منكما رضعتُ المبادئ والقيم!
د. محمود أبو فنه
تاريخ النشر: 04/04/26 | 17:15
كثيرًا ما أشغلَ فكري سؤالٌ محيّر:
ما هي العواملُ، ومَنْ هم الأشخاصُ الّذين أسهموا في بلورة شخصيّتي وبناء منظومة القيم والمبادئ الّتي أعتنقُها.
عدتُ لشريط الذّكريات، وراجعتُ مسيرة عمري، وتدريجيّا أخذ هذا اللّغزُ يجد الحلّ!
لم تكن العمليّةُ سهلة، فالمربّون وعلماءُ النّفس وعلماءُ الاجتماع كتبوا وأسهبوا في الحديث عن عوامل التّنشئة الاجتماعيّة وبناء الشّخصيّة لدى الأفراد؛
قالوا: إنّ للعوامل الوراثيّة/الجينات أثرًا في بناء شخصيّة الفرد، وقالوا، كذلك، إنّ للبيئة القريبة والبعيدة دورًا في صقل الشّخصيّة، وطبعًا، ذكروا أنّ للتّربية والتّعليم حظّا في التّنشئة الاجتماعيّة؛ لكن، على ما يبدو كان العامل الحاسم والأساسيّ في عمليّة اكتسابي القيم والمبادئ هو والدي الشّيخ محمّد، وأمّي عبلة – لهما الرّحمة وأصدق الدّعاء!
كان أبي فلّاحًا ورث حبّ الأرض عن أبيه وأجداده.
قبل عام 1948 كان أبي يعمل في أرضنا المعطاء، في الشّتاء يبذر بذور الغلال من القمح والشّعير والذّرة والسّمسم والعدس ليجنيَ محصول الخير والبركة مع حلول فصل الصّيف، وأمّا في موسم الصّيف فيزرع مزروعات لا تحتاج إلى الرّيّ مثل: الباميا واللّوبيا والخيار وربّما “مقاثي” البطّيخ والشّمّام لتهنأ الأسرة بما تجود علينا أرضُنا الكريمة من هذه الخيرات الّتي ما عرفت الأسمدة الكيماويّة ولا المبيدات الضّارّة!
وكانت أمّي تشارك أبي العملَ في إعالة الأسرة وتربية الأبناء!
ودار الزّمن دورته القاسية الفاجعة، وحلّت النّكبة بشعبنا الصّامد، فقُتِل من قُتل في الأحداث الدامية، ونزح من نزح خارج الحدود يمنّي النّفس بعودة قريبة، وبقي من بقي يلعق الجراح، ويتشبّث بالأمل بمستقبل مغاير!
كان نصيبُ أبي مع أمّي وجدّتي وأختي وأخوَيّ ومعي أنا الطّفل، الّذي كان قريبًا من عهد المهد والرّضاعة، أنْ ننزحَ عن بيتنا الدّافئ، وعن بلدتنا الحبيبة، لنستقرّ في قرية عارة المجاورة لقريتنا، وهناك في عارة – حطّت الأسرةُ الرّحالَ في رحاب أسرة الحاجّ يوسف يونس أبو معروف – له ولأسرته الكريمة بالغ الثّناء وأنقى الدّعاء – تلك الأسرة الوفيّة، فتحوا لنا قلوبَهم وبيوتَهم، وأحسنوا وفادتَنا، وقاسمونا الخبز والملح والسّكن والحياة الآمنة الأبيّة، فمكثنا بين ظهرانَيهم قرابة سنةٍ كاملة، عرفنا فيها معنى الشّهامة والنّخوة والتّكافل والتّعاضد وحسن الضّيافة!
وبعد أن هدأت الأوضاع، وأُبرِمت اتّفاقيّاتُ الهدنة، أتيح لنا – مع غالبيّة سكّان قريتنا الحبيبة – العودة إلى مرابعنا وبيوتنا، ولكن مع الأسف، بعد أن صُودرت معظمُ أراضي القرية، وفُرِض نظام الحكم العسكريّ على جميع البلدات العربيّة المتبقّية في الوطن، وصار التّنقّلُ من بلد لآخر يحتاج إلى “تصريح” من الحاكم العسكريّ، وللحصول على هذا التّصريح هناك ضرورة لوساطة “مختار” القرية أو من له علاقة مع المسئولين!
هكذا، بين عشيّة وضُحاها، انقلبت الأوضاع، وتغيّرت الأحوال!
تحوّلنا من فلّاحين يعتاشون على ما تدرّه له أرضُهم، تحوّلنا لعمّال أجيرين يعملون في الزّراعة في أرضهم الّتي صودرت، أو في أرض الآخرين!
وأبي، طيّب اللهُ ثراه، عرفه الجميعُ بتقواه واستقامته وصدقه وعصاميّته، فخلعوا عليه لقب “الشّيخ” لورعه، هذا اللّقب الذي رافقه في حياته وبعد مماته!
كان أبي متديّنًا بلا تعصّب ولا تزمّت، يصلّي الصّلوات الخمس، ويصوم رمضان، ويُعطي الزّكاة – وقد أدّى فريضة الحجّ مع الوالدة بعد عقود – وكان لا يحسد ولا يغتاب، لا يكذب ولا يُماري، يقرأ القرآن وكتبَ السّيرة النّبويّة، يشارك النّاس أفراحَهم وأتراحهم، يحترم الصّغير والكبير، ويبرّ الأهل والأقارب، وهو كما يقولون عندنا “يخاف الله” في قوله وفعله!
أمّا أمّي – عليها الرّحمة – فقد عُرِفت بذكائها الفطريّ، وبشخصيّتها القويّة، وبطموحها المبارك، وسرعة البديهة، وحسن التّصرّف، وحنانها وعطفها علينا، وحرصها على مستقبلنا، وقد حظيت بالتّقدير والاحترام من الأهل والجيران والمعارف.
واصل أبي، بعد عام النّكبة، مسيرة الكفاح والصّمود، تحمّل ضنكَ العيش وشحّ الموارد، وانتزع لقمة العيش بالجهد والعرق والإباء، تعينه أمّي الوفيّة الصّابرة الّتي عرفت كيف تساند والدي في توفير الحياة الكريمة لأسرتنا، وكيف تنجب المزيد من الأبناء والبنات وتربّينا – أنا وأخوتي السّتّة وأخواتي الثّلاث – التّربية الّتي تُرضي اللهَ وعباده!
في هذا الجوّ الأسريّ المفعم بقيم العطاء والانتماء، ومع هذين الوالدين المكافحين الصّابرين، ترعرعتُ أنا وأخوتي وأخواتي، وتشبّعت نفوسُنا بقيم العدل والاستقامة والخير، ورضعنا المبادئ والمثل السّامية النّبيلة الّتي سرنا – وما زلنا نسير – على هديها!
فلكَ، أبي الشّيخ الحاجّ محمّد أبو نواف، ولكِ، أمّي الحاجّة عبلة أمّ نواف، لكما شآبيبُ رحمةِ الباري ورضاه، ونتضرّعُ إليه أن يدخلكما جناّتِ الخلد والنّعيم.
(صورة للوالدين)


