في مخططات تطوير جسر الزرقاء، تُستَخدم “حماية الطبيعة” كسلاحٍ تخطيطي
سامي العلي
تاريخ النشر: 01/01/26 | 19:11
على مدى سنوات طويلة أبحث في تاريخ جسر الزرقاء، وتخطيطها، وتراثها البحري، والنضال من أجل العدالة المكانية والاجتماعية في هذه القرية، التي تُعد من أفقر وأكثر البلدات تهميشًا في إسرائيل. وكلما تعمّقت في الوثائق، ونقاشات اللجان، والقرارات المؤسساتية، وفي تاريخ المنطقة، تبلورت أمامي صورة واحدة، حادّة ومؤلمة: قريتنا لم تُهمل فحسب، بل جرى إغلاقها وحصارها. عن وعي، وبمنهجية، وعلى امتداد عقود. من امتلك القوة استخدمها، ومن لم يمتلكها دفع الثمن.
حان الوقت لقول الأمور كاملة، بمسؤولية ودون تشتيت. بلدات شاطئ الكرمل، وعلى رأسها قيساريا ومعجان ميخائيل، هي القوة المركزية التي تقود منذ سنوات معارضة كل مخطط من شأنه أن يتيح لجسر الزرقاء أن تتطوّر، أو تنمو، أو حتى أن تتنفس.
هذه ليست رواية. إنها حقيقة تخطيطية وتاريخية.
في زمنٍ يُفترض أن يوفّر فيه التخطيط المساواة والفرص والعدالة التوزيعية والبيئية، تحوّلت جسر الزرقاء إلى حالة شاذة لا مثيل لها: بلدة كاملة محاطة بعوائق مادية وتخطيطية — طرق مركزية، وساتر ترابي، ومحميات طبيعية، ومواقع أثرية، وغياب مجال حيوي، وكثافة سكانية وسكنية خانقة — تمنعها من تطوير السياحة، أو بناء فضاء اقتصادي، أو صياغة مستقبل مجتمعي مستدام. إنها سياسة تُقوّض مقوّمات القوة في البلدة، وتغرقها في بحر من الضعف والأزمات وواقع كارثي مهين.
المعارضات المتكررة من قِبل قيساريا ومعجان ميخائيل لكل مخطط يهدف إلى النهوض بمستقبل القرية ليست صدفة. إنه نمط متواصل، عميق ومستمر، يكرّس الحصار. ومن أكثر رموز ممارسة القوة المكانية فجاجة في المنطقة الساتر الترابي الذي أقامته قيساريا عام 2002، والمعروف باسم “جدار الفصل”. هذا الجدار لا يفصل فقط بين بلدتين متجاورتين، بل يجسّد فصلًا عنصريًا طبقيًا بين بلدة غنية وأخرى فقيرة على الساحل، وفصلًا قوميًّا بين سكان يهود وسكان عرب.
هذه ليست خطوة هندسية بريئة، بل رسالة مكانية-حيّزيّة واضحة: هنا ينتهي عالم جسر الزرقاء، ويبدأ عالمنا. لقد تحوّل هذا الجدار إلى رمز للأبارتهايد والعزل والقطيعة، ولانعدام الامتداد المكاني الجغرافي، ولغياب العدالة الاجتماعية المستمر.
حتى المقبرة لم تسلم. قبل عقدين فقط، كان بإمكان أهالي القرية الوصول إلى مقبرتهم “الشيخ سالم” — موقع مقدس تاريخي سبق إقامة جميع البلدات الحديثة المحيطة بها. لكن الطريق أُغلق لاحقًا، وهذه المرة على يد كيبوتس معجان ميخائيل وسلطة الطبيعة والحدائق. منع الوصول إلى مكان مقدس ليس مجرد “تخطيط”. إنها خطوة سياسية تتجاوز خطًا أخلاقيًا أحمر. كرامة الموتى ليست أداة في ألعاب السيطرة على الحيّز.
في ظل هذا الواقع، تُستَخدم “حماية الطبيعة” كسلاحٍ تخطيطي. قبل نحو عقد، حين بدأت الدولة باعداد مخطط هيكلي لجسر الزرقاء، أطلق معجان ميخائيل مبادرة بدت بريئة: “حديقة للطيور” في قلب مزارع الأسماك الجنوبية التابعة للكيبوتس والملاصقة لجسر الزرقاء. نظّم الكيبوتس جولات للصحفيين، ووزّع مواد علاقات عامة عن الحديقة التي ستشكّل — بحسب الادعاء — محطة للطيور وتسهم في حماية الطبيعة، في خطوة هدفت عمليًا إلى تكريس مكانة مزارع الأسماك كموقع طبيعي محمي، وذلك قبل أن تولد أي خطة فعلية لجسر الزرقاء.
لكن أيّ “حماية طبيعة” هذه، حين كانت مدافع الضجيج تُطلق كل ليلة لسنوات حول برك الأسماك لطرد طيور البجع، وتهزّ القرية بأكملها؟ ولمّا أُحبطت خطوة توسيع البلدة باتجاه برك الأسماك، صمتت المدافع فجأة.
وأيّ “حماية طبيعة” هذه، حين فُرضت في إطار مخطط “الموارس 1080” قيودٌ جوهرية على أراضي سكان جسر الزرقاء بذريعة حماية “قيم طبيعية حساسة”، لكن عندما أُودِع مخطط 2040 الخاص بمعجان ميخائيل للمصادقة، اختفت تلك القيم فجأة؟ النهر نفسه، البيئة الإيكولوجية ذاتها، لكن بنظامي قواعد مختلفين. هذا ليس طبيعة — هذا تمييز.
غير أنّ القصة أكبر من التخطيط المحلي. الصراع على الحيّز المكاني في جسر الزرقاء ليس مجرد خلاف بين جيران، بل هو اختبار لمؤسسات الدولة: هل سنسمح بخنق مجتمع مُهمَّش للحفاظ على “الهدوء والاتساع” لبلدات قوية؟ هل سنواصل استخدام الطبيعة ذريعةً للمساس بحقوق إنسان أساسية؟ وهل سنستمر في تكريس فجوات وُلدت في حقبة استعمارية واستمرّت حتى اليوم؟
جسر الزرقاء ليس تهديدًا ولا جسمًا غريبًا. إنها جزء أصيل من الساحل، ومن البيئة، ومن النسيج الإنساني في البلاد. ليس “عائقًا” كما يحلو للبعض تسميته أحيانًا في البلدات المحيطة بنا وفي المكاتب الحكومية، بل بلدة ذات إمكانات سياحية وثقافية وتاريخية هائلة. هي لا تحتاج إلى صدقات، بل إلى حقوق.
حان الوقت لوضع حدّ للحصار المكاني الجغرافي. بعد عقود من الإغلاقات، والجدران، والتمييز التخطيطي، وغياب الامتداد المكاني، لا بدّ من تغيير جذري. لا ترقيع، ولا تسوية، ولا توسّع مؤقّت لرقعة الحصار — بل عدالة.
إنه نضال من أجل مستقبل بلدة سُجنت خلف جدران لم تُبنَ من حجارة، بل من قوة، ومصالح، وسياسات تخطيطية عنصرية، وتصورات إثنومركزية يجب أن تزول. أنا أؤمن بمستقبل جسر الزرقاء، وأؤمن بحقها في التطور والتوسع والعيش بندّيةٍ وكرامة ومساواة. وحان الوقت لأن تؤمن الدولة بذلك أيضًا، وأن تتوقف عن تكريس آليات الحصار التي تُخلّد ظلمًا تاريخيًا.

