التنمّر في المدارس العربية: فشل تربوي أم سياسة ممنهجة؟ “عنف اليوم هو إهمال الأمس”
بقلم: فخري هواش
تاريخ النشر: 10/02/26 | 22:42
ليس التنمّر في المدارس العربية في الداخل ظاهرة سلوكية عابرة، بل مؤشرًا على فشل منظومي متراكم. فالمشكلة لا تبدأ في ساحة المدرسة فحسب، بل تمتد إلى القصور المزمن في الخدمات النفسية والاجتماعية، وتكتمل بسياسات حكومية وأمنية تتعامل مع المجتمع العربي بعقلية الضبط لا الرعاية.
الطفل الذي يُترك فريسةً للإذلال والعنف اليومي، من دون تدخل مهني نفسي واجتماعي حقيقي، لا يخرج من التجربة “أقوى”، بل مكسورًا، ناقمًا، فاقدًا للثقة بالمؤسسة. وحين تغيب الحماية، يبحث عن القوة في أماكن بديلة، قد تكون في عصابات الإجرام، أو في مؤسسات شرطية وعسكرية، لا بدافع الانتماء، بل بدافع تعويض الكسر الداخلي واستعادة السيطرة.
تحميل المدرسة وحدها المسؤولية تبسيط مخلّ. فالقصور الحاد في الخدمات النفسية والاجتماعية في الوسط العربي—من نقص الأخصائيين إلى غياب المتابعة الجدية—ليس خللًا إداريًا عابرًا، بل نتيجة إهمال طويل. طفل يُطالَب بالصبر بدل العلاج، وبالانضباط بدل الاحتواء، يُترك ليواجه أزمته وحيدًا.
ولا يمكن فصل ذلك عن السياسة الممنهجة للحكومة والشرطة في تعاملها مع المجتمع العربي؛ سياسة ترى في العربي ملفًا أمنيًا مؤجّلًا، لا إنسانًا يحتاج إلى حماية مبكرة واستثمار إنساني. تُترك الجريمة لتتفاقم، ثم يُواجَه العنف لاحقًا بأدوات القمع لا الوقاية.
العنف المستشري اليوم في المجتمع العربي ليس طارئًا ولا قدريًا، ولا يمكن اختزاله في “ثقافة عنف”. إنه نتيجة مباشرة لمسار طويل من الإهمال التربوي، وغياب الدعم النفسي، وسياسات أمنية فشلت في بناء الثقة.
المساءلة هنا ليست أخلاقية فقط، بل سياسية ومؤسساتية.
فحماية الطفل من التنمّر، وتوفير الدعم النفسي، وبناء علاقة إنسانية مع المجتمع، واجب لا يقبل التأجيل.
والتقاعس عنه ليس حيادًا… بل سياسة، وللسياسات نتائج.

