الفيل ومتجر الخزف
بقلم : فخري هوّاش
تاريخ النشر: 19/01/26 | 22:45
ترامب: الفيل الذي دخل “متجر خزف” السياسة الدولية.
كم قطعة من النظام الدولي تحطّمت، وكم سيُحطَّم بعد؟
ترامب: الفيل الذي دخل متجر خزف
السياسة الولية
مقال رأي تحليلي
لم يكن دونالد ترامب حدثًا عابرًا في السياسة الدولية، بل لحظة انكشاف حادّة لنظام عالمي فقد توازنه. دخل المشهد كما يدخل الفيلُ معرضَ الخزف: بلا إدراك للهشاشة، وبلا احترام للقواعد، وبقوة ترى العالم ساحة صفقات لا منظومة قيم.
في عهده، تراجعت الدبلوماسية لحساب سياسة الصدمة. تحوّلت التحالفات إلى فواتير، والقانون الدولي إلى عائق، والمؤسسات العالمية إلى عبء. لم يكن ذلك خروجًا عن السياسة الأمريكية، بل تعبيرًا فظًّا عن جوهرها حين تسقط الأقنعة.
الخطأ هو اختزال ترامب في شخصه. فهو لم يكن استثناءً، بل مرآة لأزمة أعمق في النظام الغربي، قال علنًا ما كانت الإدارات السابقة تمارسه بصمت: هيمنة بلا التزام أخلاقي، وقوة بلا مساءلة.
بالنسبة للفلسطينيين، شكّل عهد ترامب انتقالًا من الانحياز إلى الشرعنة العلنية للاحتلال. نُقلت القدس خارج أي إطار قانوني، وروّج لما سُمّي “صفقة القرن” بوصفها حلًا، فيما كانت عمليًا إعلانًا عن تصفية الحقوق الوطنية. جرى تشجيع الاستيطان، تكريس الحصار، وتجفيف الرواية الفلسطينية سياسيًا.
على المستوى الدولي، كشفت تجربة ترامب هشاشة الاصطفافات التقليدية. الاتحاد الأوروبي بدا معترضًا في الخطاب، تابعًا في الفعل، عاجزًا عن استقلال سياسي حقيقي. في أميركا الجنوبية، عادت واشنطن إلى منطق “الفناء الخلفي” عبر العقوبات والضغط والانقلابات الناعمة وآل المآل إلى الجرأة لإختطاف رئيس منتخب . إيران كانت نموذج سياسة كسر العظام: انسحاب من الاتفاق النووي وحصار مفتوح بلا أفق سياسي. أما الخليج العربي، فدخل العلاقة بمنطق الحماية مقابل الدفع، حيث طغت الصفقات الأمنية والاقتصادية، وتراجعت القضايا الكبرى، وفي مقدمتها فلسطين.
لم تكن خطورة ترامب في فظاظته فقط، بل في تطبيعها. ما كُسِر في عهده لم يُصلَح بعده، لأن المشكلة لم تكن في الفيل وحده، بل في المعرض نفسه.
الخلاصة واضحة: إما عالم يُدار بمنطق الدهس، أو منظومة يُعاد فيها الاعتبار للحقّ والعدالة.
كل الشعوب المستهدفة أمام اختبار أخلاقي مباشر. وما لم تُسمَّ الأشياء بأسمائها، سيبقى الخزف هشًّا… والفيل حاضرًا

