من سرق عقل الأمة
فخري هوّاش
تاريخ النشر: 02/04/26 | 19:02
في زمن تقديس الجهل: من سرق عقل الأمة؟ من المستفيد؟ متى نفقه؟ ومتى نصحوا من هذا السبات العميق؟
من كان ذات يوم منارةً للعالم، أصبح يتخبّط في عتمة الجهل، لا لأنه يجهل فحسب، بل لأنه يُقدّس الجهل باسم الدين، والسياسة، والمجتمع، والثقافة، وحتى الاقتصاد. فماذا جرى لأمةٍ كانت “اقرأ” أولَ ما قيل لها، فصارت لا تقرأ؟ إتبع!
قبل قرونٍ قليلة، كانت مدنٌ مثل بغداد وقرطبة ودمشق مناراتٍ للعلم والمعرفة، تستقبل العقول من شتى بقاع الأرض. كانت الأمة تُترجم كتب اليونان، وتُنتج علومًا جديدة، وتؤسس لمناهج تفكير نقدي، وكان للعقل فيها مكانٌ مركزي. واليوم، نجد أنفسنا في ذيل الأمم، لا لقلّة موارد ولا لانعدام طاقات، بل لأننا نُدير ظهورنا للعلم، ونمضي إلى الأمام بخطى عمياء، نجرّ وراءنا أثقال الجهل المقدّس.
الدين حين يُستخدم لتثبيت الجهل
الدين في جوهره دعوة للعقل والتفكر، لكن الواقع يُظهر عكس ذلك. صارت بعض المنابر تُروّج لإسلام الخوف بدل إسلام الفهم، للاتباع الأعمى بدل الاجتهاد، وللركون للموروث بدل مساءلته. يُرهب الناس من السؤال، ويُشيطن التفكير، ويُختزل الدين إلى طقوس ظاهرية لا علاقة لها بأخلاق الرسالة ولا بروحها. كل هذا يجعل من الجهل حالة “مبارَكة”، ويجعل من الخرافة طريقًا “آمنًا” للخلاص.
الجهل كأداة سياسية
في المشهد السياسي، يُستخدم الجهل كوسيلة لضمان الولاء والسيطرة. الحكومات تُبقي الشعوب منشغلة بالخوف أو بالمؤامرات، تتغذى على إعلامٍ يصنع الزيف، ومناهج تعليم تُخدّر لا تُحرّر. يُجرَّم النقد، وتُكفَّر المعارضة، ويُروَّج لخطابات شعبوية ترفض العقل وتُغذّي الغرائز. والنتيجة: شعوبٌ تُدافع عن جلّاديها، وتخشى حريتها أكثر من قيدها.
اقتصاد الخنوع وجهل الحقوق
الجهل لا يقف عند الدين والسياسة. المواطن الذي لا يفهم اقتصاد بلده، لا يسأل عن الضرائب، ولا عن التضخم، ولا عن الخصخصة، ولا عن ديون الأجيال القادمة. يُقال له إن الفقر “ابتلاء”، وإن الغلاء “اختبار”، وإن الجوع “صبر محمود”، بينما تُنهب ثرواته في وضح النهار.
ثقافة بلا عقل… وتعليم بلا فكر
كيف تنهض أمةٌ تُقصي مثقفيها، وتهمّش علماؤها، وتزجّ بأحرارها في الزوايا أو في السجون؟ كيف نتقدّم بتعليمٍ يُكافئ الحفظ ويقتل السؤال؟ كيف نخرج من هذا الركود إن كانت مدارسنا تُخرّج جيوشًا من الصامتين، لا روّادًا في ميادين الفكر؟
الإعلام والفن: صناعة التفاهة والتجهيل
من أخطر أدوات تقديس الجهل في العصر الحديث: الإعلام والفن… والفن يُجعل زينةً خاوية بأيدي اقلام مكسورة وعبيد مأجورة بدل أن يكون سلاحًا توعويا في وجه التخدير الجمعي.
من المستفيد؟
الجهل لا يأتي صدفة، بل يُنتج ويُسوّق ويُفرض. هناك من يخاف من وعي الناس، لأن وعيهم يهدد سلطته. الجهل بالنسبة له ليس مشكلة… بل استراتيجية!
متى نفيق؟
لسنا بحاجة إلى معجزة. نحن بحاجة إلى صحوة. نحتاج أن نعيد الاعتبار للعقل، أن نُعلّم أبناءنا كيف يفكّرون لا كيف يحفظون، أن نفصل بين الدين والجهل، بين الوطنية والتقديس الأعمى، بين السلطة والخوف.
الجهل لا يُقاوَم بالصمت، بل بالكلمة. ولا يزول بالدعاء فقط، بل بالفعل.
فهل آن أوان الاستفاقة؟ أم أننا سنواصل السقوط ونحن نهتف: “هكذا أراد الله”؟
كلا، إن الله لا يرضى بالجهل، ولا يغفر لمن يُطفئ نور العقل باسم الدين.

