الدبلوماسية العربية ضعف في النظر وعمى في القلوب

فخري هوّاش

تاريخ النشر: 10/03/26 | 10:51

الدبلوماسية ليست بياناتٍ تُتلى، ولا صورًا جماعية تُلتقط، ولا قممًا تُختتم بعبارة “تؤكد وتدين”.
الدبلوماسية رؤيةٌ بعيدة، وقلبٌ حاضر، وأداةُ تأثيرٍ حين تعجز البنادق.
لكن حين يُقال إن الدبلوماسية العربية تعاني “ضعفًا في النظر وعمى في القلوب”، فالمقصود ليس العاطفة المجردة، بل سؤال الكفاءة والضمير معًا.
أولًا: ضعف النظر — أزمة قراءة الواقع
العالم يتغير بسرعة: تحالفات جديدة، توازنات قوة متحركة، اقتصاد مسيّس، وإعلام عابر للحدود.
في هذا المشهد، تبدو الدبلوماسية العربية أحيانًا ردّ فعلٍ لا فعلًا.
تتحرك بعد الانفجار، لا قبله.
تلاحق الحدث بدل أن تصنع سياقه.
قمم جامعة الدول العربية تعكس أحيانًا هذا الإرباك: إجماع لفظي، واختلاف عملي.
والنتيجة: حضور رمزي، وتأثير محدود.
ثانيًا: عمى القلوب — حين تُفصل الأخلاق عن القرار
في أزمات كبرى، مثل ما يجري في قطاع غزة ضمن الصراع مع إسرائيل، يتوقع الشارع العربي موقفًا يتجاوز الإدانة إلى الفعل.
لكن حسابات الأمن، والاقتصاد، والتحالفات — خاصة بعد اتفاقيات أبراهام — تجعل القرار أكثر تعقيدًا.
هنا لا يكون “العمى” غياب معرفة، بل غلبة براغماتية باردة.
الدولة تخشى خسارة توازناتها، فتؤجل صوت الضمير.
ثالثًا: فجوة المصداقية
أخطر ما تواجهه الدبلوماسية العربية ليس ضعف التأثير الخارجي فقط، بل تآكل الثقة الداخلية.
حين يشعر المواطن أن صوته لا ينعكس في السياسة الخارجية، تتسع الفجوة بين الدولة والشارع.
والدبلوماسية التي تفقد شرعيتها الأخلاقية داخليًا، يصعب أن تُحترم خارجيًا.
بين الممكن والمطلوب
ليس المطلوب مغامرات عسكرية، ولا شعارات حماسية.

المطلوب رؤية استراتيجية واضحة:
توحيد الحد الأدنى من المواقف.
تفعيل أدوات الضغط الاقتصادية والقانونية بذكاء.
استثمار الثقل الجغرافي والطاقوي كورقة تفاوض حقيقية.
إعادة تعريف “المصلحة القومية” بحيث تشمل العدالة والاستقرار معًا.
الدبلوماسية ليست ضعفًا بطبيعتها،
لكنها تصبح ضعفًا حين تخاف من أن ترى،
وتصبح عمىً حين تخاف من أن تشعر.
السؤال ليس: هل تملك الدول العربية أوراق قوة؟
بل: هل تملك الإرادة لاستخدامها؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
بقجة Icon
بقجة
أحصل على تطبيق بقجة الجديد
تحميل
×

تمّ اكتشاف مانع للإعلانات

فضلاً قم بإلغاء مانع الإعلانات حتى تتمكن من تصفّح موقع بقجة