أطفال الإشارة الحمراء
بقلم: فخري هوّاش
تاريخ النشر: 01/03/26 | 17:28
أطفالُ الضفة على إشاراتِ الداخل عاجل…صرخةٌ لمعالجةٍ
ليس مشهدًا عابرًا يمكن تجاوزه بنظرةٍ سريعة من خلف زجاج السيارة.
أطفالٌ من الضفة الغربية يقفون عند إشارات المرور ومفارق الطرق في الداخل الفلسطيني،
يمدّون أيديهم بين السيارات،
يحملون علب المناديل أو زجاجات الماء،
ويحملون فوقها طفولةً مهددة بالضياع.
يمضون يومًا كاملًا في الحرّ والبرد،
بين العوادم والأبواق وخطر الدهس،
في مشهدٍ يتكرر يوميًا حتى كاد يصبح اعتياديًا.
لكن اعتياد المشهد لا يعني قبوله،
ولا يبرر الصمت عنه.
من يدفعهم إلى الشارع؟
الطفل لا يعبر الحواجز وحده،
ولا ينسّق انتقاله،
ولا يحصي ما جناه آخر النهار.
خلف كل طفلٍ يقف عند إشارة،
هناك بالغٌ ما:
وسيط، مشغّل، أو شبكة تستغل هشاشة الأسر وضيق الحال.
هذا استغلال اقتصادي صريح،
وينتهك ما أقرّته الأمم المتحدة في اتفاقية حقوق الطفل
بشأن حماية الأطفال من العمل الضار والاستغلال.
الطفل ليس مصدر دخل.
ولا أداة ضغط عاطفي.
ولا مشروع ربح يومي.
كيف يصلون؟ ومن يسمح؟
إذا كان دخول العمال البالغين إلى الداخل يخضع لأنظمة وتصاريح واضحة،
فكيف يتحرك أطفال بلا غطاء قانوني؟
من يسهل مرورهم؟
من يتغاضى عن تشغيلهم؟
ولماذا تتكرر المشاهد في مفارق معروفة دون معالجة جذرية؟
حين تستمر الظاهرة في أماكن محددة ولفترات طويلة،
فإن السؤال لا يعود: هل نعلم؟
بل يصبح: لماذا لا نتحرك؟
أين دور الشرطة وأجهزة الحماية؟
وجود الأطفال يوميًا في نقاط ثابتة يعني أن الأمر مكشوف.
فلماذا لا تُفتح تحقيقات جدية؟
ولماذا لا تُفكك الشبكات إن وُجدت؟
ولماذا يُعاد الطفل إلى الرصيف بدل أن يُعاد إلى المدرسة؟
الطفل في الشارع ليس مخالفة تنظيمية،
بل حالة خطر مستمر:
خطر جسدي،
وخطر نفسي،
وخطر تسرب تعليمي قد يلازمه سنوات طويلة.
بين التعاطف وإدامة الظاهرة
كثيرون يمنحون قطعة نقد بدافع الرحمة.
لكن السؤال الصعب:
هل تصل النقود إلى الطفل فعلًا؟
أم إلى من يقف خلفه؟
الشفقة اللحظية لا تكفي.
المعالجة الحقيقية تبدأ بكشف جذور الظاهرة،
لا بتجميلها بصدقات عابرة.
ما المطلوب الآن؟
1. تحقيق رسمي شفاف في آليات نقل وتشغيل الأطفال من الضفة في شوارع الداخل.
2. محاسبة كل من يثبت تورطه في استغلالهم، دون تسويات صامتة.
3. تنسيق فعّال بين الجهات المختصة لإعادة الأطفال إلى أطر تعليمية آمنة.
4. إطلاق قناة إبلاغ واضحة لحالات استغلال الأطفال في الشوارع.
5. حملة توعية مجتمعية تؤكد أن الطفل مكانه المدرسة، لا الإشارة الحمراء.
كلمة أخيرة
كل طفلٍ يقف بين سيارتين
هو مرآة لخللٍ أكبر من حجمه.
الصمت ليس حيادًا.
والتغاضي ليس رحمة.
الطفولة ليست ملفًا هامشيًا يمكن تأجيله،
بل قضية كرامة وعدالة وأمن اجتماعي.
إن لم نتحرك اليوم،
فإن الرصيف سيكبر داخلهم،
وسيصبح الشارع مدرستهم الوحيدة.
وهذا ما لا يليق بإنسان،
ولا بوطن،
ولا بضمير حي.
فخري هوّاش
البروة/ الجديدة المكر

