حين بكت تلّ الربيع
فخري هواش
تاريخ النشر: 02/02/26 | 6:27
“حين لا يكفي الصمت ليغسل الدم،
تتكفّل الأم بالكلام”.
لم يبقَ لي قلب.
قلبي انشطر شطرين:
الشطرُ الأوّلُ لفراس,
والثاني
لأنّ الأمهات
حين يُقتَل أبناؤهنّ
يستعرن قلوبَنا
كي لا ينفجرن.
أمُّ فراس أبو فنّة
لم تصعد منبرًا,
لم ترفع شعارًا,
كانت تمشي على جرحها
وتتّكئ على اسم ابنها.
بكرُها.
يتيمُ الأب.
لم يكن رقمًا في جدول القتلى,
ولا فاصلةً
في خطابٍ بارد.
قالت:
ابني ليس رقمًا.
قالتها
كما تُقال الشهادة,
كما تُغسَل الروح
بماءٍ أخير.
ربّتْه
بحدَقِ عينيها,
كانت تزرع الخوف في صدرها
وتحصد الأمان في خطاه,
تكبّره بالقلق,
وتطعمه الصبر
حين كان العالم
يشحّ بالعدل.
وحين كبر
لم يكبر الخطر عنه,
كبر الرصاص فقط.
قُتل بدمٍ بارد,
كأنّ الدفء
جريمةٌ إضافية.
سقط,
ولم يسقط معه جسده وحده,
سقطت السنوات
التي خاطته أمًّا وأبًا,
سقطت ليالي الانتظار,
وسقطت اللغة
حتى لم يبقَ
سوى البكاء
لغةً مشتركة.
في تلّ الربيع
لم تهتف الحشود,
بل بكت.
مئةُ ألفِ إنسان
اكتشفوا فجأة
أنّ الاسم
أثقلُ من الرقم,
وأنّ الأم
حين تتكلّم
تُربك الرواية,
وتفضح القتل
دون أن ترفع إصبعًا.
أمُّ فراس
لم تطلب عدالةً كاملة,
طلبت اعترافًا صغيرًا:
أن يُنادى ابنها باسمه,
أن يُعاد إلى الأمومة
إنسانًا,
لا خبرًا
ولا رقمًا.
فخري هوّاش
البروة / جديدة – المكر

