ربّ أخٍ لم تلده أمُّك!
د. محمود أبو فنّه
تاريخ النشر: 16/12/25 | 19:06
كلمة “الصّداقة” مشتقّة من كلمة الصّدق الّذي يمثّل جوهر القيم الّتي تضمن تكوين الصّداقة الحقيقيّة وبناء العلاقات الاجتماعيّة، إلى جانب الإخلاص والثّقة.
وقد وردت الكثير من الأقوال والامثال حول الصّديق الوفيّ مثل:
– “لا خير في صحبةِ من لا يرى لك الخيرَ كنفسه” – (حديث شريف للنّبيّ محمّد صلّى الله عليه وسلّم).
– “أعجزُ النّاس من عجز في اكتساب الإخوان” – (للإمام عليّ بن أبي طالب).
– “قل لي من تعاشر أقل لك من أنت” – (سرفانتس)
– “المرءُ بخليله”، و “إنّ الطّيور على أشكالها تقعُ” و “الصّديق عند الضّيق … والرّفيق قبل الطّريق” – (أمثال عربيّة).
– المرءُ غنيٌّ بأصدقائه” – (أفلاطون).
– ” إنّ الرّجل يبدأ في الشّيخوخة عندما يعجز عن اكتساب أصدقاء جدد، لأنّ مداومة الاختلاط بالنّاس دليل على الاستعداد للتّطوّر واستيعاب الأفكار الجديدة، والحيويّة وحبّ الحياة” – (الطبيب وليام أوسلر أبوت)
– “صديقُك هو كفايةُ حاجاتِك، فهو حقلُك الّذي تزرعُه بالمحبّة وتحصدُه بالشّكر، هو مائدتُك وموقدُك، لأنّك تأتي إليه جائعًا، وتسعى وراءه مستدفئًا…” – (جبران خليل جبران في كتابه “النبيّ”)
فجبران بعبقريّته وشاعريّته يُعلي من مكانة الصّديق وما يقدّمه لصديقه باستعمال الصّور البيانيّة البليغة: فالصّديق يشبه الحقل الّذي نزرعه بمحبّتنا، ونجني منه الثّمار بشكرنا وحمدنا، ثمّ يأتي جبران بصور جميلة أخرى: فيشبّه الصّديق تارةً بالمائدة الّتي تحوي أجود أصناف الطّعام الّتي يُقبل عليها صديقه الجائع ليسدّ جوعه، ويشبّهُه تارةً أخرى بالموقد الّذي تتوهّج نارُه فيأتي صديقُه المقرور يستدفئ بنار ذلك الموقد!
بكلمات أخرى: نحن بالمحبّة نكسب الأصدقاء، وبالشّكر والحمد نستفيد منهم ونحافظ عليهم، والصّديق الوفيّ المخلص مصدر العون والأمان لصديقه في السّرّاء والضّرّاء!
وأنا من خلال تجاربي ومن ملاحظتي لسلوك النّاس، أرى أهمّيّة وجود الأصدقاء الأوفياء في حياتنا وضرورة التّواصل معهم لتحقيق الأنس والمتعة، أو لتخفيف الضّغوط والتّفريغ، أولتبادل الخبرات والمعارف، لذلك لا عجب أنْ يردّد النّاس في أمثالهم الشّعبيّة:
“الجنّة بلا ناس، ما بتنداس!”.
ولكن في هذه الأيّام ومع ذيوع استخدام وسائط التّواصل الاجتماعيّ مثل: الفيس بوك والانستجرام والواتس أب ومع كثرة “الأصدقاء” الافتراضيّين في هذه الوسائط الّذين قد يتجاوز عددُهم الآلاف، أتساءل بحيرة: كم عددُ الأصدقاء الحقيقيّين المُخلصين الأوفياء الّذين ينطبق عليهم ما قاله جبران خليل جبران؟!
أخشى أنْ أكون متشدّدًا ومتشائمًا في حُكْمي – خاصّةً وأنا في طبعي متفائل – فأقول: عدد الأصدقاء الحقيقيّين الأوفياء في زماننا قد لا يزيد عن عدد أصابع اليد الواحدة!
وهناك من كتب مؤكّدًا على أهمّيّة الأصدقاء الحقيقيّين المخلصين، وعنده: “الصّديق هو الّذي نلتقي به حسّيًّا ونتفاعل معه وجوديًّا، ونتبادل معه الأفكار والأشياء مادّيًّا، ونعرف اسمه الحقيقيّ وهويّته الشّخصيّة، غير أنّ الصّداقة الافتراضيّة، ربما تكون من خلال اسم مستعار وصورة رمزيّة فقط”.
وهذا الوضع – ندرة الأصدقاء الحقيقيّين الأوفياء – يذكّرني بما قاله الشّاعر صفيّ الدّين الحلّيّ (1277م – 1339م) قبل حوالي سبعة قرون:
لَمّا رَأَيتُ بَني الزّمانِ وَما بِهِم – خِلٌّ وَفِيٌّ لِلشَّدائِدِ أَصطَفي
أَيقَنتُ أَنَّ المُستَحيلَ ثَلاثَةٌ – الغولُ وَالعَنقاءُ وَالخِلُّ الوَفي
عجيبٌ حال النّاس، يبدو أنّهم لم يتغيّروا ولم يختلفوا في أيّامنا عمّا كان الحال قبل سبعة قرون في عصر الشّاعر صفيّ الدّين الحلّيّ الّذي يرى استحالة وجود ثلاثة أشياء: الغول (الكائن الخرافيّ الوهميّ المخيف) والعنقاء (طائر خرافيّ وهميّ قد يرمز للخلاص) والصّديق الوفيّ المخلص!
مع ذلك، رغم إدمان النّاس في أيّامنا على استخدام الإنترنت والهاتف الخلويّ، والتّهافت على استعمال وسائط التّواصل الاجتماعيّة الحديثة، وكثرة الأصدقاء “الافتراضيّين” إلّا أنّني أومن بإمكانيّة وجود الأصدقاء الحقيقيّين المُخلصين، وأنّهم ضرورة لكلّ فردٍ منّا، فلا بديل عن الأصدقاء الحقيقيّين، فهذا الفيلسوف فولتير يقرّر: “كلّ أمجاد العالم لا توازي صديقًا صادقًا”. وهناك من قال: “أتعسُ النّاس مَنْ كان بغير صديق، وأتعسُ منه مَنْ كان له صديق وخسره”.
معظمُنا قد يواجه في حياته الهموم والمشاكل، ويعاني من الضّيق والقلق، ونحن نحتاج إلى الصّديق المُخلص لكي نبوحَ له بما يعتمل داخلنا من ضغوط نفسيّة، وهذا البوح أو الفضفضة أمام صديق يتّصف بالأمانة والصّدق والثّقة ويُحْسِن الإصغاءَ يمنحنا الشّعور بالارتياح، ويخفّف من مشاعرنا السّلبيّة!
ولنتذكّر: للحصول على الصّديق الوفيّ والحفاظ عليه يجب أنْ نكون نحن أصدقاء أوفياء، نتحلّى بالمحبّة والتّسامح وبالبذل والعطاء والإصغاء!
قد يرتكب الصّديقُ الأخطاء والهفوات، فالكمال المطلق لله سبحانه وتعالى، أمّا الإنسان – كلّ إنسان – فلنْ يبلغ هذا الكمال المطلق، لذلك، وجب علينا التّسامح والتّغاضي عن هفوات الصّديق إذا وقعت، لأنّ لنا هفواتٍ وعيوبًا كذلك.
وما أروعَ قول الشّاعر:
إذا كنتَ في كلِّ الأمور معاتبًا- صديقَك لم تلقَ الّذي تعاتبُه
إذا أنتَ لم تشربْ مرارًا على القذى – ظمِئتَ وأيُّ النّاسِ تصفو مشاربُه؟
ومن ذا الذي تُرضي سجاياه كلُّها – كفى المرء نبلًا أنْ تُعدَّ معايبُه
الصديق الحقيقيّ الوفيّ بمثابة أخِ لم تلده أمّنا، وعادة نحن نسامح أخانا مهما ارتكب من أخطاء وإساءة، وما أصدق المثل: ” من يبحث عن صديقٍ بلا عيب يبقَ بلا صديق”.

