أسامة الأطلسي لماذا يطالب غزيون اليوم بإدارة دولية للقطاع؟
تاريخ النشر: 31/01/26 | 9:02
لم يعد لدى سكان قطاع غزة ترف التمسك بالأوهام، ولا القدرة على تصديق الشعارات التي طالما رُفعت باسم “التحرير” و“النصر القريب”. بعد ما خلّفته أحداث السابع من أكتوبر من دمار غير مسبوق، وانهيار شبه كامل لمقومات الحياة، بات السؤال الذي يطرحه الغزيون اليوم أكثر واقعية وجرأة: إلى أين قادتنا هذه السياسات، ومن يدفع الثمن؟
في الأحياء المدمّرة، وبين الركام والمخيمات المؤقتة، يتزايد صوت مواطنين يطالبون حركة حماس بخطوة غير مألوفة في خطابها السياسي: دعم لجنة دولية لإدارة قطاع غزة، حتى لو تضمّن ذلك إشرافًا دوليًا أو أمريكيًا. بالنسبة لكثيرين، لم يعد هذا الطرح خيانة أو تنازلًا، بل ضرورة فرضها حجم الكارثة وانسداد الأفق.
يرى هؤلاء أن ما جرى لم يكن نتيجة “مؤامرة خارجية” بقدر ما كان ثمرة رهانات غير محسوبة، وخطاب تعبوي باع الناس وعودًا كبرى دون امتلاك أدوات تحقيقها. لسنوات، خشي كثيرون مجرد التشكيك في هذه الوعود، خوفًا من الاتهام أو التخوين. اليوم، بعد أن سقطت البيوت والمستشفيات والبنية التحتية، بات الصمت تواطؤًا، وباتت مواجهة الحقيقة واجبًا أخلاقيًا.
إن الدعوة إلى إدارة دولية للقطاع لا تنبع من ثقة مطلقة بالخارج، بل من فقدان الثقة بالداخل. فقد أثبتت التجربة، بنظر شريحة واسعة من السكان، أن استمرار الحكم الأحادي، القائم على منطق السلاح والشعارات، لم يجلب سوى العزلة والدمار. ويعتقد هؤلاء أن أي مسار جديد، مهما كان صعبًا أو مؤلمًا، يبقى أفضل من الدوران في الحلقة ذاتها.
غزة اليوم لا تحتاج خطابات تعبئة، بل إدارة رشيدة، وخطة إنقاذ، وسلطة مدنية قادرة على إعادة الحد الأدنى من الحياة. والاعتراف بالهزيمة السياسية، مهما كان قاسيًا، قد يكون الخطوة الأولى نحو إنقاذ ما تبقى من المجتمع، بدل التضحية به مجددًا باسم أوهام لم تعد تقنع أحدًا.

