ماذا لو جاءت انتخابات الكنيست؟
بقلم: رانية مرجية
تاريخ النشر: 31/12/25 | 18:45
ماذا لو جاءت انتخابات الكنيست هذه المرة، لا كحدثٍ سياسي عابر، بل كلحظة مواجهة صامتة مع الذات؟ لا مواجهة مع القوائم والمرشحين فحسب، بل مع أسئلتنا المؤجَّلة، ومع شعورٍ ثقيل بأننا نقف في المكان ذاته منذ سنوات، نبدّل الوجوه، لكننا لا نبدّل الحيرة. الانتخابات، في معناها الأعمق، ليست صناديق تُفتح ليومٍ واحد، بل مرايا تُرفع أمام مجتمعٍ بأكمله. فيها نرى مقدار إيماننا بالتأثير، ومقدار تعبنا من الوعود، ونختبر المسافة بين ما يُقال لنا، وما نعيشه فعليًا. في كل دورة انتخابية، تعود الكلمات نفسها إلى الواجهة: التغيير، الشراكة، التأثير، المواطنة. لكن الكلمات، حين تتكرر بلا نتائج ملموسة، تفقد قدرتها على الإقناع، وتتحول إلى صدى بعيد لا يلامس الواقع. وهنا يبدأ السؤال الحقيقي: هل المشكلة في الكلمة، أم في التجربة التي أفرغتها من معناها؟ ثمّة من يرى في المشاركة فعلًا ضروريًا، محاولة لانتزاع صوت داخل نظامٍ معقّد، وثمّة من يرى في المقاطعة موقفًا أخلاقيًا، رفضًا لأن يكون جزءًا من مشهد لا يشعر أنه يمثّله. وبين هذين الخيارين، يقف الإنسان العادي، لا كمنظّر سياسي، بل ككائن مثقل بالتجربة، يسأل نفسه بصدق: أين موقعي الحقيقي؟ وأي قرار يحفظ كرامتي قبل أي شيء آخر؟ السياسة تُجيد لغة الأرقام، لكنها كثيرًا ما تُخفق في فهم الإنسان. تحسب المقاعد، ولا تحسب الخذلان. تُدير الحملات، ولا تُصغي بما يكفي للتعب الصامت، لذلك الشعور المتراكم بأن المشاركة وحدها لا تكفي، إن لم تُترجم إلى عدالة ملموسة. ماذا لو تعاملنا مع انتخابات الكنيست كفرصة للتأمل الجماعي، لا للاستقطاب؟ ماذا لو طرحنا الأسئلة قبل رفع الشعارات؟ من نكون داخل هذه المعادلة؟ شركاء حقيقيون، أم أرقام تُستدعى عند الحاجة؟ فاعلين في القرار، أم شهودًا على قرارات تُتخذ من دوننا؟ ربما لا تغيّر ورقة اقتراع واحدة مسار التاريخ، لكنها قد تغيّر علاقتنا بذواتنا. قد تكشف إن كنا نختار بوعي، أم نكرّر أفعالًا بدافع الخوف، أو العادة، أو اليأس. وقد تكشف إن كان الصمت هروبًا، أم موقفًا مدروسًا يحمل معنى واحتجاجًا صامتًا. عندما تأتي انتخابات الكنيست، فهي لا تأتي وحدها. تأتي محمّلة بتاريخٍ ثقيل، وبذاكرة جماعية مليئة بالتجارب، وبسؤالٍ أخلاقي لا يمكن تجاهله: كيف نكون أوفياء لأنفسنا، في واقعٍ يضعنا دائمًا أمام خيارات ناقصة؟ الفلسفة لا تمنح إجابات جاهزة، لكنها تمنحنا شجاعة السؤال. والسؤال، حين يُطرح بصدق، يصبح فعل وعي، وأحيانًا… أول أشكال المقاومة. فليكن موقفنا هذه المرة أعمق من صندوق، وأصدق من شعار، وأقرب إلى الإنسان، لأن السياسة، حين تفقد الإنسان، تفقد معناها. ⸻

