8 آذار 2026: نساء الجنوب المُعَوْلَمِ وتقاطع هياكل القوّة
د. تغريد يحيى- يونس
تاريخ النشر: 10/03/26 | 19:08
في مرحلة تتفاقم فيها هياكل القوّة وتتقاطع، يُذكّر يوم النساء العالميّ العام 2026، بأنّ حيوات النساء عامّة وحيواتهن ونضالاتهن في الشرق سابقًا وفي الجنوب المعولم حاضرًا لم تكن يومًا معزولة عن سياقات القمع الأوسع.
يصادف يوم النساء العالميّ هذا العام (2026) طغيانًا وقهرًا من أشدّ ما عاصرناه. عمليًّا، لم نعد نحسن التقاط الأنفاس من توالي الشرّ والطغيان، وتصاعدهما، وتسارعهما، وتشابك مساراتهما في العالم وفي منطقتنا بالذات. فمسلسل الحروب جارٍ، والجريمة لم تضع أوزارها، وإسقاطات ذلك تمتدّ عميقًا إلى مختلف جوانب الحياة، بينما آثاره الاجتماعيّة والاقتصاديّة والسيكولوجيّة على الناس موثوقة وموثّقة.
وإذا كان الجميع متضرّرًا جرّاء الحرب والوباء والجريمة والفقر والطغيان والقهر، فإنّ النساء هنّ الفئة الاجتماعيّة الأكثر تضرّرًا. لستُ بصدد استعراض ما تُوقعه هذه السياقات، وكم بالحريّ حينما تتزامن، على النساء، لكنّي أودّ التذكير بعدد من النقاط.
أوّلًا، التذكير بأنّ النساء هن الأكثر قهرًا وتضرّرًا. ثانيًا، التأكيد على أنّ النساء المنتميات للشعوب والجماعات العرقيّة المستضعفة، أو تلك التي يسعى النظامُ الكولونياليّ المعولم ومحورُه إلى إخضاعها لإمرته أو سحقها، هنّ الأشدّ معاناة في هذا السياق. ثالثًا أنّ النساء في الجنوب المعولم، وفي البلدان العربية والإسلاميّة تحديدًا، كنّ وما زلن في ميمعان الخطاب الاستشراقيّ الاستباقيّ للحروب الكولونياليّة وفي ميمعان أوزارها. رابعًا، أنّه من بين نساء الجنوب المعولم، تعيش النساء الفلسطينيات اليوم، كما عشن تاريخيًّا، التجربة الأقسى والأشدّ اضطهادًا وقهرًا واستمرارًا.
خامسًا، أُذكّر بأنّ للقهر والظلم والمعاناة أُسُسًا وركائز، كما لها تمظهرات ووجوه كثيرة ومتعدّدة. ذلك أنّ هياكل القوّة التي تنتجها عديدة ومتنوعة، لكنّها متداخلة متشابكة. فالظلم المبنيّ على أساس الجندر، الذي يؤسّس لنظام اجتماعيّ ذكوريّ (أبويّ، بطريركيّ) يميّز ضد النساء، وإنْ كان الأعمّ والأكثر شيوعًا، هو ليس سوى أساسًا واحدًا من أسس علاقات القوّة. بينما أسس أخرى كالعِرق (العنصر، القومية، الديانة، بلاد الأصل تبعًا لكلّ حالة) والطبقة الاجتماعيّة وغيرها من العوامل ذات الصّلة، تؤسّس لهياكل قوّة أخرى. بعضها يرسو في صلب الدولة بوصفها مجتمعًا سياسيًّا يتركب من جماعات عرقيّة مختلفة، بل وفي محض تعريفها لذاتها في حالات استثنائيّة.
هياكل القوّة الاجتماعيّة المختلفة لا تعمل بمعزل عن بعضها البعض، بل تتقاطع وتتضافر. خبِرت النساء تقاطع هياكل القوّة في تجاربهن المعاشة عبر التاريخ، ونظّرت له المفكّرات في الموجة الثانية للنسويّة وتحديدًا في الثمانينيات من القرن العشرين (للمهتمات والمهتمين يمكن قراءة كيمبرلي كريشنو).
هكذا تجد نساء الجنوب المعولم، والمنتميات إلى أعراق مستضعفة أو مستهدفة، أو إلى طبقات اجتماعية متدنّية، أو القاطنات في الأطراف، وغير ذلك من مواقع الهشاشة، تجدن أنفسهنّ الأكثر وقوعًا في تقاطعات هياكل القوّة هذه وتضافراتها. وعليه، فهنّ الأكثر حاجة لتفعيل النضالات الاجتماعية على مختلف الصُعُد، (لا أقول “الجبهات” رفضًا لبعد العسكرة في المفردة!)، ومن أجل مختلف الحقوق، بدءًا من أكثرها “بديهيّة”، وليس ثمّة ما هو بديهيّ، كالحقّ بالمكان والحقّ بالسكن، وصولًا إلى تلك الأكثر “جموحًا” في مخيال تكافؤ الفرص والمساواة.
خلال ذلك، وتبعًا للسياقات والتحوّلات السياسيّة والاجتماعيّة، كثيرًا ما تُقَرْصَنُ نضالات النساء وإنجازاتهنّ، تقرصنها قوى خارجيّة كما قوى اجتماعيّة داخليّة، وكثيرًا ما تنحسر أو تتقهقر، إذ انتزاع الحقوق على خطِّ الزمن ليس خطيًّا.
تمامًا في هذه السياقات، ونظرًا لها، هياكل القوّة المعولمة الأعتى قد تصرف انتباهنا عن هياكل القوّة المجتمعيّة “الناعمة”، (“الناعمة” مقارنة بالعاتية)، أو قد تعمد إلى عملقتها، وقد تصرف انتباهنا عن إحكام تضافرات هياكل القوّة هذه وتقاطعاتها.
من هنا، حينما يصادف يوم النساء العالميّ في مرحلة تاريخيّة كالمرحلة الراهنة، حيث يُعاد انتاج النظام العالميّ برمّته – بالأحرى يتعرّى – ويتصاعد الصراع، قطريًّا وعالميًّا، يصبح من الضرورة بمكان التركيز على نضالات النساء في وجه تقاطع هياكل القوّة، واستحضار نضالاتهن على أساس الجندر، والاحتفاء بما أنجزنه خلال قرن ونيّف، والتيقّن بأنّ الحقوق لا تُمنح بل تُحدَّد وتُنتزع، وأنّ نضالات النساء، الفرديّة والجماعيّة، ما تزال راهنة وبقوّة، وأنّ الانجازات في هذا المضمار ليست خطّيّة بل متناقضة الاتجاهات، تراوح ما بين تقدّم ونكوص. على نحو متزامن ومكمّل تبرز الحاجة إلى وضع تقاطعات هياكل القوّة الفاعلة وتضافراتها على الطاولة لفهم كيفيّة عملها، وأشكال تفاعلاتها، والسعي لتفكيكها.


