حين تصدأ الأسلحة وتبقى الكلمة

فخري هوّاش

تاريخ النشر: 24/11/25 | 7:32

في التاريخ الإنساني الطويل، لم يثبت سلاح فعاليته واستدامته كما أثبتت الكلمة قدرتها على البقاء. السيف يصدأ، البندقية تُهمل، المدفع يتقادم، الدبابة تتحول إلى خردة، والطائرات مهما بلغت دقتها تصبح جزءًا من متاحف الحرب.
وحدها الكلمة لا تتآكل، ولا تتخلف عن زمانها، ولا تفقد شجاعتها.
فالكلمة هي الخلية الحية التي تنقل المعنى، وتبني الوعي، وتصنع شرارة التغيير.
من هنا نفهم لماذا جاءت كل الرسالات الكبرى بكلمة:
محمدٌ رسول الله بدأ بدعوة اقرأ، دعوةٌ لتحرير العقل من أسر الجهل.
والمسيح عليه السلام جاء بكلمة أُلقيت إلى مريم، فكانت علامة الوجود والمعنى.
وموسى عليه السلام بدأ ثورته على الطغيان بكلمة: اذهب إلى فرعون.
هذه اللحظات المؤسسة ليست روايات دينية فحسب، بل شواهد على مركزية الكلمة في مواجهة الاستبداد وتحريك التاريخ.
الكلمة… جوهر المقاومة وأعلى مراتب الجهاد
حين يعتبر التراث الإنساني والديني أن “أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر”، فهو يؤكد أن المعركة الحقيقية لا تبدأ بالبندقية، بل تبدأ بموقف.
أنّ الجيوش تُهزم حين تفقد روايتها، وأنّ الأنظمة تسقط حين تفقد قدرتها على إقناع الناس بسرديتها، وأنّ الشعوب تنتصر حين تستعيد الحق في قول كلمة.
ولذلك لم يكن غريبًا أن تتدفق الملايين إلى الشوارع في مختلف عواصم العالم — من واشنطن إلى مدريد وبروكسل وفلورنسا وبرلين وساو باولو وإسطنبول وكوالالمبور — لتقول كلمة واحدة:
“لا للإبادة الجماعية.”
لقد عاد الضمير العالمي إلى الحياة، وتذكّر أن الإنسان قيمة قبل أن يكون جنسية أو هوية.
ورغم سيطرة رؤوس الأموال، وتوحش الإعلام، وحسابات المصالح؛ فإن وفاء الشعوب لقيم العدالة أثبت أن الكلمة ما زالت أقوى من آلة الحرب.
لكن… أين الشارع العربي والإسلامي؟ سؤالٌ موجع
حين ننظر إلى الضفة الأخرى من المشهد، تبدو الصورة قاتمة.
الشارع العربي والإسلامي — يقف اليوم في منطقة صمت مربكة.
سكتم بكتم لا صيحة غضب، لا حشود هادرة، لا ملامح لصحوة واسعة.
وكأنّ الأرض فقدت صداها، أو كأنّ اللغة أُخمدت عمدًا.
هذا الغياب لا يمكن تفسيره بعامل واحد. بل هو نتاج تراكمي لثلاثة مستويات متداخلة:
1. مستوى
سياسي: حين تُصبح الكلمة تهمة
عقود طويلة من القمع جعلت الشارع يتوارث الخوف.
النظام العربي — في مجمله — تعامل مع الكلمة بوصفها خطرًا وجوديًا عليه.
فتمّ تحويل الاحتجاج إلى جريمة، والرأي إلى مؤامرة، والصوت إلى ملف أمني.
نشأت أجيال لا ترى في التظاهر حقًا، بل قدرًا من المخاطرة قد يُدمّر حياة الإنسان.
2. مستوى اجتماعي: تآكل الروابط الجماعية
هنا تكمن المأساة الاجتماعية:
تراجع دور النقابات، اضمحلال الأحزاب، موت الحركة الطلابية، وتحوّل المجتمع إلى جزر فردية منفصلة.
أصبح الفرد منشغلًا بنجاته الشخصية، لا بواجبه الأخلاقي أو الوطني.
تبددت الروح الجماعية، التي كانت ذات يوم قادرة على تحريك الملايين.
3.مستوى إعلامي: صناعة الصمت وتجميله
تمكّن الإعلام الرسمي والمموّل من تحويل الصمت إلى فضيلة، واللامبالاة إلى حكمة، والموقف إلى فوضى.
لم يكتفِ بتبرير الغياب، بل صنع سردية كاملة تقول:
“لا فائدة من الاحتجاج… هناك أولويات أخرى.”
هكذا تحوّلت الكلمة من حق إلى اشتباه، ومن أداة تغيير إلى مادة خطرة يجب تجنبها.
ظاهرة “بلع اللسان”: صورة مكثفة لأزمة أوسع
لغة الشارع تُوجز التحليل:
هناك من باع لسانه خوفًا أو طمعًا،
هناك من بيع لسانه في سوق الولاءات السياسية،
وهناك من ألقاه للقطط حين اختار اللامبالاة والاستقالة من دوره الأخلاقي.
والنتيجة:
أمّة تنتظر أن يتكلم عنها الآخرون لأنها لم تعد تثق بلسانها.
المفارقة الأخلاقية: العالم يصرخ… ونحن نهمس
في اللحظة التي تخرج فيها الملايين في الغرب والشرق ترفض الظلم، تكتفي قطاعات واسعة من شعوبنا بالمشاهدة.
وهذا لا يعني أن الوجدان العربي ميت، بل أن أدوات التعبير تمّ تفريغها وتعطيلها وتحويلها إلى قنوات آمنة لا تهدد أحدًا.
المفارقة أن الشعوب التي تعيش في أنظمة مفتوحة خرجت بقوة،
بينما الشعوب التي من المفترض أنها صاحبة القضية،
صارت الأكثر صمتًا.
خاتمة: استعادة اللسان هي الخطوة الأولى لاستعادة الدور
الأمم لا تُقاس بعدد جيوشها، بل بقدرتها على اتخاذ موقف أخلاقي.
وحين يصمت الشارع، لا تنهار السياسة فحسب، بل تنهار الروح الوطنية.
الحل ليس في السلاح، بل في استعادة وظيفة الكلمة.
في إعادة بناء المجتمع حول فكرة الموقف، لا حول فكرة الخوف.
لأنّ الصمت — في زمن الإبادة — ليس حيادًا.
إنه تورط غير معلن.
وسيظل التاريخ يذكر ما قيل… وما لم يُقل.
وأنّ أكثر ما يجرحنا اليوم ليس ما فعله الآخرون،
بل ما صمتنا عنه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
بقجة Icon
بقجة
أحصل على تطبيق بقجة الجديد
تحميل
×

تمّ اكتشاف مانع للإعلانات

فضلاً قم بإلغاء مانع الإعلانات حتى تتمكن من تصفّح موقع بقجة