرب إلى نظام
لا تعيش المنطقة حروبًا منفصلة، بل نمطًا متكررًا من الصراع يعيد إنتاج نفسه. من غزة إلى لبنان، ومن سوريا إلى اليمن، تتشابه المآلات: دمار يتجاوز اللحظة، وأزمات تمتد عبر الزمن، وحلول مؤجلة تُرحَّل من جيل إلى آخر.
في غزة مثلًا، لا يظهر أثر الحرب فقط في حجم الدمار، بل في تفكك الحياة اليومية: مدارس متوقفة، عائلات نازحة، واقتصاد عاجز عن الاستمرار. هذا النموذج لا يختلف كثيرًا، في جوهره، عما شهدته مجتمعات أخرى في المنطقة، حيث تتحول الحرب إلى حالة مستمرة تعيق أي استقرار حقيقي.
المشكلة ليست فقط في شدة الحروب، بل في استمراريتها. فهي لا تمنح المجتمعات فرصة كافية للتعافي. كل محاولة للاستقرار تُقاطعها جولة جديدة، وكل أمل يُعاد تعليقه.
المجتمع العربي: رفض الحرب وحدود الواقع
يحمل المجتمع العربي موقفًا مركبًا من الحرب. فهو يرفضها بوصفها كارثة إنسانية، لكنه لا يفصلها عن سياقها السياسي، خاصة في ظل الاحتلال أو غياب العدالة.
هذا ليس تناقضًا، بل انعكاس لواقع معقد. فالحرب، بالنسبة لكثيرين، ليست خيارًا بقدر ما هي نتيجة لانسداد الأفق. لذلك، لا تُفهم بمعزل عن أسبابها، ولا يُفصل بين العنف ومن أنتجه.
هذا الوعي يجعل الموقف العربي مشدودًا بين إرهاق متراكم من الحروب، وشك عميق في أي سلام لا يعالج جذور الصراع.
الفلسطيني في الداخل: العيش داخل التناقض
إذا كان العربي يعيش أثر الحرب، فإن الفلسطيني في الداخل يعيش توترها.
هو في موقع بينيّ: انتماؤه واضح، لكن التعبير عنه محكوم بقيود. يعيش الحرب بوصفها جزءًا من وعيه اليومي، حتى عندما لا يكون في ساحة المواجهة المباشرة.
في هذا السياق، لا تكون المواقف سهلة. فالكلمة قد تُكلّف، والصمت قد يُساء فهمه، والانتماء يتحول إلى مساحة دقيقة من التوازن. ومع ذلك، لا ينكفئ هذا المجتمع، بل يتمسك بحياته اليومية: التعليم، العمل، والعلاقات الاجتماعية. وهذا التمسك ليس حيادًا، بل شكل من أشكال الصمود الهادئ.
حين يتآكل المعنى
الحروب الطويلة لا تدمر الواقع فقط، بل تُعيد تشكيل المعايير. ما كان صادمًا يصبح مألوفًا، وما كان مرفوضًا يصبح قابلًا للتكرار.
وهنا تكمن الخطورة: حين تتحول المأساة إلى رقم، والخسارة إلى خبر عابر، ويفقد الإنسان تدريجيًا حساسيته تجاه ما يحدث. ومع ذلك، لا يختفي الوعي، بل يتعمق بصمت، لأن من يعيش الحرب يرى ما لا يُقال.
خاتمة: ما بعد النجاة
في الشرق الأوسط، لم يعد التحدي أن ينجو الإنسان فقط، بل أن يبقى إنسانًا بعد النجاة.
فالحرب لا تختبر القدرة على التحمل فحسب، بل تختبر القدرة على الحفاظ على المعنى: على التمسك بفكرة أن الحياة يمكن أن تكون أكثر من مجرد بقاء.
ولهذا، فإن نهاية الحرب لا تبدأ حين يتوقف القتال، بل حين يُعاد الاعتبار للإنسان: لكرامته، لحقه في الأمان، ولقدرته على أن يحلم دون خوف

