الصحافة العبرية… الكتيبة الرابعة في بلاط المكيافيلية
فخري هوّاش
تاريخ النشر: 12/03/26 | 14:48
في النظريات السياسية الكلاسيكية تُعرَّف الصحافة بأنها السلطة الرابعة؛ العين التي تراقب، والضمير الذي يحاسب، والجسر بين السلطة والمجتمع. غير أن هذا التعريف المثالي كثيرًا ما يتآكل حين تتحول الصحافة من سلطة رقابية إلى “كتيبة” في منظومة السلطة نفسها.
في الحالة الإسرائيلية، تبدو الصحافة العبرية في كثير من الأحيان أقرب إلى أن تكون سلطة رابعة مندمجة في البنية المكيافيلية للحكم، لا سلطة مستقلة تقف في مواجهتها. فهي تتحرك داخل شبكة معقدة من المصالح السياسية والأمنية والاقتصادية، حيث تتداخل حدود الخبر بالدعاية، والتحليل بالتوجيه.
ليست المشكلة في وجود صحافة مؤيدة أو معارضة؛ فالتعددية جزء من أي نظام إعلامي. لكن الإشكالية تظهر عندما تتحول المؤسسات الإعلامية الكبرى إلى أدوات لإدارة الرواية السياسية، خصوصًا في القضايا المصيرية: الحرب، الأمن، الصراع مع الفلسطينيين، وصورة الدولة في الخارج.
في مثل هذه القضايا، كثيرًا ما تقوم الصحافة العبرية بدور إعادة إنتاج خطاب المؤسسة الأمنية والسياسية أكثر من مساءلته. فالمعلومة تمر أولًا عبر مرشحات الرقابة العسكرية، ثم عبر حسابات التحرير، ثم تُصاغ بما يخدم السردية الرسمية أو لا يخرج كثيرًا عن حدودها.
وهنا تتجلى المكيافيلية السياسية في صورتها الحديثة:
ليس المطلوب دائمًا إخفاء الحقيقة، بل إدارة ظهورها—توقيتًا وشكلًا وزاويةً. فالإعلام، في هذا السياق، يصبح جزءًا من أدوات الحكم الناعم؛ يهيئ الرأي العام، يخفف الصدمات، أو يصنع إجماعًا مؤقتًا حول قرارات السلطة.
غير أن هذه القاعدة غير المكتوبة تضع الصحفي أمام اختبار أخلاقي صعب:
هل يكون جزءًا من البلاط… أم شاهدًا على الحقيقة؟
فالصحفي الخارج عن الطاعة غالبًا ما يُدفع خارج الدائرة. لا يحدث الطرد دائمًا بقرار صريح، بل يبدأ بصمتٍ بارد: تراجع في الحضور، تضييق في المساحة، أو حملات تشويه في الفضاء السياسي والإعلامي.
تاريخ الصحافة الإسرائيلية يقدم أمثلة على ذلك. فقد واجه صحفيون مثل جدعون ليفي وأميرا هاس، وكلاهما يكتب في هآرتس، حملات سياسية وإعلامية واسعة بسبب مقالاتهم المنتقدة للسياسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين. كما تعرض الصحفي الاستقصائي رافيڤ دروكر لضغوط سياسية بعد تحقيقاته حول قضايا فساد مرتبطة برئيس الوزراء السابق بنيامين نتنياهو ولا ننسى لوسي هريش عندما رجمها اليمين الإسرائيلي بسبب عبارة “إن شاء الله” وغيرهم.
هذه الأمثلة لا تعني غياب أصوات نقدية داخل الصحافة الإسرائيلية؛ فثمة صحفيون ومنابر تحاول كسر السردية الرسمية وفتح نوافذ أخرى للحقيقة. لكن تأثيرها غالبًا يبقى محدودًا أمام ثقل المؤسسة السياسية والأمنية وقدرتها على توجيه النقاش العام.
وهكذا تتحول السلطة الرابعة أحيانًا من رقيبٍ على السلطة إلى لاعبٍ داخل قواعد اللعبة نفسها. تبقى الكراسي في البلاط لمن يعرفون أدب الطاعة، بينما يُدفع إلى الهامش من يصرّون على أدب الحقيقة.
وفي نهاية المطاف، قد يخسر الصحفي الخارج عن الطاعة مكانه في البلاط…
لكن التاريخ كثيرًا ما يحتفظ باسمه خارج أسواره،
حيث تقف الحقيقة، وإن متأخرة، أكثر دوامًا من السلطة نفسها.

