العهر السياسي مفارقة الضحية والجلاد

بقلم فخري هوّاش

تاريخ النشر: 10/01/26 | 8:58

لم يعد العهر السياسي توصيفًا مجازيًا فحسب، بل تحوّل إلى بنية قائمة بذاتها في الخطاب العالمي المعاصر؛ بنية تُدار فيها الجرائم بربطات عنق، وتُغسَل فيها الدماء بمصطلحات قانونية وأخلاقية مصنّعة بعناية.
في ذروة هذا العهر، تحدث المفارقة الأخطر: الجلاد يتحدث بلسان الضحية، والضحية تُحاكم لأنها لم تمت بصمتٍ كافٍ.
انقلاب المعنى
لم تعد السياسة ساحة صراع مصالح فقط، بل ساحة اغتصاب للمعنى.
فالجلاد لا يكتفي بالفعل، بل يصرّ على امتلاك الرواية:
يقتل، ثم يشرح،
يهدم، ثم يُنظّر،
ويُجرِّم الضحية لأنها “أحرجته” بجراحها.
هنا، لا تُقاس الجريمة بعدد القتلى، بل بقدرة القاتل على تبريرها،
ولا تُدان المذبحة إن كانت ممهورة بتوقيع “الشرعية الدولية” أو “حق الدفاع عن النفس”.
الضحية المتهمة دائمًا
في هذا العالم المقلوب، يُطلب من الضحية:
– أن تكون مهذبة وهي تُقصف،

– متزنة وهي تُهجَّر،

– محايدة وهي تُمحى.
وأي خروج عن هذا “النموذج الأخلاقي” يُعدّ إدانة لها.
تصبح صرختها “تحريضًا”،
ومقاومتها “إرهابًا”،
وذاكرتها “عائقًا أمام السلام”.
العهر حين يصبح سياسة رسمية
العهر السياسي يبلغ ذروته عندما:
– تتحول القيم إلى أوراق تفاوض,

– ويصبح الصمت فضيلة دبلوماسية,

– وتُمنح الجوائز لمن يتقن إدارة المجازر بأقل كلفة إعلامية.
ليس أخطر من مجرم بلا ضمير,
إلا نظام عالمي يمنحه منبرًا,
ومثقفين يبررون,
وإعلامًا يوازن بين القاتل والقتيل باسم “الموضوعية”.
الخاتمة: معركة المعنى
ما يجري ليس مجرد صراع قوة، بل صراع على تعريف الإنسان:
من يستحق الحياة؟
ومن يُسمح له أن يروي قصته؟
حين تُسلب الضحية حق السرد,
ويُمنح الجلاد احتكار اللغة,
نكون أمام أخطر أشكال العهر السياسي:
عهر لا يقتل الجسد فقط,
بل يقتل الحقيقة… ويطلب منا التصفيق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
بقجة Icon
بقجة
أحصل على تطبيق بقجة الجديد
تحميل
×

تمّ اكتشاف مانع للإعلانات

فضلاً قم بإلغاء مانع الإعلانات حتى تتمكن من تصفّح موقع بقجة