اليسار الإسرائيلي: حين تتحوّل المعارضة إلى إدارة بديلة
فخري هوّاش
تاريخ النشر: 22/12/25 | 9:22
لا يعاني اليسار الإسرائيلي من أزمة قيادة أو إخفاق انتخابي عابر، بل من أزمة تعريف ومعنى.
فالتراجع المستمر لهذا التيار يعكس فقدانه لوظيفته الأساسية: أن يكون حاملًا لمشروع بديل، لا مجرد معارض شكلي داخل النظام القائم.
خلال العقد الأخير، تحوّل بنيامين نتنياهو من رئيس حكومة إلى إطار مهيمن يعيد تشكيل السياسة الإسرائيلية، بما فيها معارضوه. فاليسار لم يعد يصوغ خطابه انطلاقًا من منظومة قيم واضحة، بل من موقع ردّ الفعل على نتنياهو. وبهذا المعنى، فإن معركة “إسقاط نتنياهو” لم تكن معركة تغيير بنيوي، بل محاولة لإدارة النظام بوجوه أقل استفزازًا.
هذا التموضع الدفاعي أفرغ المعارضة من مضمونها. فبدل مساءلة الاحتلال بوصفه بنية دائمة، أو نقد الطابع الإثني للنظام السياسي، انشغل اليسار بتبديل الأشخاص لا السياسات. النتيجة كانت متوقعة: تغيير الوجوه، وبقاء الجوهر.
في موازاة ذلك، شهد اليسار انتقالًا واضحًا من الأيديولوجيا إلى منطق السوق السياسي. الأحزاب التي كانت — رغم تناقضاتها — تحمل تصورًا اقتصاديًا واجتماعيًا متماسكًا، باتت تُدار اليوم وفق استطلاعات الرأي وحسابات الربح والخسارة الانتخابية. لم يعد السؤال: ما العادل؟ بل: ما الممكن انتخابيًا؟ وهنا تحوّل اليسار من حامل رؤية إلى مقاول أصوات.
هذا التحوّل دفع اليسار إلى التمركز في “الوسط”، وهو وسط مُعرّف أصلًا وفق شروط اليمين. لذلك تبنّى خطاب “الأمن أولًا”، وتجنّب الحديث عن الاحتلال، وتعامل مع الفلسطيني لا كفاعل سياسي بل كمشكلة لغوية أو عبء انتخابي. غير أن هذا التنازل التراكمي لم يمنحه ثقة جمهور اليمين، بل أفقده هويته وتميّزه.
المؤشر الأوضح على عمق الأزمة يتمثّل في موقف اليسار من الشراكة العربية–اليهودية. فهذه الشراكة لا تُقصى لأنها غير مجدية سياسيًا، بل لأنها تفرض إعادة تعريف الدولة ومساءلة الامتياز اليهودي. ولأن اليسار غير مستعد لدفع هذا الثمن، اختار الصيغة الأسهل: دعم عربي من الخارج بلا شراكة حقيقية في الداخل، ما يحوّل الصوت العربي إلى رقم بلا وزن سياسي.
وهنا تبرز حقيقة على الأحزاب العربية أن تأخذها بالحسبان:
المواطن العربي لم يعد مستعدًا لأن يكون سلعة انتخابية على مقاس اليسار والمعارضة الإسرائيلية. التجربة المتراكمة، من وعود الشراكة المؤجّلة إلى معادلة “الدعم بلا تأثير”، أثبتت أن الصوت العربي يُستدعى عند الحاجة ويُقصى عند صياغة القرار.
المواطن العربي اليوم يواجه تحديات مركّبة: تصاعد القمع، التمييز البنيوي، تفكك النسيج الاجتماعي، والحرب المفتوحة على الوجود والذاكرة. في ظل هذه الوقائع، لم يعد مقبولًا تسويق المشاركة السياسية كضرورة تكتيكية لإنقاذ معسكر إسرائيلي من آخر، دون أي التزام حقيقي بتغيير قواعد اللعبة.
على الأحزاب العربية أن تدرك أن الرهان على يسار بلا مشروع، أو معارضة بلا شجاعة أخلاقية، هو رهان خاسر سياسيًا ومعنويًا. فالشراكة التي لا تقوم على برنامج واضح، واعتراف متبادل، ومساواة فعلية، ليست شراكة، بل إدارة مؤقتة للأزمة على حساب الكرامة السياسية.
المطلوب اليوم ليس الانسحاب من الفعل السياسي، بل إعادة تعريفه: من سياسة الأرقام إلى سياسة الموقف، ومن منطق “أقلّ الشرّين” إلى منطق الحقوق. فالمواطن العربي لم يعد يبحث عمّن يستخدم صوته، بل عمّن يعترف به شريكًا كاملًا، أو على الأقل يحترم قراره حين يرفض أن يكون جزءًا من لعبة لا تغيّر قواعدها.
في المحصّلة، لم يُهزم اليسار الإسرائيلي في صناديق الاقتراع فقط، بل في ميزان المعنى. وحين تفقد المعارضة بوصلتها القيمية، تتحوّل إلى إدارة بديلة للواقع القائم، لا قوة تغيير. أما المواطن العربي، فقد بدأ يقول بوضوح: لسنا فائض أصوات، ولا هامشًا انتخابيًا، بل أصحاب موقف وقرار.
فخري هوّاش
البروة/ جديدة المكر

