ماذا بعد الفوضى؟

بقلم: فخري هواش

تاريخ النشر: 01/01/26 | 19:07

عن الديجافو الكوني وعودة عقدة قابيل… وهل من نبي؟
لم تعد الفوضى حدثًا طارئًا في تاريخ البشرية، بل صارت حالةً مستدامة، كأن العالم استقرّ على اختلاله، وتعايش مع الخراب بوصفه نظامًا بديلًا. في كل مرة نعتقد أننا بلغنا القاع، يأتينا الإحساس ذاته: لقد مررنا بهذا من قبل. ذلك الشعور المربك الذي يسمّيه علم النفس «الديجافو»، لكنه في السياق الإنساني أعمق من مجرد خلل في الذاكرة؛ إنه ديجافو أخلاقي، عجز متكرر عن التعلّم.
الفوضى: لحظة انكشاف لا نهاية
الفوضى ليست نقيض النظام فقط، بل نقيض المعنى. إنها اللحظة التي تسقط فيها الأقنعة، وتُفضَح اللغة، ويظهر الإنسان مجرّدًا من سردياته الكبرى. عندها نكتشف أن كثيرًا مما سمّيناه قيمًا لم يكن سوى شعارات مؤقتة، وأن العدالة كانت مشروطة، والإنسانية انتقائية.
الديجافو: حين يعيد التاريخ نفسه
ليس التاريخ هو الذي يكرّر نفسه، بل نحن الذين نعيد إنتاج أخطائنا بأسماء جديدة. الحروب هي ذاتها، الضحايا هم ذاتهم، والخطابات التي تبرّر القتل تُعاد تدويرها بلغة أكثر حداثة. نعرف النتائج سلفًا، ومع ذلك نمضي. هنا يصبح الديجافو علامة فشل جماعي في الذاكرة الأخلاقية.
قابيل لم يمت
قصة قابيل وهابيل ليست حكاية دينية من الماضي، بل نموذج أولي للشر. قابيل لم يختفِ؛ لقد تطوّر.
لم يعد أخًا يقتل أخاه بحجر، بل دولة تقتل شعبًا بصاروخ، أو نظامًا يمحو مدينة باسم الأمن، أو سوقًا يدهس الفقراء باسم النمو.
قابيل اليوم يرتدي بدلة رسمية، يتحدث بلغة القانون، ويوقّع قرارات الموت بدم بارد.
هل من نبي؟
السؤال هنا ليس دينيًا بقدر ما هو وجودي.
إن كان المقصود نبيًا بالمعنى الكلاسيكي، فالجواب: لا.
أما إن كانت النبوّة موقفًا أخلاقيًا، فالجواب: نعم، بل ضرورة.
النبي اليوم ليس شخصًا، بل موقف.
ماذا بعد الفوضى؟
بعد الفوضى يقف العالم عند مفترق حاسم:
إما استمرار قابيل،
أو ولادة هابيل جديد، لا كضحية صامتة، بل كشاهد يقول:
هنا كان يمكن ألا يحدث هذا.
السؤال الحقيقي ليس: هل من نبي؟
بل: هل ما زال فينا متسع لنبوّة الضمير؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
بقجة Icon
بقجة
أحصل على تطبيق بقجة الجديد
تحميل
×

تمّ اكتشاف مانع للإعلانات

فضلاً قم بإلغاء مانع الإعلانات حتى تتمكن من تصفّح موقع بقجة