محمد بكري، الجمال الذي لم يساوم

فخري هوّاش

تاريخ النشر: 27/12/25 | 11:22

نم قرير العين يا محمد لقد أديت الأمانة
لم يكن محمد بكري مجرّد ممثّل فلسطيني بارز، ولا اسمًا لامعًا في سجلّ السينما والمسرح العربي، بل شكّل حالة ثقافية–أخلاقية نادرة، يتقاطع فيها الفن مع الموقف، والجمال مع الحقيقة، والتمثيل مع الشهادة. إنّ قراءة إرث محمد بكري تستدعي الخروج من مقاييس النجاح الفنيّ التقليدية، والدخول إلى فضاء أعمق: فضاء الفنان الذي اختار أن يكون شاهدًا لا متفرّجًا، ومنخرطًا لا محايدًا.
أولًا: الفنّ بوصفه انحيازًا لا حيادًا
في زمن جرى فيه ترويض الفنّ، وتحويله إلى سلعة أو زينة ثقافية، أعاد محمد بكري تعريف وظيفة الفنان. لم يؤمن يومًا بـ«حياد» الفنّ، لأن الحياد – في سياق الظلم – موقف منحاز للقوّة. من هنا جاءت أعماله، ولا سيما فيلم «جنين… جنين»، كفعل مواجهة مباشر مع السردية الرسمية، ومع نظام سياسيّ وثقافيّ حاول طمس الجريمة تحت خطاب «الأمن» و«الدفاع عن النفس».
لم يكن الفيلم مجرّد وثيقة، بل كسرًا لاحتكار الرواية، وتحويل الكاميرا من أداة تسلية إلى أداة مساءلة. لهذا لم يُحارب بكري فنيًا فقط، بل قضائيًا وإعلاميًا، لأن ما فعله أصاب جوهر المنظومة: حقّها في رواية القصة وحدها.
ثانيًا: الجسد الفلسطيني في مواجهة الصورة النمطية
على خشبة المسرح وأمام الكاميرا، قدّم محمد بكري الفلسطيني بوصفه إنسانًا كاملًا: ضعيفًا وقويًا، ساخرًا وغاضبًا، عاشقًا ومكسورًا. لم يسمح بتحويل الشخصية الفلسطينية إلى ضحية صامتة.
في أدائه، كان الجسد نفسه نصًا سياسيًا: نبرة الصوت، حركة اليد، الصمت، وحتى التردّد.
بهذا المعنى، اشتغل بكري على تحرير الصورة الفلسطينية من التنميط المزدوج: تشويه العدوّ، وتبسيط الصديق. لقد أعاد الإنسان إلى مركز الحكاية، دون خطابة، ودون استجداء تعاطف.
ثالثًا: ثمن الحقيقة ومأزق المثقف
تكشف تجربة محمد بكري مأزق المثقف الفلسطيني في الداخل: أن تكون جزءًا من المشهد الثقافي، دون أن تكون جزءًا من آلة التزييف. لقد دفع بكري ثمن هذا الخيار من سمعته المهنية، ومن استقراره، ومن راحته الشخصية. ومع ذلك، لم يتراجع، ولم يعتذر، ولم يساوم.
هنا تتجلّى قيمة إرثه: أنه قدّم نموذجًا للفنان الذي لا يفاوض على الحقيقة، حتى حين تكون الكلفة باهظة. في زمن صار فيه الصمت ذكاءً، والانحناء «حكمة»، أصرّ بكري على الوقوف، ولو وحيدًا.
رابعًا: محمد بكري والذاكرة الجماعية
لا يمكن فصل إرث محمد بكري عن دوره في حماية الذاكرة الفلسطينية. لقد فهم مبكرًا أن المعركة ليست فقط على الأرض، بل على السردية، وأن النسيان شكلٌ آخر من أشكال الهزيمة. لذلك جاءت أعماله – السينمائية والمسرحية – كأرشيف حيّ، يقاوم المحو، ويعيد الاعتبار للشهادة الفردية في مواجهة التاريخ الرسمي.
لم يكن بكري مؤرخًا، لكنه كان حارسًا للذاكرة، يثق بالصوت البشريّ أكثر من الوثائق الباردة، وبالدمعة أكثر من البيان السياسي.
خاتمة: لماذا نحبّ محمد بكري؟
نحبّ محمد بكري لأنه لم يكن «آمنًا»،
ولم يكن «مريحًا»،
ولم يسعَ إلى رضا الجميع.
نحبّه لأنه علّمنا أن الفنّ موقف،
وأن الجمال لا ينفصل عن العدالة،
وأن الكلمة – حين تُقال بصدق – قد تكون أقوى من الرصاصة.
رحل محمد بكري،
لكن إرثه باقٍ،
لا في الجوائز ولا في الأوسمة،
بل في الأسئلة التي تركها مفتوحة،
وفي الشجاعة التي وضعها معيارًا للفنّ،
وللإنسان.
نم قرير العين يا محمد لقد أديت الأمانة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
بقجة Icon
بقجة
أحصل على تطبيق بقجة الجديد
تحميل
×

تمّ اكتشاف مانع للإعلانات

فضلاً قم بإلغاء مانع الإعلانات حتى تتمكن من تصفّح موقع بقجة