في عيد الميلاد… ميتافيزيقا الشمعة والغياب

بقلم - رانية مرجية

تاريخ النشر: 23/12/25 | 18:59

في عيد الميلاد المجيد، لا نُشعل الشمعة بوصفها طقسًا موروثًا، بل كفعلٍ وجوديٍّ يلامس جوهر الإنسان. فالشمعة ليست ضوءًا فحسب، بل اعترافٌ هشّ بأننا كائناتٌ تعيش بين حدّين: حدّ الحضور وحدّ الغياب، وأن الذاكرة هي المساحة الوحيدة التي لا تخضع لقانون الفناء.

حين نُضيء شمعةً للراحلين، لا نستدعيهم من موتهم، بل نستدعي أنفسنا من التيه. فالذين رحلوا، ولا سيّما أمهاتنا وآباءنا، لم يغادروا المكان بقدر ما غادروا الزمن. صاروا خارج التقويم، خارج العدّ، لكنهم بقوا داخل المعنى. إنهم يسكنون فينا بوصفهم أصلًا لا ذكرى، وبوصفهم بنيةً داخلية شكّلت وعينا قبل أن نشكّل أسماءنا.

الميلاد، فلسفيًا، ليس حدثًا بيولوجيًا، بل لحظة وعي. هو السؤال الذي يُعاد طرحه كل عام: كيف نولد من جديد ونحن مثقلون بالفقد؟ كيف يتجاور الفرح مع الحزن دون أن يُقصي أحدهما الآخر؟ ربما لأن الحياة، في حقيقتها العميقة، لا تُبنى على النقاء، بل على التوتر الخلّاق بين الألم والمعنى.

أمهاتنا وآباؤنا لا يعودون في العيد كأشباحٍ عاطفية، بل كقيمٍ حية. يعودون كطريقة نظرنا إلى العالم، كحذرنا من القسوة، وكإيماننا الصامت بأن الخير، مهما تأخّر، لا يخون. إنهم في قراراتنا الصغيرة، في خوفنا النبيل، وفي قدرتنا على الاستمرار حين يبدو الاستمرار عبئًا لا يُحتمل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
بقجة Icon
بقجة
أحصل على تطبيق بقجة الجديد
تحميل
×

تمّ اكتشاف مانع للإعلانات

فضلاً قم بإلغاء مانع الإعلانات حتى تتمكن من تصفّح موقع بقجة