في يوم اللغة العربية اللغة في زمن “الريلز”

بقلم: فخري هواش

تاريخ النشر: 18/12/25 | 12:44

الصورة المبهرجة بين فقدان “الريالتي” وضياع المعنى
في زمن الريلز (Reels)، حيث تُختزل التجربة الإنسانية في ثوانٍ معدودة، لم تعد الصورة مجرّد أداة تعبير، بل تحوّلت إلى سلطةٍ تفرض إيقاعها على الوعي. صورة لامعة، سريعة، منزوعة السياق، تُقدَّم على أنها «الواقع»، بينما هي في حقيقتها قشرةٌ براقة تخفي فراغًا متزايدًا في المعنى. هنا تبدأ أزمة اللغة، لا بوصفها ضحية جانبية، بل بوصفها الغائب الأكبر عن مشهدٍ يتصدّر فيه البصر ويتراجع فيه الفكر.

إن عالم “الريلز” لا يعادي اللغة صراحة، لكنه يهمّشها عمليًا. فالكلمة التي تحتاج إلى زمن للتشكّل والفهم، لا تناسب منطق السرعة واللهاث وراء المشاهدة. وهكذا تُستبدل اللغة بجُمل هجينة، وإيماءات بصرية، ورموز مختصرة، تُنتج إحساسًا لحظيًا دون أن تُنتج وعيًا. ومع هذا التحوّل، تنتقل المجتمعات من الريالتي (Reality) بوصفها واقعًا معيشًا ومفهومًا، إلى ريالتي مصنَّعة تُقاس بمدى انتشارها لا بصدقها.

اللغة، في جوهرها، ليست وسيلة نقل للمعنى فحسب، بل أداة تفكير وتنظيم للخبرة الإنسانية. حين تتراجع اللغة، يتراجع السؤال، ويُختصر النقد، وتُصاب الذاكرة بالوهن. الصورة بلا لغة ناقدة تصبح قابلة للتأويل الموجَّه، والتلاعب العاطفي، لأنها تُستقبل مباشرة في الحواس دون المرور بمصفاة العقل. وهنا تكمن خطورة الريلز: كثافة بصرية تُنتج هشاشة معرفية.

الشباب، بوصفهم الفاعل الأبرز في هذا الفضاء، يقفون عند مفترق طرق حاسم. فإمّا أن يكونوا مستهلكين لصورٍ لا تمنحهم سوى وهم المعرفة، أو صُنّاع معنى يعيدون الاعتبار للغة داخل هذا الفضاء الرقمي. المشكلة ليست في استخدام الصورة، بل في انفصالها عن الكلمة. حين تُقصى اللغة، يفقد الشاب قدرته على التعبير العميق، وعلى بناء موقف، وعلى تحويل المشهد إلى فهم، والفهم إلى وعي.

في السياق العربي والفلسطيني، تتجاوز المسألة بعدها الثقافي لتلامس جوهر الوجود. فالقضية التي تُروى بلا لغة دقيقة، تُختزل إلى مشاهد صادمة عابرة، تُستهلك ثم تُنسى. ومع غياب اللغة، يغيب السرد، ومع غياب السرد تضيع الرواية. في زمن الريلز، يمكن للصورة أن تُظهر الألم، لكنها لا تشرح أسبابه، ولا تحميه من التوظيف أو التشويه. وحدها اللغة القادرة على تثبيت المعنى، وربط اللحظة بتاريخها، والحدث بسياقه.
في الختام، ليست اللغة في زمن الريلز مسألة أسلوب، بل مسألة وعي وهوية. فحين تفقد الكلمة مكانها، لا تخسر اللغة فقط، بل نخسر قدرتنا على الفهم، وعلى تسمية الواقع كما هو. وما أحوج هويتنا اليوم إلى لغتها، في عالمٍ يفيض بالصور، ويعاني شحًّا في المعنى.
18-12-2025

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
بقجة Icon
بقجة
أحصل على تطبيق بقجة الجديد
تحميل
×

تمّ اكتشاف مانع للإعلانات

فضلاً قم بإلغاء مانع الإعلانات حتى تتمكن من تصفّح موقع بقجة