جزيرة الشيطان
فخري هوّاش
تاريخ النشر: 15/02/26 | 8:31
على هذه الجزيرة
لا يولد الصباح من رحم الضوء،
بل يُستورد من نشرات المساء.
الشمسُ هنا
تشرقُ من خلف زجاجٍ داكن،
والبحرُ لا يُغنّي—
البحرُ يُصغي.
البحرُ يعرف.
رأى القواربَ تأتي ليلًا
محمّلةً بالضحكات الثقيلة،
ورآها تعود
أخفَّ من الضمير.
يا جزيرةَ الشيطان،
كم اسمًا دفنتِ في الرمل؟
كم صرخةً
ذررتِها ملحًا في الماء؟
________________________________________
لسنا أمام رجل.
لسنا أمام حادثة.
نحن أمام طقس.
طقسُ المناولة الكبرى.
تتقدّم الأيادي
كما يتقدّم المؤمنون،
لكنهم لا يتناولون الخبز،
ولا يشربون النبيذ—
بل يتناولون الصمت.
هذا يتناول حصانته،
ذاك يتناول نفوذه،
وثالثٌ يتناول ذاكرةً قصيرةً للشعوب.
ثم يخرجون
خفافًا
كأنهم اغتسلوا من ذنبٍ
لم يعترفوا به.
الكرةُ بينهم
ليست كرة.
إنها ملفٌّ ثقيل،
أثقلُ من طفولةٍ مكسورة،
أثقلُ من ليلٍ بلا نافذة.
تمرُّ الكرة من يدٍ إلى يد،
من قصرٍ إلى قصر،
من دولةٍ إلى دولة،
من خبرٍ عاجل
إلى خبرٍ منسيّ.
مناولة…
ثم مناولة…
ثم مناولة—
كي لا يسقط الاسم الكبير.
________________________________________
قالوا: وجدنا الشيطان.
علّقوه على حبلٍ قصير،
وارتاحوا.
المشانقُ سهلة.
المشانقُ تُرضي العيون.
المشانقُ تمنح الجمهورَ خاتمةً نظيفة.
لكن الجزيرة
لم ترتجف.
بقيت الفلل مضاءة،
والكؤوس تدور،
والأسماء الكبيرة
تبتسم في الصور الجماعية.
الشيطان
لم يكن جسدًا.
كان شبكة.
كان نظامًا
يتقن فنّ التمرير
ويخافُ المواجهة.
________________________________________
والضحايا—
ليسوا أرقامًا في بيان.
هم جوقةُ الملح.
أصواتٌ صغيرة
تعلّمت أن تصرخ في داخلها
كي لا تُزعج الحفل.
كلُّ واحدةٍ منهم
كانت وطنًا صغيرًا،
فانهار.
كلُّ واحدٍ منهم
كان يحمل صباحًا في جيبه،
فسُرق.
لكن البحر يعرف.
البحر لا ينسى.
كلُّ موجةٍ
شاهدٌ يعود
ولو بعد حين.
________________________________________
يا جزيرةَ الشيطان—
من صمّم الملعب؟
من رسم الحدود
بين الجاني والضيف اللامع؟
من علّم الأيادي
فنَّ تمرير الذنب
كما تُمرَّر الكؤوس في عيدٍ سرّي؟
كلُّهم لمسوا الكرة.
كلُّهم قالوا:
لم نرَ شيئًا.
كأن الحقيقة
طيفٌ بلا ظل،
وكأن العدالة
اسمٌ بلا جسد.
________________________________________
إذا كان لا بدَّ من مشنقة،
فلتكن للفكرة التي اخترعت العتمة.
إذا كان لا بدَّ من سقوط،
فليسقط السقفُ الذي حمى الجميع،
لا الجسدُ الذي تدلّى وحيدًا.
فالشيطان
ليس من عُلِّق.
الشيطان
هو الحبل
حين يُستخدم لإغلاق الملفّ.
الشيطان
هو المناولة
حين تصبحُ قانونًا.
هو الصمت
حين يُكافأ.
هو الضوء
حين يُستأجر.
والعدالة—
ليست صورةً أخيرة،
ولا بيانًا رسميًا،
ولا ارتياح جمهور.
العدالة
أن يُسمّى الجميع بأسمائهم.
أن تتوقّف الأيادي عن التمرير.
أن يُكسَر الملعب.
أن تُزال المدرّجات.
ويُترك البحر
ليقول شهادته كاملةً
دون مقصّ
ولا مونتاج.
عندها فقط—
تغرق الجزيرة.
ولا يطفو على السطح
إلا الحقّ.




