صانعُ الخوف… وحكمُ القطيع

فخري هواش

تاريخ النشر: 07/12/25 | 12:24

الـ زعيمٌ الذي ينهض من بين الركام
في زمن تتساقط فيه الحكومات سريعًا، يبقى بنيامين نتنياهو ظاهرة سياسية فريدة في إسرائيل: زعيم محاصر بالاتهامات، ومتهم بالتقصير الأمني، ومُدان في العيون الدولية… ومع ذلك، يعود إلى الحكم مرة بعد أخرى.
السؤال الذي يطرحه المراقبون ليس: كيف ينجح؟ بل:
كيف لا يسقط؟
الجواب لا يكمن في عبقرية سياسية بقدر ما يكمن في هندسة الخوف.
فنتنياهو لم يُعد تشكيل السياسة الإسرائيلية فحسب، بل أعاد تشكيل العقل الإسرائيلي نفسه.
القسم الأول: الخوف كأيديولوجيا
● 1. نتنياهو… صانعُ الخوف الأول
● ينجح نتنياهو في ما يفشل فيه غيره:
تحويل السياسة إلى حالة طوارئ دائمة.
يجعل جمهوره يشعر أن الخطر على الأبواب دائمًا، وأن نجاتهم مرهونة ببقائه في القمة.
● ولذلك صار يُعرف في الداخل الإسرائيلي – حتى بين خصومه – بأنه مُهندس الخوف.
لا يحكم بالقوة العسكرية، بل بقوة السردية:
“أنا وحدي أمنع الانهيار… من دوني ستُهاجَم إسرائيل من الجميع.”
● 2. تحويل الآخر إلى تهديد وجودي
● في خطابه، يصبح كل “آخر” خطرًا:
● العربي “خطر ديموغرافي”.
● الفلسطيني “تهديد وجودي”.
● الإيراني “عدوّ الساعة الأخيرة”.
● اليسار “عميل”.
● الإعلام “مؤامرة”.
● المحكمة “خصم الدولة”.
● بهذا الخطاب، يصبح المجتمع الإسرائيلي مُعبّأ دومًا، مشدود الأعصاب، يبحث عن القائد الذي يصدّ عنه “الأعداء”…
حتى لو كان القائد نفسه هو الذي يدفعه نحو الهاوية.
● القسم الثاني: كيف يتفاعل الجمهور؟
● 1. مجتمع يتجه يمينًا بلا عودة
● الصهيونية الدينية، الحريديم، المستوطنون…
هذه القوى ليست هامشية، بل أصبحت عمودًا فقريًا للهوية الإسرائيلية الجديدة.
ترى في نتنياهو الحامل السياسي الأمثل لمشروعها العقائدي–التوراتي.
أي زعيم آخر قد يتردّد؛ أما هو فيعطيها مفاتيح الدولة.
● 2. اليسار… بلا مشروع، بلا روح
● الأحزاب التي كانت يومًا عماد السياسة الإسرائيلية فقدت قدرتها على الطرح والتأثير.
ليس لديها خطاب متماسك، ولا قيادة كاريزمية، ولا قدرة على منافسة ماكينة اليمين.
وهكذا يُترك الجمهور أمام خيار واحد:
نتنياهو… أو الفراغ.
● 3. الإعلام الموازي: صناعة واقع بديل
● القنوات اليمينية، خصوصًا القناة 14، بنت عالمًا موازيًا:
عالمٌ فيه نتنياهو “رجل الدولة الوحيد”،
وخصومه “خطر داخلي”،
والأخطاء “مؤامرات”،
والأزمات “معارك انتصار”.
● هذه البيئة لا تنقل خبرًا… بل تبني عقلًا.
● القسم الثالث: تحويل الفشل إلى دليل
● 1. الأزمة الأمنية… دليل قوة؟
● خلال السنوات الأخيرة، شهدت إسرائيل أسوأ ثغرات أمنية في تاريخها، أبرزها 7 أكتوبر.
ومع ذلك، نجح نتنياهو في تحويل هذه الكارثة إلى “شهادة” على ضرورة بقائه:
“الخطر أكبر مما تتصورون… لذلك تحتاجونني أكثر من أي وقت.”
● 2. عزلة إسرائيل الدولية… إلى مكسب داخلي
● كلما تزايدت الضغوط الدولية على حكومته، قدّم الأمر كأنه “صمود أمام العالم المعادي”.
وبذلك يصبح الفشل الخارجي مادة لحشد الداخل.
● 3. الانقسام الداخلي… وسيلة للنجاة
● نتنياهو بارع في تقسيم المجتمع:
ديني/علماني
مستوطنين/مدن
شرق/غرب
يسار/يمين
● وكلما تعمّق الانقسام، قلّت فرص ظهور بديل.
● القسم الرابع: أسلوب الحكم بالعصا غير المرئية
● 1. الخوف أداة سلطة
● في علم النفس السياسي، يُقال:
الشعوب الخائفة تُسلّم قيادها للمُخيف.
وهذا ما يفعله نتنياهو بالضبط.
● 2. القطيع الخائف لا يغيّر راعيه
● إنه يدرك أن جمهورًا يُغذّى يوميًا بخطاب تهديد لن يفكّر في التغيير.
فالمستقبل المجهول أكثر رعبًا من الحاضر السيئ.
● الخاتمة: نحو أي أغوار يتّجه القطيع؟
● نتنياهو لا يحكم بإنجاز، ولا بشرعية، ولا برؤية مستقبلية.
يحكم بـ صناعة خوف وبتحويل الشعب إلى قطعان تدور في حلقة مغلقة:
خوف → تبعية → مزيد من الخوف → مزيد من التبعية.
● وما دام المجتمع الإسرائيلي يفضّل الخوف على التفكير،
والحظيرة على الحرية،
والراعي على المسؤولية،
فإن صانع الهلع سيبقى ممسكًا بالعصا…
حتى وهو يقود القطيع نحو الهاوية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
بقجة Icon
بقجة
أحصل على تطبيق بقجة الجديد
تحميل
×

تمّ اكتشاف مانع للإعلانات

فضلاً قم بإلغاء مانع الإعلانات حتى تتمكن من تصفّح موقع بقجة