ما قبل الحرب: حين تتحول القوة إلى عبءٍ على أصحابها
بقلم: رانية مرجية
تاريخ النشر: 27/02/26 | 19:52
في الشرق الأوسط، لا تُقاس لحظات الخطر بعدد الصواريخ التي تُطلق، بل بعدد المعادلات التي تتآكل بصمت. التصعيد القائم بين إيران وإسرائيل، في ظل الحضور الأمريكي، لا يشير بالضرورة إلى حرب وشيكة، لكنه يكشف عن أزمة أعمق: أزمة نظام إقليمي استنفد أدوات الضبط القديمة ولم يبتكر بدائل سياسية جديدة.
لسنوات، عاش الإقليم على مفهوم “الردع المتبادل”.
إسرائيل تضرب لمنع خصمها من تثبيت معادلة جديدة.
إيران تبني شبكة نفوذ تجعل استهدافها مكلفًا.
والولايات المتحدة تضبط السقف حتى لا يتحول الاشتباك إلى مواجهة شاملة.
لكن الردع، بطبيعته، ليس حلًا؛ إنه إدارة خوف.
وإدارة الخوف لا تبني استقرارًا دائمًا، بل تؤجل الانفجار.
فائض القوة وعجز السياسة
المفارقة أن الأطراف الثلاثة تملك قدرًا هائلًا من القوة، لكنها تعاني فقرًا في الأفق السياسي.
إسرائيل تمتلك تفوقًا عسكريًا واضحًا، لكنها لم تنتج تصورًا سياسيًا ينهي صراعاتها البنيوية.
إيران وسّعت مجالها الحيوي، لكنها لم تترجم نفوذها إلى تسوية إقليمية مستقرة.
والولايات المتحدة ما تزال القوة الأكبر، لكنها لم تعد القوة القادرة على فرض هندسة إقليمية كما في السابق.
حين يتقدم العسكري على السياسي، يصبح الأمن تعريفًا ضيقًا للبقاء، لا مشروعًا للسلام.
وهنا تتحول القوة ذاتها إلى عبء، لأنها ترفع سقف التوقعات وتخفض هامش التراجع.
لحظة دولية رخوة
النظام الدولي يعيش تحوّلًا عميقًا. الأحادية القطبية تراجعت، والتنافس بين القوى الكبرى يزداد حدة. في مثل هذه اللحظات، تتراجع قدرة المركز على ضبط الأطراف. الشرق الأوسط، تاريخيًا، يتأثر سريعًا بكل خلل في ميزان القوى العالمي.
الفراغ النسبي لا يولّد الاستقرار، بل يشجع اللاعبين الإقليميين على اختبار الحدود. وكل اختبار ناجح يدفع إلى اختبار أكبر، إلى أن يقع الخطأ الذي لا يمكن احتواؤه.
الحروب الكبرى لا تبدأ حين يريدها الجميع، بل حين يعتقد كل طرف أن الآخر لن يغامر.
صراع على تعريف الأمن
جوهر المواجهة بين إسرائيل وإيران ليس مجرد تضارب مصالح، بل تضارب تعريفات.
إسرائيل ترى أن أي اقتراب إيراني من قدرة ردع متكافئة تهديد وجودي.
وإيران ترى أن غياب تلك القدرة يجعلها مكشوفة.
الأمن هنا ليس مفهومًا مشتركًا، بل معادلة صفرية.
وأي معادلة صفرية، حين تُسلّح، تصبح مشروع أزمة دائمة.
فلسطين: الجذر المؤجل
وسط هذا الاشتباك، تُدفع فلسطين إلى الهامش في الخطاب الإقليمي، لكنها تبقى في صلب الواقع. الاحتلال المستمر ليس تفصيلًا جانبيًا، بل عاملًا بنيويًا في هشاشة النظام الإقليمي.
لا يمكن بناء منظومة ردع مستقرة فوق واقع نزاع مفتوح بلا أفق سياسي.
تجاهل القضية الفلسطينية لا يحيّدها، بل يحوّلها إلى عنصر توتر دائم، يُستدعى في كل لحظة احتقان.
الاستقرار الذي يتجاوز العدالة يبقى استقرارًا مؤقتًا، مهما بلغت قوته العسكرية.
هل نحن على حافة حرب؟
حتى الآن، لا تبدو الحرب الشاملة خيارًا مفضّلًا لأي طرف. كلفتها عالية، ومخاطرها متعددة الجبهات. لكن المشكلة أن الحروب لا تنشب دائمًا بقرار واعٍ؛ أحيانًا تنشب لأن هامش الخطأ أصبح أوسع من هامش السياسة.
المنطقة تقف في لحظة دقيقة:
الردع ما يزال قائمًا، لكنه لم يعد مطمئنًا.
والقوة ما تزال رادعة، لكنها لم تعد حاسمة.
السؤال لم يعد من يمتلك القدرة على إطلاق النار، بل من يمتلك القدرة على كبحها.
ومن يملك شجاعة الانتقال من إدارة الصراع إلى التفكير في إنهائه.
في الشرق الأوسط، ليست المعضلة في غياب القوة، بل في غياب التسوية.
وحين تُترك الأزمات الكبرى بلا حل، تتحول كل جولة “محدودة” إلى خطوة إضافية نحو المجهول.

