البيت الشارع التراب وكل هذا الكوكب يسأل أين النخب من حالنا ومآلنا؟
فخري هوّاش
تاريخ النشر: 03/04/26 | 19:49
في الأزمنة المأزومة، لا تُقاس الأمم بعدد سكانها، ولا بحجم جغرافيتها، بل بقدرة نخبها على أن تكون بوصلةً لا صدى، وموقفًا لا تبريرًا. وحين يشتدّ الخطب، يُصبح السؤال عن النخبة سؤالًا عن الضمير ذاته: هل ما زال حيًّا… أم أُدرج ضمن قوائم الغائبين؟
لقد ارتبط مفهوم النخبة في أصله، بالمسؤولية الأخلاقية قبل الامتياز المعرفي. فالنخبة لم تكن يومًا طبقةً معزولة، بل كانت رأس الحربة في الوعي الجمعي، تُضيء الطريق حين يشتدّ الظلام، وتُعيد ترتيب المعنى حين تختلط الدلالات.
غير أن ما نشهده اليوم هو انزياح خطير في هذا المفهوم؛ إذ تحوّلت النخبوية، في كثير من تجلياتها، إلى حالةٍ من الانفصال عن الواقع، أو إلى ترفٍ لغويٍّ يُجيد توصيف الكارثة دون أن يقترب من إطفائها.
في حالنا الراهن، يبدو أن جزءًا واسعًا من النخبة قد اختار موقع “المراقب المحايد”، في لحظةٍ لا تعترف أصلًا بالحياد. فبينما تتكسر الحقائق على صخور السياسة، وتُعاد صياغة الوعي في غرفٍ مغلقة، تنشغل بعض النخب بإعادة تدوير المفاهيم، أو بالتنظير المجرد، وكأن الواقع ليس أكثر من نصٍّ قابلٍ للتأويل، لا جرحٍ مفتوحٍ يحتاج إلى موقف.
ولعلّ أخطر ما في هذا المشهد ليس الصمت بحد ذاته، بل تبرير الصمت. إذ يتمّ أحيانًا تغليفه بلغةٍ ناعمة، تُخفي خلفها عجزًا أو خوفًا أو تواطؤًا. وهنا تتحوّل النخبة من قوةٍ فاعلة إلى عنصر تعطيل، ومن ضميرٍ حيّ إلى شاهدٍ مُرتبك، يُدير ظهره للحظة التاريخية، أو يؤجّل مواجهتها إلى حينٍ لا يأتي.
أما في ما يتصل بالمآل، فإن مستقبل المجتمعات لا يُبنى بغياب النخب، ولا بوجود نخبٍ مترددة أو مُستلبة. فالمآل، بطبيعته، نتاجُ تفاعلٍ حيّ بين الوعي والفعل، بين الفكرة والموقف. والنخبة التي تفقد قدرتها على الانحياز الواضح، تفقد تلقائيًا دورها في صناعة هذا المآل، وتتحول إلى هامشٍ يعلّق على المتن، بدل أن يشارك في كتابته.
إن الحاجة اليوم ليست إلى نخبةٍ تُجيد الكلام، بل إلى نخبةٍ تُجيد الدفع بالكلمة إلى حافة الفعل. نخبةٍ تُدرك أن الثقافة ليست ترفًا، بل مسؤولية، وأن الكتابة ليست حيادًا، بل اختيار. نخبةٍ قادرة على أن تقول “لا” حين يصبح الصمت خيانة، وأن تقول “نعم” حين يكون التردد شكلًا من أشكال الهروب.
غير أن الإنصاف يقتضي القول إن النخبة ليست كتلةً واحدة. فهناك أصواتٌ ما زالت تُقاوم، تُحاول أن تستعيد دورها، وأن تُرمّم ما تصدّع من جسور الثقة بينها وبين الناس. غير أن هذه الأصوات، على أهميتها، ما زالت محاصرةً بضجيجٍ أعلى، وبمنظوماتٍ تُفضّل النخبة المطيعة على النخبة الحرة.
في النهاية، يبقى السؤال مفتوحًا، لا بوصفه استفهامًا بل كاختبار: هل تستطيع النخبة أن تعود إلى معناها الأول؟ أن تكون ضميرًا لا وظيفة، وموقفًا لا موقعًا، وشهادةً لا ديكورًا؟
لأن الشعوب، حين تُترك بلا نخبةٍ حقيقية، لا تفقد فقط من يُنير دربها… بل تفقد القدرة على أن ترى الدرب أصلًا.

