كون اللّغة العربيّة عالميّة لا يعني عدم إتقانها وتطويرها!
د. محمود أبو فنّه
تاريخ النشر: 03/01/26 | 14:03
1. الاعتراف باللّغة العربيّة كلغة عالميّة
قرّرت الجمعيّة العامّة للأمّم المتّحدة في الثّامن عشر من شهر كانون الأوّل عام 1973 إدخال اللّغة العربيّة ضمن اللّغات الرّسميّة السّتّ (الإنجليزيّة، والفرنسيّة، والرّوسيّة والصّينيّة والإسبانيّة والعربيّة) المستعملة في الأمم المتّحدة والمحافل الدّوليّة، وهذا القرار أنْصَفَ لغتنا العربيّة الجديرة بالاعتراف بها كلغة عالميّة!
والحديث يتمحور حول اللّغة العربيّة المعياريّة الفصيحة وليس حول اللّهجات المحكيّة المستعملة، فاللّغة العربيّة المعياريّة تعتبر القاسم المشترك لدى جميع الدّول والشّعوب العربيّة، وهي تُستعمل لدى أكثر من 450 مليون نسمة.
2. خصائص اللّغة العربيّة المعياريّة
وتمتاز اللّغة العربيّة المعياريّة بعدّة خصائص ومميّزات إيجابيّة نذكر منها:
– القداسة والتّعظيم: تحظى اللغةُ العربيّة بمكانة عالية مرموقة لدى العرب والمسلمين، فهي لغة القرآن الكريم، وتُستخدم في الصّلوات والشّعائر الدّينيّة.
– وتمتاز كذلك بالغنى والثّراء في المفردات والألفاظ، فمعجمُها من أضخم معاجم اللّغات العالميّة.
– وتمتاز بالمرونة والقدرة على الاشتقاق، فمن الجذر/الأصل الواحد نشتقّ الكثير من الكلمات.
– قدرة اللّغة العربيّة على التّطوّر والنّماء، فبواسطة التّصعيد من المحسوس نتوصّل للمجرّد مثل:” العقل من عِقال“، وبواسطة التّوليد نصل لكلمات مثل:” عقلنة“، وبواسطة التّعريب: دخلت كلمات مثل:” فيلم، رادار“، وبواسطة النّحت نجد كلمات مثل:” البسملة، الحوقلة“….
– وتمتاز اللّغة العربيّة كذلك بالموسيقيّة في حروفها وكلماتها وعباراتها. وقد أطلق عليها العقّاد اللغةَ الشّاعرة.
– وتمتاز كذلك بالجمال في خطّوط كتابتها، كما يظهر ذلك في الزّخارف والكتابات في المساجد والقصور…
– وتمتاز كذلك بقدرتها على الإيجازُ والبلاغة، وينعكس ذلك في الأمثال والحكم والتّوقيعات وفنون الأدب الأخرى مثل: قصّة الومضة، أو قصيدة الومضة.
– السّهولة النّسبيّة في اكتسابها إذا استخدمت الطّرائق الملائمة كما أثبتت تجربة د. عبد الله الدنّان، والّتي عُرفت: ” تعلّم اللّغة الفصحى بالفطرة والممارسة”.
– واللغة العربيّة المعياريّة عريقة لها تراثٌ ضخمٌ من الشّعر والنثر يمتدّ من الجاهليّة حتّى يومنا.
3. ثبات اللّغة العربيّة الفصيحة وبقاؤها
وفي اليوم العالميّ للغة العربيّة يجب التّركيز على اللّغة الفصيحة المعياريّة الخالدة الّتي أفشلت جميع المحاولات للمسّ بها والحطّ من مكانتها، وأثبتت أنّها لغةٌ حيّة نامية متجدّدة:
– فالأصوات الّتي نادت باستبدال الحروف العربيّة، في الكتابة والطّباعة، بالحروف اللاتينيّة خمدت واختفت.
– ودعاة اللّهجات المحكيّة ومؤيّدو استخدامها كلغة الحضارة والثّقافة بدلا من اللّغة الفصيحة المعياريّة أضحوا قلّة لا يعتدّ بآرائهم.
– والمحاولات الّتي دعت إلى هجر اللّغة العربيّة وتبنّي إحدى اللّغات الأجنبيّة – كالفرنسيّة أو الإنجليزيّة أو…- فشلت فشلا ذريعا.
فاللّغة العربيّة الفصيحة المعياريّة ستبقى حيّة خالدة، تُسهم في تعزيز الوحدة والتّرابط بين أبناء الشّعوب العربيّة، وترسّخ الانتماء والتّواصل للحضارة العربيّة – الإسلاميّة، وتغرس القيم والمثل الإيجابيّة، وتنمّي التّفكير الرّاقي السّليم.
4. اقتراحات وتوصيات للنّهوض باللّغة العربيّة وتطويرها
إنّ النّهوض والارتقاء باللّغة العربيّة يتطلّب تذليل الكثير من الصّعوبات والتّحدّيات
وتوفير الموارد المادّيّة والبشريّة، وتنسيق الجهود وتضافرها، واتّخاذ التّدابير
المتعلّقة بالسّياسة اللّغويّة، وبالأسرة والتّعليم، وبوسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئيّة وغير ذلك.
وفيما يلي أبرز الاقتراحات والتّوصيات المقترحة:
– تخصيص الموارد لإجراء البحوث والدّراسات الّتي تسهم في النّهوض باللّغة العربيّة وتطوير مهاراتها.
– العمل على توفير المكتبات المدرسيّة والبلديّة العامّة والملائمة، وتعيين أمناء مؤهّلين للعمل فيها.
– المبادرة بحملة شعبيّة لترسيخ المطالعة الذّاتيّة وتذويتها، والقيام بفعاليّات تحقّق ذلك داخل المؤسّسات التّعليميّة وخارجها.
– زيادة عدد المرشدين للّغة العربيّة لتلبية حاجات المدارس، ولتطبيق المناهج الدّراسيّة بنجاعة.
– الحرص على إعداد الموادّ والكتب التّعليمية الحديثة لاستيعاب المناهج الجديدة
ولرفع تحصيل الطّلّاب في الامتحانات المحلّيّة والمدرسيّة والدّولية في التّنوّر اللّغويّ وفهم المقروء.
– إعداد جميع المعلّمين – في المواضيع المختلفة – وتأهيلهم لإتقان أساسيّات اللّغة
العربيّة ليسهموا في النّهوض باللّغة العربيّة وتحسين تحصيل المتعلّمين فيها.
– دعم طلّاب متفوّقين من خريجي المدارس الثّانويّة للالتحاق بمعاهد إعداد المعلّمين
والجامعات للتّخصّص في اللّغة العربيّة وتأهيلهم لتدريسها.
– القيام بعقد المحاضرات والنّدوات في المؤسّسات التّعليميّة وخارجها بهدف تعميق
الوعي والمعرفة المتعلّقة باللّغة العربيّة وآدابها.
– الإعلان عن مسابقات قطريّة في المدارس وخارجها في الكتابة الإبداعيّة
والوظيفيّة مع تخصيص الجوائز التّشجيعيّة.
ختامًا:
أهيب بكلّ النّاطقين بلغة الضّاد العمل على إعلاء مكانتها، وأن يبذلوا كلّ جهد لإتقانها وتطويرها واستعمالها في الحديث والقراءة والكتابة والتّدريس لأنّها لغة غنيّة حيّة قادرة على مواكبة المستجدّات في عصر العولمة كغيرها من اللّغات العالميّة.
وفي هذا السّياق يحلو لي أنْ أقتبس الأبيات التّالية من قصيدة: “اللّغة العربيّة تنعى حظّها بين أهلها” لشاعر النّيل حافظ إبراهيم حيث يتحدّث على لسان اللّغة العربيّة فيقول:
وسِعتُ كِتابَ اللهِ لَفظًا وغايةً – وما ضِقْتُ عن آيٍ به وعِظاتِ
فكيف أضِيقُ اليومَ عن وَصفِ آلةٍ – وتَنْسِيقِ أسماءٍ لمُخْترَعاتِ
أنا البحرُ في أحشائه الدّرُّ كامنٌ – فهل ساءلوا الغوّاصَ عن صدفاتي

