صرخة إيزيس

فخري هوّاش

تاريخ النشر: 13/02/26 | 10:48

جفّت عيونُ
إيزيس
في مآقينا.
لم تعد تبكي.
كأنَّ الدموعَ أعلنت إفلاسَها،
وأقفلتْ آخرَ نهرٍ
كان يصلُ القلبَ بالسماء.
نحنُ أبناءُ هذا الغبار،
نغسلُ وجوهَنا كلَّ صباحٍ
بأخبارِ موتانا،
ونمشي إلى أعمالنا
كأنَّ الدمَ
طقسٌ عابر.
في كلِّ يومٍ
يخرجُ اسمٌ من بيننا
خفيفًا كالعصفور،
ويعودُ محمولًا
على أكتافِ الصمت.
يا هذا الوطنُ
المثقوبُ بالأسئلة،
أيُّ سكينٍ هذه
تسكنُ في خاصرتك
ولا تنام؟
كنّا نقول:
سنحيا كما نشتهي.
سنكتب أسماءنا
بالزيتون لا بالرصاص.
سنزرع في الشارع
قمرًا صغيرًا
ونحرسهُ بالأغاني.
لكنّ الليلَ أطولُ
من حنجرتنا،
والرصاصةَ أسرعُ
من الدعاء.
جفّت دموع
إيزيس
في مآقينا،
فهي التي جمعتْ أشلاءَ الحبيبِ يومًا،
تقفُ الآنَ
عاجزةً أمام كثرة أحبتنا.
تقولُ لنا:
اجمعوا قلوبَكم.
فنجيبها:
ضاعت.
تقولُ لنا:
أعيدوا الأخَ إلى أخيه.
فننظرُ في المرآة
فلا نرى
سوى ظلٍّ يحملُ خنجرًا مسموماً
أيُّها القاتلُ الساكنُ فينا،
لسنا قبيلةً من نار،
لسنا رياحًا بلا ذاكرة،
نحنُ أبناءُ أمٍّ واحدة،
كانت تخبّئ الخبزَ لنا
وتخبّئ الدعاء.
فلماذا
صرنا نتقاسمُ المقابر
كما نتقاسمُ العار؟
في كلِّ يومٍ
نودّعُ قتيلًا.
وفي كلِّ يومٍ
نقتربُ خطوةً
من موتٍ جماعيٍّ
بلا جنازة.
نحنُ لا نموتُ وحدنا—
يموتُ معنا البيتُ،
وتموتُ الشجرةُ التي ظلّلتنا،
ويموتُ الطريقُ إلى المدرسة،
ويموتُ اسمُنا
في فمِ أمٍّ
لا تجدُ ما تقولهُ
إلا:
كان هنا.
يا هذه المدينةُ
التي أنهكَها الانتظار،
ارفعي رأسَكِ قليلًا،
فالسماءُ لا تُطرِقُ خجلًا
إلا إذا رأَتْنا
نصمتُ طويلًا.
صرختُنا ليست ضدّ القدر،
بل ضدّ الاعتياد.
ضدّ أن نصافحَ موتَنا
ونقول:
غدًا أفضل.
أيُّ غدٍ هذا
إذا كان الطفلُ يحفظُ
صوتَ الرصاصة
أكثرَ من نشيدِ المدرسة؟
أيُّ غدٍ هذا
إذا كانت الأمُّ
تعدُّ أبناءها
قبل النوم
كما تُعدُّ خسائرها؟
جفّت عيونُ إيزيس فينا،
لأننا طلبنا منها
أن تُعيدَ إلينا الحياة
بينما نحنُ
نكتبُ أسماءَنا
على قوائمِ الموت.
فمن يُعيدُنا
إلى أنفسِنا؟
من يوقظُ القلبَ
من عادةِ النزيف؟
لا تقولوا:
هذه ضريبةُ الزمن.
لا تقولوا:
هذا قدرُ المدن.
القدرُ لا يطلقُ النار.
القدرُ لا يُخبّئُ سكينًا
في جيبِ أخ.
نحنُ الذين
تعبنا من الحلم،
فاستبدلناهُ
بنشيدٍ ناقص.
ونحنُ الذين
إذا سقطَ واحدٌ منّا،
قلنا:
رحمهُ الله—
ثم أكملنا الطريق
دون أن نسأل:
من التالي؟
أيّتها المدينةُ،
يا جسدًا يتكاثرُ فيه الجرح،
يا أمًّا تلدُ أبناءَها
للموتِ المبكر—
قولي بصوتٍ عالٍ:
لسنا وقودًا.
لسنا أرقامًا.
لسنا تدريبًا على الفجيعة.
وإن لم نقلها اليوم،
سيأتي يومٌ
نبحثُ فيه عن كفنٍ
يليقُ بنا—
فلا نجد.
لأنّ من اعتادَ القتل
لا يعرفُ طقوسَ الرحمة.
ولأنّ المدينةَ
التي تقتلُ أبناءَها
بصمتٍ طويل،
لا أحد
لا أحد
يكفّنها.

في الأسطورة المصرية ارتبط الفيضان بقصة إيزيس، زوجة الإله أوزيريس الذي قُتل ومُزِّق جسده. تروي الأسطورة أن: إيزيس جابت البلاد تبحث عن أشلاء زوجها كانت تبكيه بحزنٍ كوني دموعها انهمرت حتى امتزجت بمياه النيل ومن تلك الدموع يولد الفيضان كل عام
لهذا أصبحت دموعها رمزًا لـ: الوفاء والحب الأبدي قوة الأنثى الحافظة للحياة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
بقجة Icon
بقجة
أحصل على تطبيق بقجة الجديد
تحميل
×

تمّ اكتشاف مانع للإعلانات

فضلاً قم بإلغاء مانع الإعلانات حتى تتمكن من تصفّح موقع بقجة