حين تتحول الضرائب إلى غنائم… أزمة الثقة بين الغزيين وحكم الأمر الواقع
أسامة الأطلسي
تاريخ النشر: 06/02/26 | 19:24
لم يعد العبء الواقع على كاهل سكان قطاع غزة مقتصرًا على الحصار والحرب والفقر، بل بات يتخذ شكلًا أكثر قسوة حين يشعر المواطن بأن ما يُنتزع من لقمة عيشه لا يعود عليه بأي منفعة عامة. في الأشهر الأخيرة، تتصاعد شكاوى سكان القطاع من ممارسات ينسبونها لعناصر مكلفة بجباية الضرائب، تتهم باستغلال مواقعها الوظيفية لتحصيل أموال تُستخدم لأغراض شخصية بدل توجيهها لخدمة المجتمع المنهك أصلًا.
الضرائب، في أي كيان سياسي أو إداري، تُفرض مقابل خدمات أساسية: ماء، كهرباء، بنى تحتية، رعاية اجتماعية، أو على الأقل شبكة أمان تحمي الفئات الأضعف. لكن ما يراه الغزيون اليوم، بحسب شهادات متداولة، هو صورة مقلوبة تمامًا؛ أموال تُجبى باسم “المصلحة العامة”، ثم تختفي دون أثر، بينما يواصل المواطن الوقوف في طوابير الخبز والماء، أو البحث عن سيولة نقدية لا وجود لها.
الأخطر من الفقر نفسه هو الشعور بالظلم. فحين يرى المواطن أن من يطالبه بالدفع يعيش في وضع أفضل، يشتري احتياجاته بسهولة، ويسحب الأموال من الصرافات في وقت يعجز فيه الآخرون عن الوصول إلى رواتبهم أو مدخراتهم، تتآكل الثقة بشكل كامل. هذه الفجوة الأخلاقية قبل أن تكون اقتصادية، تُحوّل الضرائب من أداة تنظيم إلى رمز للنهب المقنن.
إن استمرار هذا الواقع يضعف أي ادعاء بإدارة شؤون الناس لمصلحتهم، ويعمّق القطيعة بين المجتمع وسلطة الأمر الواقع. فالمواطن الذي يشعر بأن أمواله تُستخدم لشراء الولاءات أو لتأمين رفاهية أفراد، لن يرى في الجباية واجبًا وطنيًا، بل عبئًا مفروضًا بالقوة. وفي ظل غياب الشفافية والمحاسبة، تصبح هذه الممارسات وقودًا لغضب مكتوم، قد لا يظهر اليوم، لكنه يتراكم بصمت.
غزة لا تحتاج إلى مزيد من الجباية، بل إلى إدارة تحترم كرامة الناس، وتضع معاناتهم في صدارة الأولويات. وأي سلطة تتجاهل هذه الحقيقة، إنما تساهم في تعميق الانهيار الاجتماعي قبل الاقتصادي.

